خلال العقد الأخير، تعرّض نفوذ
باكستان
الإقليمي في الخليج العربي الى تراجع حاد وذلك نتيجة الاستقطابات الأيديولوجية
والتنافس التقليدي بين الدول الخليجية من جهة، ونتيجة حاجة الغرب الى تقديم الهند
كعامل موازن للصين على المستوى الدولي من جهة أخرى. كان من الواضح آنذاك ـ لاسيما
إبّان الأزمة الخليجية عام 2017 ـ أنّ السعودية والامارات تبنّتا الموقف الهندي
مما عزز من موقع ودور الهند خليجياً على حساب باكستان. ثم ما لبث الامر انّ تطور
الى تفاهمات ثلاثية هندية، إماراتية، إسرائيلية، تلاها طرح الولايات المتّحدة
للممر الاقتصادي الهندي الأوروبي عبر الامارات والسعودية وإسرائيل.
كل هذه المؤشرات معطوفة على تراجع وضع
باكستان الاقتصادي ومشاكلها الداخلية كانت تشير الى انّ نفوذ باكستان التقليدي في
الخليج آخذ في التراجع بشكل مهول. لكن سرعان ما تبدّلت الأوضاع مع السياسة
السعودية الخارجية الجديدة التي تبناها ولي العهد محمد من سلمان والتي ابتعد من
خلالها عن المحور الإسرائيلي- الاماراتي-الهندي. ثمّ جاءت الحرب
الباكستانية-الهندية الخاطفة لتعدّل من التصّورات السائدة عن القوّة الباكستانية
بعد أن لقّنت باكستان خلالها الهند دروساً قاسية.
وإبان الاعتداء الإسرائيلي على قطر في العام
2025، قرّرت السعودية المضي قدماً الى الأمام ورفع مستوى التحالف مع باكستان من
خلال التوقيع على اتفاقية دفاعية. خلال كل هذه المراحل، كان التعاون والتنسيق
التركية ـ الباكستاني يكتسب زخماً بعد سنوات من جهود تركيّة لإدخال باكستان في
المعادلة الإقليمية سواء ن خلال تعاون ثنائي، أو تعاون ثلاثي كالتعاون التركي ـ
الباكستاني ـ الأذري، أو التعاون التركي ـ الباكستاني ـ الأوكراني، أو التعاون
متعدد الأطراف التركي- ـ الباكستاني فيما يتعلق بغزّة والقضية الفلسطينية.
أرسلت إسلام أباد رسائل واضحة إلى طهران مفادها أنّ استهداف السعودية يضعها في موقف حرج لأنّه يحتّم عليها تفعيل الاتفاقية الدفاعية، وهو ما يهدد بجر باكستان إلى الحرب وبإمكانية حصول مواجهة باكستانية ـ إيرانية. ولتفادي مثل هذا السيناريو، فإن باكستان لم تكتف بتحذير طهران، وإنما انخرطت فعلياً في مسار لوقف إطلاق النار ومن ثمّة الوساطة بين الولايات المتّحدة وإيران.
ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة
وإسرائيل وإيران في 28 فبراير عام 2026، وتحوّل باكستان إلى وسيط بين الولايات
المتّحدة وإيران، أبدى كثير من المراقبين دهشتهم إزاء بروز إسم باكستان فضلاً عن
الدور الذي تقوم به، إذ غالباً ما كانت الأسماء في مثل هذا النوع من المفاوضات
تنحصر في سلطنة عُمان، وفي بعض الأحيان في دول أخرى مثل قطر وسويسرا. لكن مثل هذه
الدهشة تزول إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التطوّرات الإقليمية التي سبقت الحرب من
جهة ـ والتي شرحناها أعلاه ـ، والعوامل المرتبطة بالحرب من جهة أخرى، وأهمّها:
أولاً ـ وضع باكستان الاقتصادي. الاقتصاد
الباكستاني هو أحد عوامل الضعف الكبيرة التي تعاني منها إسلام أباد. ومع إغلاق
إيران لمضيق هرمز في بداية الحرب، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير وهو أمر يحمل معه
الكثير من الإنعكاسات السلبية خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على واردات
النفط، وواردات الغذاء، وتعاني من مشاكل مالية ونسبة تضخم ومديونية مرتفعة. وبما أنّ
باكستان تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج، فانّ لها مصلحة حقيقيّة في
إيقاف الحرب لتفادي التداعيات المشار إليها. وقد تدخلت كل من قطر والسعودية الشهر
المنصرم لتأمين 5 مليار دولار لسد لعجز بعد مطالبة الامارات لإسلام أباد بسد 3
مليار دولار من الديون المترتبة عليها.
