أينما توجهت على مواقع التوصل الاجتماعي في
ليبيا تقابلك أخبار التحشيد العسكري غربا وشرقا، وصارت مقاطع نقل الأليات العسكرية
من الغرب شرقا، ومن الشرق غربا، شغل المتابعين وسببا في إثارة القلق بين جموع
الليبيين، في ظل تعتيم كامل من قبل دوائر السلطة، وغموض حول أسباب هذه التحركات.
المصادر التي تحدثت عن فعل ورد فعل حول
الحراك العسكري الجاري جميعها مصادر مجهولة، صفحات ومنصات لا يعلم من يديرها ولا
تأكيد حول تبعيتها، إلا إنه لا يمكن استبعاد المعلومات الصادرة عنها من التحليل،
خاصة إذا دعمتها شواهد وقرائن لا يمكن تجاهلها.
إحدى الافتراضات المطروحة تتحدث عن عزم
سلطات الغرب السيطرة على حقول وموانئ النفط في وسط وشرق البلاد، وأن التحشيد من
قبل قوات تتبع الغرب الليبي إنما هو لهذا الغرض، لذلك تم إعلان النفير من قبل قوات
الشرق للدفاع عن تلك المواقع.
الحراك سيكون مغامرة عسكرية نزقة إذا وقع بعيدا عن تحولات إقليمية بإيعاز دولي، وإذا ترجحت فرضية بقاء المواقف الدولية والإقليمية على ما هي عليه، فإن ما نشهده من حراك إنما هو في إطار الضغوط التي تسبق التسوية السياسية، وإذا وقع فإنه سيكون في إطار المناوشات المحدودة كما وكيفا.
بعض المصادر زعمت أن الحراك العسكري في غرب
البلاد إنما هو نتيجة لفشل التفاوض الذي جرى في روما وباريس حول تشكيل حكومة موحدة
وتقاسم النفوذ بين قوى الأمر الواقع في غرب وشرق البلاد، والبعض أكد أن ضوءا أخضرا
أعطاه مستشار الرئيس الأمريكي، "مسعد بولس"، لقوات الغرب للضغط على جبهة
الشرق من خلال سحب البساط من تحتها أقدامها وتجريدها من ورقة رابحة هي حقول وموانئ
النفط.
وتعقيبا على سلسلة الأحداث والكم الهائل من
الأخبار والتحليلات على التطورات العسكرية والأمنية الراهنة، يمكن القول أن فشل
المفاوضات بين حكومة الوحدة من جهة والقيادة العامة من جهة راجح، ويعززه إعلان
حكومة الوحدة عن التغيير الوزاري بشكل منفرد.
توفر دعم ولو مؤقت من قبل طرف، أو أطراف
دولية نافذة، راجح أيضا، وقد يفهم هذا التحليل من التبدل في موقف أطراف نافذة
ومسؤولة في الغرب الليبي، من ذلك التغيير مائة وثمانون درجة في موقف رئيس المجلس
الرئاسي، محمد المنفي، من التغيير الحكومي الذي تقدم به رئيس حكومة الوحدة،
عبدالحميد ادبيبة، فبعد التحفظ الشديد، أعلن المنفي عن مبررات قوية للتغيير.
التعبئة في جبهة الغرب وحالة التقارب بين
مكوناتها العسكرية والأمنية والتي إلى وقت قريب كانت على طرفي نقيض، يفيد بأن
تطورا لافتا يتجاوز نفوذ السلطة المحلية قد وقع، ولا يكون ذلك إلى بثقل دولي.
وإذا تعززت فرضية "الضوء الأخضر
الأمريكي"، فإن المشهد الإقليمي والدولي يعضدها وفقا لأحدى السيناريوهات
الغالبة في وصف التطورات الإقليمية والدولية الراهنة، وهو أن الصراع الدولي الدائر
يتمحور حول السيطرة على النفط أو قل إثارة فوضى في إمدادات الطاقة هنا وهناك، بما
يخدم التوجهات الأمريكية في عهد الإدارة الحالية.
