شنت صحف سعودية حملة موسعة عبر صفحاتها ضد ممارسات
الإمارات في إقليم
الشرق الأوسط، كاشفة عن حجم تلاعبها في السوق
المصري، وسيطرتها على قرار القاهرة الاقتصادي
والسياسي، وتآمرها على الشعب المصري لصالح مشروعي إثيوبيا وإسرائيل الكبرى، وإحاطتها
بسياج من الأزمات في غزة وليبيا والسودان.
ونشرت صحيفة "
الجزيرة"
السعودية مقالا بعنوان "الإمارات
التي في قلوبنا"، لأحمد بن عثمان التويجري، اتهمت فيه أبوظبي بأنها: "خنجر
في خاصرة الأمة العربية ومطية غبية ركبتها الصهيونية لتحقيق أطماعهم بالمنطقة وعلى
مستوى الأمة".
جرد حساب
ورصد التويجري، في مقاله إجراءات السيطرة الإماراتية على مصر، مؤكدا أنها
"استغلت الظروف الاقتصادية الصعبة التي عانت وتعاني منها مصر فتسللت إلى مفاصل
الاقتصاد المصري"، مبينا أن ذلك "للسيطرة عليه والتحكم بمفاصله تمهيدا للتحكم
بمصر وقراراتها".
وأشار إلى سيطرة أبوظبي على الموانئ، والاستحواذ على حصص ضخمة بمؤسسات
وشركات مالية وصناعية وزراعية كبرى منها: البنك التجاري الدولي، وبلتون المالية القابضة،
وفوري للتكنولوجيا المالية، وأبوقير للأسمدة، وموبكو، والإسكندرية للحاويات، هذا عدا
عن الاستثمارات العقارية الكبرى بعشرات مليارات الدولارات.
اظهار أخبار متعلقة
واتهم التويجري، الإمارات بالتآمر على مصر وشعبها قائلا: "وفوق ذلك
كله تآمرت مع إثيوبيا ودعمتها ماليا لتنفيذ سد النهضة الذي يشكل أكبر خطر استراتيجي
لمصر، كل ذلك خدمة لأطماع إسرائيل الكبرى".
حصار مصر
وحول محيط مصر لفت التويجري، إلى حصار الإمارات لمصر بالأزمات، قائلا:
"في ليبيا دعمت القلة الانفصاليين وزودتهم بالمال والعتاد والذخائر... "،
مضيفا: "وفي السودان وبتنسيق كامل مع الكيان الصهيوني قدمت كل أنواع الدعم لمليشيا
الدعم السريع...
".
وأكد أنه "ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أبوظبي هي التي كانت أكبر
محرِّض للكيان الصهيوني في العدوان على قطاع غزة... ".
وتابع: "وفي الصومال سعت بكل ما تملك لفصل الشمال عن الجنوب ووضعت
للكيان الصهيوني موقع قدم في القرن الإفريقي محققة بذلك حلما طالما تمناه الصهاينة
وهو السيطرة على مضيق باب المندب وإكمال الطوق على مصر والسعودية... ".
وفي تعليقه وصف الكاتب الصحفي جمال سلطان، المقال بأنه ضمن "حملة
غير مسبوقة في الصحافة السعودية على الإمارات، تفتح سجل جرائمها في مصر وقطاع غزة"،
قائلا: "ويبدو واضحا أن المملكة تجري جردة حساب للإمارات عن مجمل تجاوزاتها في
المنطقة خلال العقد الأخير، والحساب، كما هو واضح، ثقيل للغاية".
حملة سعودية وصمت إماراتي
وشهدت الأيام الماضية
تصعيدا إعلاميا سعوديا غير مسبوق، ودعوات سعودية
وفي اليمن والسودان لمقاطعة السياحة والمنتجات الإماراتية مع بث تقارير رسمية تتهم
الإمارات بدعم الفوضى في اليمن والصومال والسودان وليبيا وقطاع غزة.
اظهار أخبار متعلقة
وتبث قناة "
الإخبارية" الرسمية السعودية، تقريرا يوميا حول
الإمارات، وتفتح صحف سعودية ملفات قديمة، تربط أبوظبي بالاغتيالات في اليمن، والسجون
السرية منذ العام 2017، إلا أن الإعلام الإماراتي الرسمي والخاص لم يرد.
وفيما أُطلق عليه "إنذار أخير"
هدد التلفزيون السعودي الرسمي،
في 18 كانون الثاني/ يناير الجاري، باتخاذ إجراءات غير مسبوقة ضد الإمارات، متهما إياها
بالاستمرار في العمل ضد مصلحة المملكة.
توافق مصري مع الرياض
وفي 20 كانون الثاني/ يناير الجاري، قالت صحيفة "
واشنطن بوست":
استراتيجية السعودية تقوم على مواجهة نفوذ الإمارات بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي،
وأن الرياض تعقد تحالفات مع تركيا وباكستان، وتجري محادثات مع مصر والصومال بهذا الشأن،
مبينة أنه في المقابل غيرت الإمارات رحلاتها إلى وكلائها في تشاد وليبيا والسودان عن
المجال الجوي للقاهرة، التي تمثل أبوظبي حليفه الإقليمي الأهم.
