في الوقت الذي تشير
فيه الأنباء القادمة عبر صحف دولية عن تغير في توجهات رئيس النظام
المصري عبد
الفتاح السيسي، عن مخططات
الإمارات في إقليم الشرق الأوسط يقابله تقارب مع
السعودية
في ملفات: اليمن، والصومال، والسودان، وليبيا، واتخاذ القاهرة إجراءات حاسمة غير مسبوقة
بتلك الملفات، تشير أنباء أخرى إلى استمرار التعاون الاقتصادي مع أبوظبي.
انحياز للرياض وتحذير
من أبوظبي
وعن مصدر بالرئاسة
المصرية نقل موقع "
ميدل إيست آي"، 13 كانون الثاني/ يناير الجاري، تأكيده
مشاركة مصر معلومات استخباراتية وتسجيلات مع السعودية عن نشاط الإمارات وأهدافها في
اليمن، وعن دعمها "مليشيا الدعم السريع" بالسودان، فيما أشار الموقع إلى
طلب الرياض من القاهرة تجهيز قواتها البحرية لقطع خطوط الإمداد المحتملة من أبوظبي
إلى جنوب اليمن.
وذلك وسط تصاعد التوترات
بين السعودية والإمارات، وفي توقيت ينظر فيه المصريون إلى دعم الإمارات للجماعات المسلحة
والانفصالية في اليمن والسودان وصوماليلاند باعتباره تهديدا للأمن القومي المصري.
في المقابل، ووفق الموقع
البريطاني، "أثار تبادل المعلومات الاستخباراتية غضب أبوظبي"، ناقلة عن
مصدر مصري آخر، تأكيده اعتراض الإمارات وتوجيهها تحذيرا من تحسين علاقات القاهرة مع
الرياض على حسابها، وتلويحها باستثماراتها في مصر.
وفي إطار حصار السعودية
النفوذ الإماراتي في إقليم الشرق الأوسط، أكدت وكالة "بلومبيرغ" 8 كانون
الثاني/ يناير الجاري، سعي تركيا للانضمام لتحالف دفاعي سعودي باكستاني، ما قرأ فيه
خبراء بأنه تمهيد لتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط، دون حضور مصري.
إلا أن وكالة
"
بلومبيرغ"، قد قالت الجمعة، إن السعودية بصدد تشكيل تحالف عسكري جديد مع
الصومال ومصر، في إطار الحد من النفوذ الإقليمي للإمارات، وذلك بعد أن ألغت الصومال
الأسبوع الماضي اتفاقيات أمنية وموانئ مع الإمارات، وذلك في ظل حضور عسكري مصري متسارع
في الصومال في إطار اتفاقية عسكرية أُبرمت العام الماضي.
طرد الإمارات وحضور
مصر
وفي مقابل قرار الصومال
تعليق جميع الرحلات العسكرية الإماراتية في أجوائه وسماحها لأبوظبي سحب ما تبقى من
أفرادها ومعداتها العسكرية دون إخضاعها لأي تفتيش، ومع أنباء بحث الإمارات عن مسارات
طيران بديلة إلى ليبيا بعيدا عن أجواء الصومال والسعودية ومصر؛ تزايد الحضور العسكري
المصري بمقديشيو.
وكشف أستاذ الدراسات
الأمنية الصومالي، حسن شيخ علي نور، لـ"
عربي21"، إن ضباطا من وزارة الدفاع
المصرية زاروا الصومال عدة مرات عقب هذه التطورات، في إطار التنسيق بين وزارتي الدفاع
في البلدين.
تطور غير مسبوق
وإلى جانب إمداد القاهرة
الرياض بمعلومات استخباراتية حول تحركات الإمارات في اليمن والسودان، شهد دور مصر في
حصار النفوذ الإماراتي بالإقليم تطورا غير مسبوقا، منذ تفجر أزمة الحرب السودانية في
نيسان/ أبريل 2023، بين "مليشيا الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)
المدعومة إماراتيا، والجيش السودان المدعوم من مصر وتركيا والسعودية، كمؤسسة شرعية.
إذ تشير
الأنباء إلى
ضرب الجيش المصري ولأول مرة إمدادات عسكرية قرب العوينات كانت قادمة من الإمارات عبر
قوات خليفة حفتر بليبيا، إلى مليشيا الدعم السريع، وسط أنباء عن إبلاغ القاهرة حفتر
بضرورة الخروج من مشروع "الإمارات- حميدتي"، ما أثار التساؤل حول احتمالات
الصدام المباشر بين القاهرة وأبوظبي، في هذا الملف.
