المقاربة الأمريكية للنزاع الليبي تتسق
بالعموم مع اتجاهات الجمهوريين في السلطة، وتلائم أسلوب الرئيس دونالد ترمب في
التعامل مع محيط المصالح الأمريكية، الغث منها والثمين، وملخص ذلك هو عدم الاعتداد
بالمسار "الديمقراطي"، والبحث عن الطريق الأقصر الذي يتعاطى مع قوى
الأمر الواقع، خاصة إذا كانت تلك القوى لا تملك تهديدا للمصالح الأمريكية بشكل
مباشر، وذلك لإتمام المهمة على شكل صفقة ناجزة.
هذا الخيار مقلق من جهة أنه لا يأخذ
الاعتبارات المهمة أيا كانت طبيعتها ومآلاتها في الحسبان، ولا يدقق كثيرا إذا ما
كان حلا جذريا للنزاع، فهو يعتمد على ترحيل النزاع وليس إنهائه بشكل كامل.
فإن تمرير الاتفاق قد يأذن بمخاض سياسي وعسكري، ليس فقط في الغرب الليبي، بل أصداءه قد تكون واضحة في الشرق، إذ لم يكن موقف رئيس أركان جيش الشرق، خالد حفتر، مواربا في الحكم على خطة بولس، كما لم يتردد الشقيق الثالث، بلقاسم حفتر، في التحفظ، وإن انحصر موقفه في الشق الاقتصادي من التفاهمات.
اتجهت الإدارة الأمريكية، عبر مستشار
الرئيس، مسعد بولس، إلى نقاط الثقل في المعادلة السياسية الليبية، حكومة الوحدة في
الغرب، والقيادة العامة في الشرق، وجعلت منهما مفتاح البحث عن مخرج للأزمة، فكانت
سلسلة الاجتماعات، تونس وروما وباريس وواشنطن، ليخرج إلى الإعلام وإلى الفضاء
السياسي الليبي اتفاق لم تؤكده الأطراف المعنية أو تنفيه، لكن ردود الفعل تعزز
فرضية تمريره من قبل الأطراف المعنية.
ما رشح من الاتفاق المزعوم هو تقاسم السلطة
بين الطرفين وفق الهيكل السلطوي التنفيذي الراهن، مجلس رئاسي وحكومة، بحيث يتولى
صدام حفتر رئاسة الأول، ويستمر عبدالحميد ادبيبة على رأس الثانية.
من التطورات التي يمكن أن تدعم فرضية
الاتفاق على تقاسم السلطة هو الاتفاق على الإنفاق التنموي الموحد، وتأكد أن كل من
الطرفين المعنيين مباشرة بخطة بولس يدعمان توحيد الإنفاق التنموي.
ولأن الموقف الرسمي للطرفين المعنيين مباشرة
بالإتفاق لم يتضح بعد بشكل صريح، فإن التكهنات والتحاليل هي المهيمنة لتسهيل فهم
ما يجري، فعلى سبيل المثال عبر رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عن تحفظه على
"الصفقات" وتغليب المصالح الضيقة على حساب المسار الانتخابي، والمعنى من
كلامه لا يحتاج تأويلا، أيضا أعلن المجلس
الأعلى للدولة عن رفضه لأي تسوية سياسية خارج الإطار الدستوري الحاكم وهو الاتفاق
السياسي، ومعلوم أن الملجس الأعلى للدول، برئاسة محمد تكالة، على وفاق كبير مع
حكومة الوحدة، فكيف يتخذ موقف حدي من "الصفقة" إلا أن يكون في تماه مع
موقف ادبيبة، ذلك أن سيناريو الخلاف بينهما ليس راجحا حتى اللحظة.
البعض اعتبر أن افتراق الحكومة والأعلى
للدولة في موقفهما من خطة بولس إنما هو بالون اختبار من قبل الحكومة، وآخرون رأوا
أن ادبيبة لا يسلم رقبته للقيادة العامة من خلال منصب حساس في الهيكل السلطوي
الراهن، لكنه لم يشأ أن يخالف التوجه الأمريكي، فترك أمر الرفض للمكونات الرديفة.
ما رشح من الاتفاق المزعوم هو تقاسم السلطة بين الطرفين وفق الهيكل السلطوي التنفيذي الراهن، مجلس رئاسي وحكومة، بحيث يتولى صدام حفتر رئاسة الأول، ويستمر عبدالحميد ادبيبة على رأس الثانية.
غربال التنقية للمشهد السياسي المحتدم يتطلب
تقديرا دقيقا لمدى جدية الإدارة الأمريكية في دفع خطة بولس إلى الأمام، وهناك مؤشر
على أن المقاربة برمتها اجتهاد لبولس ينطلق فيه من ضوء أخضر في التحرك وفق محددات
عامة، أشرنا إلى بعضها في مقدمة المقال، ومنها توجهات عامة بتوحيد المؤسسات
السياسية والأمنية والاقتصادية، ولأن تحركات على المسارين الأمني والاقتصادي سبقت،
فإن خطة تقاسم السلطة تنسجم مع الخط العام الأمريكي لتفكيك النزاع الليبي، وهذا
يدفع إلى القول بأن مقاربة بولس إلى اليوم لم تحظ بدعم مباشر من البيت الأبيض،
وسيظل الوضع معلقا إلى حين المصادقة عليها من قبل الرئيس ترامب.
الناظر إلى المشهد المحلي بشكل خاطف قد
يعتقد أن الرفض هو سيد الموقف، خاصة ضمن المعسكر الغربي، إلا أنه في حال صارت خطة
بولس هي خيار البيت الأبيض، فإن المشهد قد يتغير، ذلك أن أغلب القوى العسكرية
والأمنية المنخرطة في المنظم الرسمي في الغرب الليبي ليست على طرف نقيض من القيادة
العامة، وتحديدا نائب القائد العام، صدام حفتر.
بالمقابل، فإن تمرير الاتفاق قد يأذن بمخاض
سياسي وعسكري، ليس فقط في الغرب الليبي، بل أصداءه قد تكون واضحة في الشرق، إذ لم
يكن موقف رئيس أركان جيش الشرق، خالد حفتر، مواربا في الحكم على خطة بولس، كما لم
يتردد الشقيق الثالث، بلقاسم حفتر، في التحفظ، وإن انحصر موقفه في الشق الاقتصادي
من التفاهمات.
الاتفاق، إذا مُرِّر، يعني تمديدًا مجهولَ
المدة للمسار الديمقراطي والانتخابي، وتكريسًا لاحتكار السلطة من قبل القوى
الفاعلة. وليته يفضي إلى إنهاء عذابات النزاع؛ ذلك أن المحرّك، في أغلب الظن، ليس
إنهاء الصراع من أجل سلامة الوطن ورفعة المواطن، بل لتحقيق المصالح الخاصة، وفقًا
لتقييم رؤساء البعثات الأممية والسفراء الدوليين، وتقارير الخبراء، وجمهرةٍ من
المراقبين والمحللين، بل وقطاعٍ كبيرٍ من النشطاء والمهتمين.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.