زلزال "بولس" والتصدعات غربا وشرقا

السنوسي بسيكري
في الغرب لم تعلن حكومة الوحدة الوطنية موقفا صريحا من المبادرة، غير أن تعاطي أطراف مهمة في المشهد يؤكد أن ادبيبة يبدي قدرا من المرونة تجاه خطة بولس.. فيسبوك
في الغرب لم تعلن حكومة الوحدة الوطنية موقفا صريحا من المبادرة، غير أن تعاطي أطراف مهمة في المشهد يؤكد أن ادبيبة يبدي قدرا من المرونة تجاه خطة بولس.. فيسبوك
شارك الخبر
تستحوذ خطة مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، على المشهد الليبي برمته، وما تزال هي القضية الأكثر أهمية وتفاعلا في كافة المواقع وبين مختلف الشرائح في البلاد، وبدت الخطة كزلزال ضرب غرب البلاد وشرقها وخلَّف تصدعات في جبهاتها السياسية والأمنية، والناظر إلى المشهد لا يحتاج إلى مجهر ليقف على خفايا ما يجري في أروقة ودهاليز دوائر السلطة والنفوذ هنا وهناك.

ما هو شائع في الأوساط السياسية أن حجر الأساس في مبادرة مسعد بولس دمج الفواعل النافذة ضمن الكتل المتنازعة في الغرب والشرق في المنتظم السلطوي الراهن، بحيث يتولى صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش في الشرق، رئاسة المجلس الرئاسي، أحد أبرز أذرع السلطة وفق اتفاق الصخيرات، العام 2015م، الذي أكده اتفاق تونس-جنيف، العام 2020م، ويثبِّت عبدالحميد ادبيبة كرئيس للحكومة.

هناك تحدي حقيقي يقترن بخطة بولس لم يقدم أنصارها في الغرب ضمانا لعدم وقوعه، وهو استيلاء صدام حفتر على كامل السلطة والنفوذ، بفرض، على سبيل المثال، حالة الطوارئ، كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا سيناريو محتمل، أو التغيير في ركائز السلطة سياسيا وعسكريا، وتهميش الحكومة والحد من صلاحياتها، وهو السيناريو الراجح.
صدرت عن أطراف نافذة أمنيا واقتصاديا، ضمن جبهة الشرق، تحفظات على خطة بولس، تحدث عن ذلك صراحة كل من خالد حفتر، رئيس أركان جيش الشرق، وبلقاسم حفتر، مدير صندق ليبيا للإعمار والتنمية، وهذه المواقف سوابق لم تعرفها جبهة الشرق، وهي أولى تصداعات "زلزال بولس".

في الغرب لم تعلن حكومة الوحدة الوطنية موقفا صريحا من المبادرة، غير أن تعاطي أطراف مهمة في المشهد يؤكد أن ادبيبة يبدي قدرا من المرونة تجاه خطة بولس، وهذا ما يؤكده تحرك رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، المتضرر الأول من الخطة، الذي لم يتردد في رفضها بل عدها صفقة تضرب بعرض الحائط الاتفاقات التي تحكم النظام السياسي في البلاد.

المنفي لم يكتف بمجرد إعلان الرفض، بل اتجه إلى حراك على الساحة السياسية والأمنية، من ذلك لقاءه بلقاسم حفتر، ومن ذلك أيضا محاولته استخدام صلاحيات المجلس الرئاسي لتغيير خارطة النفوذ العسكري في المنطقة الغربية من خلال استقطاب بعض الفاعلين عبر تعيينهم في مواقع عسكرية وأمنية حساسة، ويبدو أن المنفي أراد زعزعة الكتلة السياسية والأمنية التي يعتمد عليها ادبيبة في السيطرة على الجبهة الغربية.

المجلس الأعلى للدولة، أحد المؤسسات السياسية العليا وفق اتفاق الخصرات وتونس ـ جنيف، شهد تدافعا محتدما، وكان اجتماعه الأخير منذ ايام عاصفا، تبادل فيه أعضاء المجلس الاتهامات وحتى التهديد، بين أغلبية إما رافضة أو مترددة، وأقلية تريد اقتحام الحواجز  وخوض المغامرة.

في الشرق اقتصر الاعتراض على الفواعل البارزة، وليس للخطة صدى مسموع خارج مساحة التحكم، والأسباب معلومة تعود إلى مصادرة الأراء وتخوف النشطاء وأصحاب الفكر والرأي من الخوض في ملف شديد الحساسية قد يغضب السلطة المتحكمة هناك.

تصدعات زلزال بولس حقيقية، وهي قابلة لمزيد من التداعي غربا وشرقا، وإحتواؤها إما أن يكون من خلال تغليب الموقف الرافض، وعودة الوضع السياسي إلى المراوحة، ومن ثم الاتجاه إلى خيارات أخرى من بينها الحرب، أو ممارسة واشنطن ضغوطا ترجح كفة أنصار المقاربة وتوسع من دائرة الداعمين لها ضمن الجبهة الغربية، وبالتالي تصبح أمرا واقعا.
غربا التفاعلات ضمن المنتظم السياسي غير الرسمي على أشدها، ويعود ذلك إلى اتساع هامش الحريات هناك، وإلى التوازنات التي فرضتها تعدد دوائر النفوذ والتأثير، فقد صعَّد المفتي، الصادق الغرياني، من موقفه تجاه مقاربة بولس، ودعا مكونات سياسية وعسكرية بأسمائها وصفاتها إلى اتخاذ موقف حاسم منها، ويحاول نشطاء من "التيار الوطني" في أهم المدن تأسيس جبهة مقاومة للخطة، ويعول هؤلاء على قرار جماعي تتخذه مدينة مصراتة، التي عندما تجتمع على موقف سياسي يكون له دوي في عموم جبهة الغرب، غير أن المدينة ليست على ما كانت عليه من توافق في ملفات وقضايا وأزمات سابقة، وذلك للخلافات التي تسربت إليها.

أسباب دعم صدام حفتر وأنصاره للمبادرة معلوم، هو تمكن القيادة العامة من الوصول إلى أحد أبرز مرتكزات القرار في البلاد، وهو المجلس الرئاسي، والاستحواذ على صلاحية القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالمقابل، فإن أنصار الخطة في الغرب، يرونها السبيل لتوحيد البلاد، ومنع تفجر الوضع عبر حرب جديدة،  هذا فضلا عن استمرار المتحكمين في القرار السياسي والعسكري في البقاء في مواقعهم.

هناك تحدي حقيقي يقترن بخطة بولس لم يقدم أنصارها في الغرب ضمانا لعدم وقوعه، وهو استيلاء صدام حفتر على كامل السلطة والنفوذ، بفرض، على سبيل المثال، حالة الطوارئ، كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا سيناريو محتمل، أو التغيير في ركائز السلطة سياسيا وعسكريا، وتهميش الحكومة والحد من صلاحياتها، وهو السيناريو الراجح.

والخلاصة أن تصدعات زلزال بولس حقيقية، وهي قابلة لمزيد من التداعي غربا وشرقا، وإحتواؤها إما أن يكون من خلال تغليب الموقف الرافض، وعودة الوضع السياسي إلى المراوحة، ومن ثم الاتجاه إلى خيارات أخرى من بينها الحرب، أو ممارسة واشنطن ضغوطا ترجح كفة أنصار المقاربة وتوسع من دائرة الداعمين لها ضمن الجبهة الغربية، وبالتالي تصبح أمرا واقعا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)