ما دفع الباحث السوداني
عباس محمد صالح للقول إن الضربة المصرية في العوينات كانت بداية رسالة، وأن زيارة نجل
حفتر للقاهرة كانت استكمالها، مؤكدا أنه "بين الرسالتين، تقف المنطقة على مفترق
طرق: إمّا ضبط مسارات الدعم غير المعلن، أو الانزلاق أكثر نحو حروب الوكالة المفتوحة".
تعاون اقتصادي رغم
التنافر السياسي
لكنه على الجانب الآخر،
وفي ظل زيادة حالة التنافر السياسي بين مصر والإمارات وتصاعد حجم المواجهة بملفات السودان
والصومال واليمن، تتواصل عمليات التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ونشر موقع "
الشرق"،
12 كانون الثاني/ يناير الجاري، خبرا يقول إن "الحكومة المصرية تتعاقد مع مستثمر
إماراتي، حول مشروع سياحي عمراني بمساحة 642 فدانا بالساحل الشمالي، بالقرب من مشروع
"رأس الحكمة" الذي تستحوذ عليه الإمارات منذ نحو عامين.
وذلك وسط أنباء عن
تفاوض شركة "
الكازار" الإماراتية مع صندوق مصر السيادي، ووزارة الكهرباء
المصرية، لإتمام استحواذها على "محطة رياح جبل الزيت" بالبحر الأحمر، وهي:
الأكبر محليا وقاريا، بقدرة 580 ميغاواط، في صفقة بقيمة 350 مليون دولار، وسط توقعات
بتوقيعها رسميا بالربع الأول من 2026.
وعلى ذات المنوال،
انتقد خبراء ومراقبون إصدار مصر، وثيقة تؤمن ملكية الأجانب للعقارات وتمنحها حصانة
قانونية حال النزاع، مشيرين إلى أنها تزيد مخاوف المصريين من تحول التغلغل الإماراتي
في قطاع العقارات الراقية في الساحل الشمالي والبحر الأحمر والمدن الجديدة إلى استيطان
مقنن بما يحيطه من مخاوف حضور غير مرغوب لحاملي الجنسية الإسرائيلية.
والأربعاء الماضي،
كشف رئيس "هيئة الرقابة المالية" (حكومية) محمد فريد، تفاصيل
وثيقة تأمين
سند الملكية العقارية لمنح الطمأنينة الكاملة للمستثمرين، الأجانب والمحليين، عند شراء
العقارات، بما يضمن عدم تعرضهم لمنازعات ملكية بعد إتمام الشراء.
علاقة عضوية رغم المخاطر
وفي قراءته للمشهد
من جانبيه، قال السياسي المصري المعارض وعضو "المكتب التنفيذي لائتلاف شباب الثورة"
السابق، محمد عباس، لـ"عربي21"، إن "هناك علاقة عضوية اقتصادية بين
النظام المصري والنظام الإماراتي".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن "النظام
المصري، برئاسة السيسي، لا يستطيع الاستغناء تماما عن الدعم الاقتصادي الإماراتي الذي
أنقذه أكثر من مرة من أزمات اقتصادية طاحنة بصفقات ودعم مالي كبير، كصفقة رأس الحكمة
التي وصلت إلى ٣٥ مليار دولار".
ولفت إلى أنه
"على الجانب الآخر هناك قلق مصري من داخل المؤسسات من تزايد أدوار الإمارات المختلفة
في عمق الأمن القومي المصري؛ ودائما ما تكون الإمارات في تلك القضايا على الجانب الآخر
من المصالح المصرية".
ويرى عباس، أن
"تدخل الإمارات في القرن الأفريقي في صوماليلاند ودعم مليشيات الدعم السريع بالسودان،
ودعم تقسيم اليمن؛ هي ضربات للأمن القومي المصري، في ظل وجود إسرائيل في الخلفية بتعاون
تكاملي بين أبوظبي وتل أبيب".
تحرك نحو البديل
ومضى يوضح أن
"تحرك السعودية لمواجهة التحركات الإماراتية الإسرائيلية في اليمن والصومال، وأيضا
في السودان بعد شعور الرياض بتهديد واسع لأمنها القومي؛ أعطى دفعة للأطراف الداخلية
المصرية التي ترى الخطر الاستراتيجي من تحركات الإمارات على الأمن القومي المصري للانحياز
للموقف السعودي".
وخلص للقول إن هذا
التحرك "يضمن مساندة خليجية أمنية واقتصادية من طرف خليجي آخر أكبر؛ وفرصة للتقارب
المصري السعودي بعد سنوات من الجفاء بين الجانبين، وفرصة لمحور جديد بين الدول الكبرى
في المنطقة: (مصر والسعودية وتركيا)".