والجمعة كشفت معطيات تتبّع حركة الطيران عن سلسلة رحلات نفذتها طائرة
شحن مرتبطة بالإمارات بين قواعد عسكرية في أبوظبي والبحرين وإسرائيل وإثيوبيا، في وقت
يشهد فيه الصراع على النفوذ بين الرياض وأبوظبي تصعيدا غير مسبوق وسط مخاوف من انتقال
المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة في السودان والقرن الأفريقي، بحسب موقع "
ميدل إيست
آي".
وانضمت مصر إلى السعودية وفق ما أفاد الموقع البريطاني، الذي قال إن القاهرة
تبادلت معلومات استخباراتية مع الرياض حول أنشطة الإمارات في اليمن، وذلك في توقيت
كثّفت السعودية إلى جانب مصر وتركيا دعمها العسكري للقوات المسلحة السودانية لمواجهة
الدعم الإماراتي المستمر لقوات الدعم السريع في السودان.
وحول التعامل المحتمل من الحكومة المصرية مع الاتهامات السعودية للإمارات
بالتآمر على القاهرة والسيطرة على قرارها وتملك اقتصادها وأراضيها، ودور الحملة السعودية
في تحفيز الشارع المصري لرفض بيع الأصول للإمارات ووقف التنازلات الاقتصادية لشركاتها،
تحدث خبراء ومحللون إلى "عربي21".
شحن مصر وتسخين المصريين
ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير عبدالله الأشعل، أن "الحرب
بدأت بين السعودية والإمارات في اليمن والسودان وليبيا، ومحمد بن سلمان عازم على تتبع
أبوظبي ويعرف أن خلفها إسرائيل".
وأوضح لـ"عربي21"، أن "حديث الصحف السعودية عن التوغل
الإماراتي في مصر هدفه تسخين مصر وشحن المصريين ضد الإمارات، لكن المعركة سعودية وليس
لنا مصلحة بها، كما أنهما سيتصالحان سويا فالقاسم المشترك بينهما هو أمريكا".
وأكد أنه "على مصر المحافظة على مصالحها مع الجانبين وعدم الانحياز
لطرف، وذلك برغم أن كلام التويجري صحيح ولكن هدفه دفع المصريين لحرب السعودية ضد الإمارات".
تغلغل أكثر مما كتب التويجري
وفي رؤيته، يعتقد الأكاديمي المصري، الدكتور محمد الزواوي أن "الاتهامات
السعودية ليست جديدة على الإدارة المصرية، التي من المؤكد أنها كانت تعلم مدى تغلغل
الإمارات في الداخل المصري؛ فالمشكلة الرئيسية تكمن في إرادة بيع الأصول لتمويل عجز
الموازنة وإعلان فشل إدارة أصولها السيادية ومناطقها السياحية وموانئها".
وتابع قائلا لـ"عربي21": "وأن الدولة المصرية بكل ما لها
من خبرات بيروقراطية وإدارية عجزت عن تنمية مواردها، وفي تلك الحالة فإن التنازل عن
السيادة على تلك المشروعات والموانئ والمناطق السياحية لن تفرق معه كثيرا إذا كانت
الإمارات أو غيرها، ومن ثم فتكمن المشكلة الرئيسية في غياب الإرادة المصرية عن إدارة
أصولها السيادية وإعلان أن الاستدانة والبيع هما فقط ما تملكه الإدارة المصرية الحالية".
اظهار أخبار متعلقة
خبير العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية، والمحاضر بجامعة
"سكاريا"، التركية، أكد أن "أجهزة جمع المعلومات لديها ما هو أكثر بكثير
مما كتبه التويجري أو غيره، وأن أجهزة المعلومات والتقديرات في الاستخبارات المصرية
من المؤكد أنها رصدت تداعيات ذلك على الداخل المصري وعلى سيادتها وعلى أمنها القومي
والإقليمي".
واستدرك: "ولكن مرة ثانية تكمن المشكلة في العجز عن تنمية موارد
الدولة والاعتماد الحصري على الاستدانة والبيع، كما كشفت من قبل اتجاهات إنفاق الدولة
لتلك الديون على مشروعات لا توفر عائدات سريعة أو حتى طويلة الأمد مثل قطار المونوريل
وغيرها من المشروعات، ومن ثم فإن المشكلة تكمن في طريقة إدارة أصول الدولة وأولوياتها
التنموية".
ضجيج نخبوي لا صدام رسمي
وفي تعليقه، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح
المنير: "ما نراه هنا ليس قرارا سعوديا رسميا، بقدر ما هو سجال إعلامي ونخبوي
داخل صحف سعودية يتضمن مقالات رأي تنتقد نفوذ أبوظبي الإقليمي وتمددها عبر الموانئ
والأصول الاستراتيجية؛ وهذا واضح من مادة مقال بعنوان
(وهم الدولة المحورية) بموقع
الجزيرة السعودية الخميس الماضي، والتي تتهم الإمارات صراحة بنزعة (الهيمنة على الممرات
المائية والموانئ الاستراتيجية)".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنه "في المقابل، لا يظهر حتى
الآن انتقال هذه الحملة إلى مستوى موقف رسمي سعودي مُعلن ضد الإمارات في الملف المصري
تحديدا؛ أي أن القاهرة ستديره بمنطق ضجيج يمكن احتواؤه لا كصدام حتى تحافظ على مصالحها
مع الطرفين".
