شهد
الدينار الليبي ارتفاعا ملحوظا في
سعر
صرفه أمام الدولار في السوق الموازي، فبعد أن بلغ الدولار نحو 10,8 دينار الأسبوع
الأول من شهر أبريل، تراجع إلى نحو 8.2 دينار اليوم، وتحدث محافظ مصرف
ليبيا
المركزي أن الهدف أن يتراجع الدولار أمام الدينار إلى أقل من 7 دينار للدولار.
والحقيقة أن التغيير كبير، وفي فترة قصيرة، أسهمت فيه عوامل عدة في إنعاش الدينار الليبي منها العرض السخي من الدولار من قبل
المصرف المركزي، والشروع في تفعيل القنوات الجديدة لبيع الدولار، وذلك في ظل
الارتفاع في أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية، نتيجة لأزمة الخليج والحرب على
إيران، وكان للتساوق بين تصريحات السلطات المالية والنقدية أثره المباشر على
اتجاهات السوق، والعرض والطلب على العملة الأجنبية.
ضبط الإنفاق العام في جوهره يعني تقليص سلطات وقدرات ونفوذ فواعل بارزة في المشهد الليبي غربا وشرقا، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق بمجرد إبداء الرغبة في تحققه من قبل المفاوضين، أو طلب من قبل الراعي الأمريكي، بل يعني مراجعة جذرية لهياكل السلطة والنفوذ في كلا الجبهتين، الغربية والشرقية، فهل هذا ما سيقع؟!
المؤسسة الوطنية التي ورَّدت للمصرف المركزي
أقل من مليار دولار كصافي عوائد بيع النفط في شهر فبراير، أعلنت أن صافي الإيرادات
بلغ 2 مليار دولار أمريكي لشهر مارس، وأعلن المصرف المركزي أن نحو 2,6 مليار دولار
جاهزة للضخ في قنوات بيع الدولار، لتغطية الطلب على الدولار للأغراض الشخصية، حتى
أن الدولار سيكون متاحا في المصارف وشركات الصرافة عند السعر الرسمي لصرفه وهو 6.4
دينار للدولار.
السؤال المحوري والمركزي الذي لم تجب عنه الجهات المعنية، وفي المقدمة منها المصرف المركزي، هو: هل سيكون المصرف المركزي
قادر على تغطية الطلب على الدولار لكافة الأغراض عند سعر الصرف الرسمي بشكل دائم؟!
المصرف المركزي لم يقدم أي ضمانة لاستدامة
المعروض من الدولار عبر القنوات الرسمية، القديمة والجديدة، ولم يشرح محافظ المصرف
المركزي كيف يمكن أن يرجع بقيمة الدولار في السوق الموازي إلى مستوى 6.9 دينار
للدولار.
المحافظ إلى عهد قريب كان يشكو من الفجوة
الهائلة بين الإيرادات والنفقات، ومعضلة جسر الهوة بين ما يتوفر من إيرادات وما
يتم إنفاقه، وأن الخيار هو خفض الإنفاق العام، ذلك أن زيادة الإيرادات تعتمد على
بدائل ليست بيد المركزي، وتتعدى العوامل
الاقتصادية، إلى الأزمة السياسية
المستحكمة.
من الواضح أن الارتفاع في سعر النفط كان
وراء الثقة التي انعكست في قرارات المصرف المركزي، وكان من بين أهم أسباب ضخ كمية
كبيرة من النقد الأجنبي في المصارف، ونعلم أن المصرف المركزي لجأ إلى الاحتياطي
النقدي لتغطية العجز جراء تخطي النفقات الإيرادات خلال الأعوام الماضية، وبالتالي
لا مشكلة في توفير الدولار، ولأن الوضع على مستوى سعر برميل النفط كان مبشِّرا،
فإنه من الممكن الاستدراك على العجز، وربما زيادة الاحتياطي النقدي وليس العكس.
ينبغي أن ندرك أن المحافظة على سعر صرف الدينار عند مستوى مرضي اقتصاديا يتطلب إصلاحات حقيقية على المسارات السياسية والاقتصادية، بل والثقافية، وأن الاعتماد على طفرة في سعر النفط سببتها أزمات دولية لا يمكن أن يكون طوق نجاة ولا دافعا لتحريك عجلة الاقتصاد وتحقيق نهضة تنموية.
أسعار النفط شهدت تراجعا اقترب من 10% خلال
بضعة أيام من إعلان إيقاف الحرب في منطقة الخليج، وفي حال التوصل لاتفاق نهائي بين
أطراف النزاع، فإن أسعار الخام ستشهد مزيدا من التراجع، وربما نعود إلى الوضعية
التي أقلقت محافظ المصرف المركزي، وهي اختلال معادلة الإيرادات والنفقات.
الإعلان عن الاتفاق على الإنفاق التنموي
الموحد لا يسعف صناع السياسة النقدية في الشعور بالثقة للاستمرار في سياسة إغراق
السوق بالنقد الأجنبي لضمان تراجع قيمة الدولار أمام الدينار، ذلك أن الإنفاق
التنموي الموحد سيعتمد على تطور المسار السياسي والاتجاه إلى تشكيل حكومة موحدة،
وبالنظر إلى مواقف الأطراف المحلية المعنية من مبادرة توحيد الحكومة التي ترعاها
واشنطن عبر مستشار ترامب، مسعد بولس، فإن الرهان على ضبط الإنفاق العام سيكون
خاسرا.
ضبط الإنفاق العام في جوهره يعني تقليص
سلطات وقدرات ونفوذ فواعل بارزة في المشهد الليبي غربا وشرقا، وهو أمر لا يمكن أن
يتحقق بمجرد إبداء الرغبة في تحققه من قبل المفاوضين، أو طلب من قبل الراعي
الأمريكي، بل يعني مراجعة جذرية لهياكل السلطة والنفوذ في كلا الجبهتين، الغربية
والشرقية، فهل هذا ما سيقع؟!
ينبغي أن ندرك أن المحافظة على سعر صرف
الدينار عند مستوى مرضي اقتصاديا يتطلب إصلاحات حقيقية على المسارات السياسية
والاقتصادية، بل والثقافية، وأن الاعتماد على طفرة في سعر النفط سببتها أزمات
دولية لا يمكن أن يكون طوق نجاة ولا دافعا لتحريك عجلة الاقتصاد وتحقيق نهضة تنموية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.