إصرار غير مبرر
وفي تقديره للموقف،
انتقد الخبير المصري في الشؤون العسكرية محمود جمال، "استمرار السياسات الاقتصادية
المصرية مع الإمارات على الرغم مما تشكله من مخاطر، ومواصلة مقاربة العلاقة من زاوية
المكاسب الاقتصادية أو التدفقات الاستثمارية فقط دون النظرة المستقبلية ومراعاة الأمن
القومي".
وقال عبر صفحته بموقع
"إكس": "توقفتُ أمام خبر الاستحواذ الإماراتي الجديد بالساحل الشمالي،
وأمام إصرار النظام على الاستمرار في النهج ذاته في التعامل مع الإمارات"، مؤكدا
أنها " ليست مجرد شريك اقتصادي، بل فاعل إقليمي يمارس أدوارا مباشرة في زعزعة
استقرار المنطقة عبر دعم المليشيات والكيانات الوظيفية، وهو ما يتجلّى بوضوح في السودان
وليبيا واليمن والصومال".
وأضاف: "بدلا
أن تدفع هذه السلوكيات نظام السيسي إلى مراجعة حجم ونوعية التواجد الإماراتي داخل مصر،
يجري توسيع هذا الحضور ومنحه مساحات أوسع، في مشهد يثير تساؤلات جدية ومتعددة حول كلفة
هذا المسار على الأمن القومي".
وعبر صفحة "المعهد
المصري للدراسات"، أكد أن "ما يجري في السودان وليبيا لا يمكن فصله عن الداخل
المصري، بل يحمل رسائل واضحة مفادها أن من يعبث بأمن الجوار القريب قادر على استخدام
الأدوات ذاتها في ساحات أخرى، وهو ما يجعل استمرار هذا النهج تهديدا استراتيجيا مباشرا
لا يقل خطورة عن التحديات العسكرية التقليدية".
اظهار أخبار متعلقة
وعلى المستوى الاستراتيجي،
قال إن "التوسع الإماراتي المتسارع في الساحل الشمالي—حيث أن الجزء الأغلب من
الأراضي الواقعة على البحر غرب العلمين بامتداد الساحل مملوكة الآن لجهات إماراتية،
أو لديها مشاركات مع جهات إماراتية—يعني عمليا تمركزا اقتصاديا إماراتيا كثيفا في شريط
جغرافي حيوي يرتبط بالأمن القومي المصري".
وأوضح أن "هذا
التمركز لا يمكن فصله عن طبيعة السياسة الإماراتية الإقليمية، القائمة على الجمع بين
الاستثمار والنفوذ، واستخدام الأدوات الاقتصادية لتأمين موطئ قدم دائم في الجغرافيا
السياسية للدول الشريكة".
حجم استثمارات واستحواذات
يقلق
ومع نهاية العام
2025، وفي 29 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أعلنت وزارة التجارة الخارجية الإماراتية
تكثيف مصر والإمارات مفاوضاتهما لإبرام
اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، وذلك في الوقت
الذي بلغ حجم التجارة غير النفطية عام 2024 حوالي 8.4 مليار دولار، في رقم متصاعد مع
زيادة حجم أعمال 1730 شركة إماراتية في مصر.
وبفعل صفقة الاستحواذ
الإماراتي على رأس الحكمة بالساحل الشمالي منذ شباط/ فبراير 2024، والبالغة
35 مليار دولار، بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر نحو 38.9 مليار دولار منتصف
2024، وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ما جعل استثماراتها بالمرتبة الأولى عربيا
بنحو 37.5 مليار دولار بحسب البنك المركزي المصري.
ويثير حجم ما حصلت
عليه أبوظبي عبر صندوقها السيادي وشركات تابعة له وأخرى خاصة بالتعاون مع صندوق مصر
السيادي، مخاوف المصريين مع تصاعدها بشكل مخيف منذ العام 2021 وحتى 2025، لتصبح المستحوذ
الأكبر في السوق المصري، عبر 20 صفقة في قطاعات متنوعة تمس بعضها الأمن القومي المصري.
وعام 2022، استحواذ
على حصص حكومية في الأسمدة (أبو قير للأسمدة) وشركات تداول الحاويات، وحصص في قطاع
التعليم (جيمس الإماراتية)، و"أبوعوف" للأغذية، و"أدنوك" و"توتال
إنرجيز" لخدمات الوقود.
وفي 2023، واصلت أبوظبي
الاستحواذات الاستراتيجية، عبر 30 بالمئة من الشركة "الشرقية للدخان"، وشراكة
في "بلتون المالية القابضة"، لتعقد صفقة "رأس الحكمة" بقيمة
35 مليار دولار في 2024، لتواصل العام الماضي زحفها على قطاع الموانئ.