يتوقع الباحث المصري، أن "يكون هناك تجاهل إعلامي رسمي أو رد منخفض
السقف؛ فالقاهرة عادة لا تفتح اشتباكا علنيا بين حليفين خليجيين، لأنها تحتاج خطوط
تمويل واستثمار من الطرفين، مع رسائل طمأنة لأبوظبي بأن الاستثمارات محمية، ورسائل
للرياض بأن القاهرة منفتحة على توسيع الحصة السعودية وتنويع الشركاء".
"بمعنى آخر ستعمل القاهرة على استثمار الخلاف بإعادة وزن الحصص بين الإمارات
والسعودية وقطر؛ لتخفيف الاعتماد على طرف واحد ما يتماشى مع عقلية التاجر التي تتحكم
في السيسي، بغض النظر عن الأمن القومي".
يدعم حجة المعارضة
وحول تأثير الانتقادات السعودية لتوغل الإمارات في مصر على الشارع المصري،
يظن المنير، أنه "محدود على الأرض بسبب بنية المجال العام من إعلام مُقيّد وقبضة
أمنية باطشة مما يجعل تكلفة الاحتجاج عالية، لكن تأثيرها ملموس رقميا حيث تمنح سردية
جاهزة لمعارضي النظام بالخارج حول بيع الأصول وتضيف لها غطاء خليجيا ولو كان إعلاميا".
ولفت إلى نقطة مهمة، موضحا أنه "عندما تأتي الانتقادات من البيت
الخليجي قد تُكسب خطاب رفض بيع الأصول قوة إقناعية إضافية لدى شرائح كانت ترى الاعتراض
معارضة داخلية فقط لكنه يظل أثر دعائي ولا يعني تلقائيا حركة جماهيرية".
وأكد أنه "حتى الآن لا يمكن اعتبار ما يحدث إذا بقيت في مستوى المقالات
والمواد غير الرسمية، سوى إشارة ضغط ومناكفة لا إلى خطة كسر عظم للنفوذ الإماراتي في
مصر، لكن إن تكررت وتوسعت عبر منصات متعددة وبنبرة متسقة حول الموانئ والأصول، فقد
تعكس رغبة سعودية في إعادة تموضع داخل مصر اقتصاديا ولوجستيا، خصوصا مع تصاعد تنافس
الموانئ إقليميا".
التنافس على مصر
وفي إجابته على السؤال هل تشعر الرياض أن السيطرة الإماراتية على الموانئ
والأصول الاستراتيجية المصرية تهدد مصالحها ومشروعها "رؤية 2030"؟، قال الباحث
المصري: "المنطق الاستراتيجي يقول: نعم، يمكن أن تُرى كمنافسة مباشرة، لأن (رؤية
٢٠٣٠) تراهن على تحويل السعودية إلى مركز لوجستي وتجاري وبحري؛ بينما تمتلك الإمارات
أصلا شبكة نفوذ موانئ وخدمات لوجستية إقليمية متقدمة".
ويرى أن "هذا لا يعني أن السعودية ستصطدم علنا بالإمارات داخل مصر؛
الأغلب أنها ستنافس عبر توسيع حصتها الاستثمارية والتحالفات البحرية واللوجستية في
البحر الأحمر وحوله، وهو مجال موثق كتقاطع تنافس إقليمي ودولي".
في ظل ملفات ساخنة
وقال إن "الأسئلة المطروحة عن الحملة السعودية على النفوذ الإماراتي
في مصر لا تُفهم بمعزل عن الملفات الساخنة التي تتقاطع اليوم في نقطة واحدة: صراع على
مفاتيح الجغرافيا الاقتصادية والأمن البحري".
وأضاف: "فخلاف الرياض وأبوظبي في اليمن- خصوصا حول جنوب وشرق اليمن
وباب المندب ينعكس تلقائيا على ملف الموانئ والممرات واللوجستيات في البحر الأحمر،
ثم يمتد إلى مصر حيث تتحول صفقات الأصول والمرافئ إلى أدوات نفوذ سياسي لا مجرد استثمار".
وتابع: "من هنا يصبح السؤال: هل تستخدم الرياض هذه الحملة للضغط
لإعادة توازن الحصص داخل مصر وكبح تمدد الإمارات في الأصول الاستراتيجية؟، وهل يلتقط
الشارع المصري هذه الرسالة فيربط بين بيع الأصول وبين السيادة الوطنية؟".
ويواصل: "ثم يتسع الإطار ليشمل السودان والقرن الأفريقي وغزة، حيث
تتنافس القوى الإقليمية على ترتيبات اليوم التالي ومواقع التأثير، بما يعني أن ما يبدو
سجلا إعلاميا حول مصر هو في العمق جزء من إعادة ترتيب موازين القوة في الإقليم كله".