التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة
الليبية، غربا وشرقا وجنوبا، والتي تتمحور حول مساعي تجديد الوجود وتعزيز النفوذ
وفرض الإرادة من قبل أطراف النزاع الليبي استعدادا للتكيف مع خطة أمريكية لترتيب
الأوضاع السياسية في البلاد، تؤكد أن المشهد الليبي يتجه إلى شكل جديد من التجاذب
بين أطراف النزاع.
كان الغالب على تقييم المشهد السياسي
الاعتقاد بأن هناك تدافع بين مشاريع، لكل منها هويته ومنطلقاته، وبالضرورة أدواته،
التي تميزه جذريا عن الآخر. ودأب التصنيف والتقييم لدى جمهرة من المراقبين
والنشطاء على وجود مشروعين: أحدهما مدني يريد بناء الدولة وفق المقاربة
الديمقراطية، في مقابل مشروع عسكري يرى أن هيبة البلاد وتماسكها يتطلب قبضة أمنية
تكون هي الوسيلة لإدارة الدولة وضبط مؤسساتها.
كثير ممن دعموا "الجيش" في الشرق والجنوب وبعض مناطق الغرب أسسوا موقفهم على الخوف من حالة الفوضة الأمنية والتشظي السياسي، وأن الجيش هو صمام الأمان وضامن الاستقرار ووحدة الدولة، إلا إن الكثير منهم تحول مع طول أمد التدافع إلى نصير وموالي للجيش دون قيد أو شرط، حتى بعد أن تأكد أن الجيش بات طرفا سياسيا في الصراع الدائر، وتحول من مشروع مؤسسة وطنية إلى تنظيم سلطوي محتكر.
وقد كان هذا التصنيف والتقسيم مقبولا في
فترة سابقة، خاصة بعد تكريس حالة الانقسام السياسي والمؤسسي، وسطوة المشروع
العسكري بعد العام 2017م والاتجاه إلى فرضه بالقوة العام 2019م بالهجوم على
العاصمة، إلا إن المشهد يبدو مختلفا اليوم، وذلك مع التحول في كل جبهة، واختلاط
الغايات والأهداف، وتراجع القيم الحاكمة لدى أنصار كل مشروع.
"طول
الأمد" وصف دقيق للأثر السلبي لاستمرار حالة التأزيم وما ينتج عنه من تغير
تدريجي في منطلقات وأدوات الحكم على الواقع وتحديد الموقف من الفرقاء السياسيين
والأطراف النافذة فيه، والنزاع الليبي لا ينفك عن الأثر السلبي لطول أمد النزاع
والانغماس فيه إلى الدرجة التي تحول فيها أنصار كل مشروع عن قيمهم ومعايير حكمهم
على السلوكيات والأفراد ضمن المشهد السياسي إلى درجة تناقض مواقفهم.
كثير ممن دعموا "الجيش" في الشرق
والجنوب وبعض مناطق الغرب أسسوا موقفهم على الخوف من حالة الفوضة الأمنية والتشظي
السياسي، وأن الجيش هو صمام الأمان وضامن الاستقرار ووحدة الدولة، إلا إن الكثير
منهم تحول مع طول أمد التدافع إلى نصير وموالي للجيش دون قيد أو شرط، حتى بعد أن
تأكد أن الجيش بات طرفا سياسيا في الصراع الدائر، وتحول من مشروع مؤسسة وطنية إلى
تنظيم سلطوي محتكر.
الصورة في الغرب مختلفة في ظاهرها، إلا إنها
استنساخ لظاهرة الانتظام السلطوي الضيق، إذ تحول جمهرة من أنصار المشروع المدني
المناهض للعسكرة إلى فواعل ضمن دائرة نفوذ مصلحي ضيقة.
كثير من أنصار الجيش في الشرق يدركون التحول
الذي قلص مقاربة بناء مؤسسة عسكرية فنية مهنية غير سلطوية إلى مشروع سياسي
"عائلي" يتمترس حلف قوة السلاح والانتظام العسكري والأمني، إلا إنهم
يرونها حالة متقدمة على التشظي الأمني والعسكري في الغرب الذي مظهره الأبرز سيطرة
المليشيات وقياداتها غير النظامية على القرار السياسي والأمني.
