تسببت تطورات الأحداث الأخيرة في
اليمن خلال الأيام الماضية، بشرخ غير مسبوق داخل التيار السلفي، لا سيّما عقب إعلان
السعودية الحرب رسميا على المجلس
الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا.
ولسنوات مضت، ومنذ إعلان تأسيسه في 2017، استثمر المجلس الانتقالي الجنوبي وجود ألوية سلفية تقاتل في صفوفه، بكسب تأييد علماء ما يُعرف بـ"التيار المدخلي"، والذين كان في مقدمتهم الشيخ السعودي ربيع المدخلي (توفي صيف العام 2025).
والمجلس الانتقالي الجنوبي وبرغم أن قائده عيدروس الزبيدي لا يقدم نفسه كإسلامي، فضلا عن سلفي، إلا أنه يعتمد بشكل كبير على قوة عسكرية ضاربة قوامها السلفيون.
ولفهم الصورة بشكل أعمق، لا بد من العودة إلى أساس تشكل هذه المجموعات، فكلها القوى السلفية المتصارعة اليوم في الجنوب هي نتاج مدرسة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي، مؤسس دار الحديث في "دماج" بصعدة.
الوادعي الذي يُعتبر مجدد الدعوة السلفية في اليمن، وضع الأسس التقليدية لتيار "السمع والطاعة" بعدما درس على مشايخ السعودية لسنوات طويلة، لكن رياح الحرب والسياسة عقب رحيله عام 2001، ومن ثم تهجير الحوثيين لطلابه من دماج عام 2014، حوّلت هؤلاء الطلاب من باحثين في "علم الحديث" إلى قادة كتائب ومدرعات، ليتوزعوا لاحقاً بين ولاءات متضاربة.
ألوية العمالقة
تعد أعتى قوة سلفية في اليمن. يقودها عبد الرحمن المحرمي "أبو زرعة"، وهو عضو في مجلس القيادة الرئاسي، ونائب عيدروس الزبيدي.
ويعد "أبو زرعة" المسؤول أيضا عن "الحزام الأمني" في
عدن، من أبرز القادة العسكريين على الرغم من خلفيته السلفية، حيث كان طالبا للعلوم الشرعية في دار الحديث بدماج، قبل أن ينخرط في المعارك.
ونجح "أبو زرعة" في حشد آلاف الشبان السلفيين من لحج وأبين والضالع، ومنحهم خصوصية في العمل بشكل مستقل أحيانا، مع التبعية للمجلس الانتقالي في القرارات المصيرية.
الحزام الأمني
القوة الأمنية الأساسية للمجلس الانتقالي في عدن ولحج وأبين. تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من القادة والمقاتلين ذوي التوجه السلفي "المدخلي".
وتختلف قوات الحزام الأمني عن العمالقة، في أن الأخيرة مهمتها الأساسية هي العمليات العسكرية الكبرى في الجبهات المفتوحة (مثل الساحل الغربي، شبوة، وحالياً في أطراف حضرموت).
في حين أن "الحزام الأمني" مهمتها الأساسية هي ضبط الأمن الداخلي في المدن، مكافحة الإرهاب، تأمين النقاط، وحماية المؤسسات. هي "شرطة عسكرية" مسؤولة عن استقرار المحافظات الجنوبية التي يسيطر عليها الانتقالي.
اظهار أخبار متعلقة
قوات "العاصفة الرئاسية"
تطورت هذه القوات من "لواء العاصفة" لتصبح "قوات العاصفة الرئاسية" وتحمل اسم "نخبة عدن" أيضا، القوة المسؤولة مباشرة عن أمن عدن وتأمين قيادة المجلس الانتقالي، والقصر الرئاسي "معاشيق"، وتضم في صفوفها مقاتلين سلفيين.
ألوية "الصاعقة"
تعتبر ألوية الصاعقة (مثل اللواء الأول واللواء 14 صاعقة) هي القوة الضاربة والمتحركة التي يمتلكها الانتقالي في جبهات المواجهة الخارجية. وتنتشر بشكل كثيف في جبهات أبين، الضالع، وكرش، وتضم أيضا سلفيين في صفوفها.
وعند الحديث عن هذه الكتائب والألوية، يبرز اسم هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي، والذي يأتي من خلفية سلفية، إلا أنه تخلى عن نهجه السلفي مؤخرا، وبات رجل سياسة يسعى إلى تحقيق أهداف المجلس بفصل الجنوب عن الشمال، مع إقامته شبه الدائمة في
الإمارات.