ثانياً ـ الاتفاق الدفاعي
الباكستاني ـ السعودي. بُعيد العدوان الإسرائيلي على قطر العام 2025، وقّعت كل من
باكستان والسعودية إتفاقاً دفاعياً يقضي بتدخل باكستان في حال تعرّض أمن السعودية
للتهديد الخارجي. ومع العدوان الذي شنّته إيران على دول مجلس التعاون الخليجي
بموازاة الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، بدا أنّ
طهران تحاول التصعيد ضد السعودية.
استدعى هذا الأمر تدخلاً باكستانياً، حيث أرسلت
إسلام أباد رسائل واضحة إلى طهران مفادها أنّ استهداف السعودية يضعها في موقف حرج
لأنّه يحتّم عليها تفعيل الاتفاقية الدفاعية، وهو ما يهدد بجر باكستان إلى الحرب
وبإمكانية حصول مواجهة باكستانية ـ إيرانية. ولتفادي مثل هذا السيناريو، فإن
باكستان لم تكتف بتحذير طهران، وإنما انخرطت فعلياً في مسار لوقف إطلاق النار ومن
ثمّة
الوساطة بين الولايات المتّحدة وإيران.
لباكستان علاقة قوية مع الصين حالياً، ولديها إرث من العلاقات القوية مع الولايات المتّحدة. وكذلك لديها علاقات قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي وتدير علاقات إيجابية مؤخراً مع إيران.
ثالثاً، مخاطر تداعيات إنهيار النظام
الإيراني على باكستان. بالنسبة إلى إسلام أباد، فإنّ احتمال سقوط النظام الإيراني
خلال أو بعد الحرب، أو حتى إنهيار إيران يُرتّب على باكستان مخاطر كبيرة كانت قد
خبرتها مع الجارة أفغانستان ولا تزال تداعياتها مستمرة حتى يومنا هذا. باكستان لا
تريد أن تكون في موقع المتلقّي لهذه التداعيات وتفضّل ألاً يكون هناك دولة فاشلة
على حدودها تنقل العبئ الأمني والإقتصادي والإجتماعي إليها.
رابعاً ـ علاقات باكستان مع الأقطاب
المتنافسة. لباكستان علاقة قوية مع الصين حالياً، ولديها إرث من العلاقات القوية
مع الولايات المتّحدة. وكذلك لديها علاقات قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي وتدير
علاقات إيجابية مؤخراً مع إيران. باكستان تتابع أيضا جهود الغرب دعم الهند وتحفيز
صعودها الدولي في وجه الصين وهو أمر يضر بباكستان، كما تتابع جهود الولابات
المتّحدة دعم علاقات هندية ـ إسرائيلية ـ خليجية من شأن نجاحها ان يقوّض من نفوذ
باكستان ويشكّل تهديداً لها. ولذلك، فانّ اسلام أباد تسعى لانّ تحافظ على علاقاتها
مع جميع الأطراف بشكل يساعد على إحتواء الهند مستقبلاً.
هذه المعطيات بالتحديد، هي التي تجعل من
باكستان لاعباً مثالياً فيما يتعلق بمساعي الوساطة وإنهاء الحرب بين الولايات
المتّحدة وإيران، فتحقيق هذا الهدف ضرورة ملحة بالنسبة لها وليس ترفاً عابراً. ومع
ذلك، فانّ نتائج هذه المساعي لا تعتمد على جهود باكستان فحسب، وإنما على الوضع
الميداني من جهة، ومدى تقبّل الأطراف المعنية لصيغة الاتفاق النهائي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.