لا يمكن القطع بأن أي عمل عسكري للسيطرة على الحقول والموانئ في وسط وشرق البلاد يمكن أن يكلل بنجاح في ظل فرضية الدعم المستمر واللامحدود من قبل القاهرة لجبهة الشرق الليبي والتحفظ الشديد على عمل عسكري من الغرب الليبي تدعمه أنقرة، ونجاح أي محاولة من هذا القبيل ينبغي أن تبنى على تطور في الموقف المصري متأسس على حصول القاهرة على ضمانات أمنية واقتصادية، وهذا ما لا يمكن بوقوعه حتى الأن .
غير أن دعم هذا التحليل يعتمد على وجود
معطيات إقليمية توافقه، ذلك أن تغير موازين القوى فيما يتعلق بالسيطرة على حقول
وموانئ النفط ليس قرارا محليا، وتتقاطع فيه المصالح والمواقف الإقليمية، ويبرز في
المشهد الإقليمي كل من مصر وتركيا، الأولى وكيل جبهة الشرق، والثانية داعمة للغرب.
وقعت تفاهمات وتوافقات مهمة بين القاهرة
وأنقرة خلال الفترة الماضية، أخذت هذه التفاهمات بعدا إقليميا محوريا دخلت على خطه
الرياض، وارتكزت هذه التفاهمات على مصالح كبرى لتلك العواصم، وفرضية المواجهة بين
الغرب والشرق الليبيين يمكن ان تكون مقوضة لتلك التفاهمات!!
بالتالي ينبغي أن يتجه البحث والنقاش إلى
اعتماد فرضيات إضافية من بينها أن التطورات المحلية على الصعيد السياسي والأمني
تتجاهل الواقع الإقليمي وتضغط باتجاه معاكس له، خاصة ما يخص القاهرة ومصالحها في
ليبيا التي تحاول تمريرها عن طريق تحالفها مع القيادة العامة، وأيضا أن التفاهمات
الإقليمية تشهد تغيرا بعد الحرب على إيران، لذا ينبغي استبعادها كعامل حيوي في
تحليل وتفسيرات الأحداث الراهنة.
على المستوى العسكري، لا يمكن القطع بأن أي
عمل عسكري للسيطرة على الحقول والموانئ في وسط وشرق البلاد يمكن أن يكلل بنجاح في
ظل فرضية الدعم المستمر واللامحدود من قبل القاهرة لجبهة الشرق الليبي والتحفظ
الشديد على عمل عسكري من الغرب الليبي تدعمه أنقرة، ونجاح أي محاولة من هذا القبيل
ينبغي أن تبنى على تطور في الموقف المصري متأسس على حصول القاهرة على ضمانات أمنية
واقتصادية، وهذا ما لا يمكن بوقوعه حتى الأن .
من جهة ثانية، فإن قيادة القوات الأمريكية
في إفريقيا "أفركوم" ترعى خطة توحيد الجيش الليبي، وتسعى لتنظيم مناورة
في الصحراء الليبية ضمن هذه الخطة، فهل يتصور أن تقع مواجهات مصادمة بين الفرقاء
الليبيين مصادمة للخطة العسكرية الأمريكية، وهل يتوقع أن تتصادم رؤى الساسة
الأمريكان مع القيادات العسكرية المعنية بالملف الأمني والعسكري في البلاد؟!
والخلاصة أن الحراك سيكون مغامرة عسكرية
نزقة إذا وقع بعيدا عن تحولات إقليمية بإيعاز دولي، وإذا ترجحت فرضية بقاء المواقف
الدولية والإقليمية على ما هي عليه، فإن ما نشهده من حراك إنما هو في إطار الضغوط
التي تسبق التسوية السياسية، وإذا وقع فإنه سيكون في إطار المناوشات المحدودة كما
وكيفا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.