بالمقابل، فإن أنصار مشروع الدولة المدنية
الديمقراطية في الغرب الليبي يجدون مبررا لانحسار مشروع البناء المؤسسي المدني
المناهض للعسكرة لصالح مشروع عائلي يتوسل المليشيات للبقاء في الحكم، ذلك أن هذا
التحول، في نظرهم، يمنع الخطر الأعظم، وهو حفتر ومن والاه، وأن القبول بالتراجع في
مشروع الدولة المدنية هو من قبيل الرضى بالمفسدة الأقل لدفع فساد أعظم هو حكم
العسكر.
الضغط الدولي الذي هو إفراز لتحولات كبيرة على الساحة الدولية والإقليمية عامل تغيير رئيسي في سلوك أطراف النزاع الليبي ودافع لإعادة تموضع سلطات الأمر الواقع في غرب البلاد وشرقها، وليس من المتوقع أن يكون نتاج هذا الضغط نموذجا مثاليا في شكل الدولة وطبيعة مؤسساتها، وقد يكون المنتج الجديد انحراف أكبر عن المستقبل الذي يتطلع إليه الليبيون.
اتجهت الأطراف الدولية والإقليمية خلال
العقد الماضي إلى تعزيز الاستقطاب بين المشروعين في صيغتهما الأولى، لكن يبدو أن
الوضعية اختلفت اليوم، وماراثون الاجتماعات واللقاءات في باريس وروما، وواشنطن
قريبا، يدفع باتجاه توليفة بين السلطتين في شكلهما المتقدم، وليس توجها لتأسيس
مرحلة جديدة يكون لصندوق الانتخابات الكلمة الفصل في تحديد ملامح المرحلة القادمة.
نتيجة التجاذب الراهن والضغط الأمريكي يمكن أن يكون الانزلاق إلى وضع شديد التأزيم في كلا الجبهتين، فالجيش الذي كان رأس حربة
القضاء على الإرهاب واستعادة هيبة الدولة يتجه إلى ابتلاع الدولة وتوظيف مؤسساتها
ومواردها لصالح مشروع سلطوي مصلحي، فيما بات مشروع الدولة المدنية في الغرب يتقزم
لصالح سلطة هجينة تجتمع فيها مصالح عوائل وأشخاص مع أطراف أمنية نافذة من مناطق
متعددة.
الضغط الدولي الذي هو إفراز لتحولات كبيرة
على الساحة الدولية والإقليمية عامل تغيير رئيسي في سلوك أطراف النزاع الليبي
ودافع لإعادة تموضع سلطات الأمر الواقع في غرب البلاد وشرقها، وليس من المتوقع أن
يكون نتاج هذا الضغط نموذجا مثاليا في شكل الدولة وطبيعة مؤسساتها، وقد يكون
المنتج الجديد انحراف أكبر عن المستقبل الذي يتطلع إليه الليبيون.
الخارطة السياسية الليبية والتحولات التي
شهدتها خلال الأعوام القليلة الماضية لا تشمل كافة القوى السياسية والمدنية
والمجتمعية والتي يبتعد الكثير منها عن ثنائية التجاذب المصلحي الضيقة، والتوصيف
أعلاه يسلط الضوء على دوائر الفعل السياسي والأمني النافذة، وليس من قبيل المبالغة
القول أن الغالبية من النشطاء والمراقبين وحتى المكونات السياسية والمجتمعية اليوم
لا تنجر إلى هذا التجاذب بل تتحفظ عليه وترفضه، إلا إنها لم تنجح بعد في تشكيل
رأي
عام منظم يطرح مشروعا وطنيا يتخطى التدافع الراهن ويدفع إلى تقديم المصلحة العامة
على المصالح الضيقة، إلا إنه سيكون ممكنا في حال أخفقت خطة واشنطن لترتيب الأوضاع
السياسية في البلاد، واستمرت أطراف النزاع السلطوية في تكريس مصالحها الخاصة
وازداد الوضع السياسي والاقتصادي والأمني ترديا تبعا لذلك.