ونجح هاني بن بريك قبل سنوات في دمج المقاتلين السلفيين بكافة الألوية والكتائب الجنوبية، إذ لم يقتصر الأمر على تواجدهم في "العمالقة" و"الحزام الأمني".
"درع الوطن"
على الطرف الآخر، تبرز قوة سلفية وحيدة موالية للسعودية في الجنوب، وهي قوات "درع الوطن" التي يقودها بشير الصبيحي، وتشكلت في أوائل عام 2023 بدعم سعودي مباشر، وتتبع كلياً لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.
وتتألف بشكل شبه كامل من مقاتلين سلفيين (خاصة من قبائل الصبيحة ولحج). واللافت أن جزء كبير من المقاتلين من خريجي مركز دماج، أي أن هناك صلات كبيرة تربطهم بزملائهم السابقين الذين يقاتلون اليوم في الجبهة المقابلة تحت صفوف المجلس الانتقالي.
فتاوى مشايخ المدينة
قبل توجيه السعودية الضربة الجوية التي استهدفت سفينة قادمة من الإمارات إلى ميناء المكلا، كانت هناك تحضيرات غير مسبوقة في صفوف أبرز مشايخ السلفية المدخلية في المدينة المنورة تمهد لساعة الصفر من ناحية شرعية.
أطلق الشيخ سليمان الرحيلي إمام وخطيب مسجد قباء، فتوى مفاجئة هاجم فيها المجلس الانتقالي الجنوبي بعد سيطرته على حضرموت والمهرة، وهو حديث نادر من شيخ سلفي سعودي في أمور وتطورات سياسية.
وأفتى الرحيلي بأن "الولاية" في اليمن تعود لرئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، قائلا إن لديه "بيعة مشهورة وقبولا واعترافا دوليا".
وأكد الرحيلي أنه "لا يجوز الخروج عليه أو عصيانه، ولو بحجة الأهداف السامية والنبيلة" في إشارة إلى الدعوات لانفصال جنوب اليمن.
اظهار أخبار متعلقة
الفتوى الأخرى المتزامنة، أطلقها الشيخ صالح السحيمي، المدرس بالمسجد النبوي، وأستاذ الفقه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقال السحيمي إن "جميع مكونات المجلس الأعلى والبرلمان بمختلف أطيافهم قد بايعوا رشاد العليمي بيعة شرعية. وبناءً على ذلك، هو رئيس الدولة والأمير الذي يجب الوفاء ببيعته وفق الضوابط الشرعية المقررة".
وأفتى السحيمي بأن "نقض هذه البيعة يعتبر خيانة لله ولرسوله، ولا يجوز بحال من الأحوال"، كما خاطب السلفيين المنضويين تحت المجلس الانتقالي بأن عليهم "الرجوع إلى الله والوفاء بالعهود التي تعاقدوا عليها، وعدم نقض المواثيق التي جعلت من العليمي رئيساً للدولة".
فتوى أخرى صدرت مبكرا من المدينة المنورة قبل الضربة السعودية، أطلقها الشيخ عبد الله بن عبد الرحيم البخاري، المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة. وقال البخاري إن العليمي هو ولي الأمر في اليمن، ويجب طاعته.
وشدد البخاري على تحريم "منازعة رئيس المجلس الرئاسي في أمره، وأن على الناس أن تصدر عن رأيه وقوله بما يتوافق مع الشرع المطهر".
اظهار أخبار متعلقة
ردود جبهة عدن
على الجهة الأخرى، أصدر مجموعة من مشايخ عدن السلفيين الموالين للانتقالي، ردودا على مشايخ المدينة المنورة، واتهموهم بعدم فهم فقه الواقع، مبررين دعوات الانفصال، وتأييدهم المجلس الانتقالي الجنوبي، ومشيرين إلى أن ما يجري يخدم الحوثيين، والإخوان المسلمين، ممثلا بحزب الإصلاح.
أبزر تلك الردود صدرت من الشيخ صالح البكري، الذي اتهم فتاوى مشايخ المدينة بأنها "سياسية غير شرعية"، قائلا إن هذه الفتاوى تخدم موقف الحكومة السعودية، وأن الأخيرة لو غيرت موقفها لتغيرت الفتاوى أيضا.
واللافت أن البكري تحدث عن فقه التغلب، معتبرا عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي في الجنوب حاكما متغلبا، ويجب طاعته لـ"حقن الدماء وتسكين الفتن".
كما شكّك في شرعية ولاية رشاد العليمي القائمة على "الديمقراطية" بحسب قوله، وليس على كتاب الله والسنة.
وأطلق البكري تشبيهات مثيرة، قائلا إن الوحدة اليمنية ليست مقدسة، وهي تشبه عقد الزواج الذي يجوز فيه الطلاق إذا انعدمت العشرة، ووقعت البغضاء، بحسب توصيفه.
وفي تسجيل لاحق خلال خطبة الجمعة أمس في عدن، هاجم البكري السعودية بشدة، قائلا إن حكومتها تضيع الأموال على لاعبي الكرة وغيرها من الأمور، داعيا كبار مشايخها إلى المناظرة.
اظهار أخبار متعلقة
كما رد هاني بن بريك على فتاوى مشايخ المدينة المنورة، قائلا إن المجلس الرئاسي لم يتم اختياره لا بالطرق الديمقراطية ولا الشرعية، متهما المشايخ بجهلهم في أن أعضاء المجلس الرئاسي نصفهم رفض خطوات السعودية والعليمي ضد الانتقالي.
واتهم هاني بن بريك مشايخ المدينة، بأنهم يخدمون الإخوان المسلمين من خلال هذه الفتاوى، مضيفا "ستتحملون أمام الله — قبل كل شيء — كل قطرة دم ستسيل من أهل الجنوب السنيين، وهم يدافعون عن دينهم ووطنهم، وستكون فتواكم ذريعة لسفك هذا الدم المعصوم".
واستحضر ابن بريك حرب 1994، وفتوى وزير العدل اليمني الأسبق الشيخ عبد الوهاب الديلمي، والتي يتهم الجنوبيون بأنها السبب في استباحة دمائهم، بعد نعته قادة الجنوب بـ"الردة"، علما أن الديلمي نفى إصداره الفتوى في وقت لاحق.
وأمام هذا التضارب، يجد آلاف المقاتلين السلفيين أنفسهم في "فخ المنهج"؛ فخريجو مركز "دماج" الذين كانوا يتقاسمون في صعدة لقمة العيش ودروس الحديث والتوحيد والتأكيد على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، باتوا اليوم موزعين بين طرفي النزاع، في شرخ سلفي غير مسبوق.
أزمة ربيع المدخلي
رغم وفاته قبل شهور، إلا أن مواقف الشيخ ربيع المدخلي لا تزال تثير جدلا، حيث دارت سجالات بين السلفيين من الطرفيين عن ماهية موقفه لو كان حيّا.
وبينما أكد أنصار مشايخ المدينة أن المدخلي لو كان حيا، لأيد حكومة بلده السعودية، والحكومة الشرعية في اليمن، قال أنصار "الانتقالي" إن السياسة التي سار عليها المدخلي قد تجعل موقفه مغايرا.
وكتب الشيخ صلاح كنتوش، أحد أبرز مشايخ عدن الموالين للانتقالي: "من زعم أن ولاية الحاكم تثبت بمجرد قضية الاعتراف، فقد حرَّف الأصول السلفية التي تركها لنا السلف الصالح، ورحم الله شيخ الإسلام الربيع المدخلي فقد كان يحثُّ على الالتفاف حول حفتر في بلاد ليبيا ولم يكن أحد يعترف به، ولكنها الأصول السلفية يا من يعبث بالأصول".
كنتوش المفتي في مكتب إرشاد أوقاف عدن، هدّد سلفية المدينة المنورة وأتباعهم، قائلا: "كنا نحب أن تبقى بيننا المودة والأخوة شامخة لكن ما دام وأنتم أردتم المشاقة والتشويش على منهج إخوانكم، فأبشروا واصبروا علينا بعض الوقت، لأكشف للجميع أمورًا رأينا زمنًا أن نصبر فيها".
وجاء انفعال كنتوش بعد اتهامات متتالية وجهها له سلفيون، أبرزهم الشيخ فواز بن علي المدخلي، والذي هدّد بأنه سيكشف حقائق عن كيفية انتزاع مشايخ عدن، فتوى من ربيع المدخلي قبل سنوات تؤيد المجلس الانتقالي الجنوبي.
وقام المدخلي بمحاولة إحراج بعض مشايخ عدن الذين فضلوا الصمت منذ بدء الأحداث الأخيرة، حيث وجه لهم أسئلة عن موقفهم مما يجري.