العلة ليست في أسعار النفط يا ليبيين!!

السنوسي بسيكري
"لا ضمانة لثبات أسعار النفط والغاز عند المستوى التي وصلت إليه مؤخرا"- الأناضول
"لا ضمانة لثبات أسعار النفط والغاز عند المستوى التي وصلت إليه مؤخرا"- الأناضول
شارك الخبر
سعر برميل خام برنت تخطى سقف 110 دولارات أمريكية في اليومين الماضيين والزيادة اقتربت من 100 في المئة عن آخر سعر له قبل اندلاع الحرب ضد إيران، وهو مرشح لزيادة إضافية في حال تطورت المواجهات وأصبحت مصادر الطاقة في المنطقة محل مزايدة بين الطرفين المتحاربين.

وجريا على مقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فقد قابل الكرب والشدة عند أهل الخليج ونواحيه فرح وسرور عند الليبيين وغيرهم من الدول المنتجة للنفط والغاز، فروسيا التي عانت الأمرّين بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على صناعة النفط والغاز الروسية إبان الحرب مع أوكرانيا، هي اليوم في موقف قوة وموقع تفاوضي متماسك، وترى في الحرب الدائرة ونتائجها فوائد جمة.

تتبع مواقع التواصل الاجتماعي والمقاطع المصورة والإدراجات المختلفة في الأوساط الليبية يظهر أن كثيرين غارقون في حسابات فائض الإيرادات بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز، وأن المدخول الليبي من العملات الصعبة تضاعف أو يقترب من ذلك، وبالتالي فإن الوضع الاقتصادي سيتحسن وسيشهد الليبيون بحبحوبة من العيش.

الارتفاع في أسعار النفط بالشكل الذي عليه اليوم ليس أساسا علميا ولا منطقيا للحكم بأن الأوضاع الاقتصادية في البلاد ستتجه إلى الأفضل

ومع رغبتي في أن أعيش حالة التفاؤل والاستبشار، والتطلع إلى غد أفضل كما يطمح كل الليبيين، إلا إن الارتفاع في أسعار النفط بالشكل الذي عليه اليوم ليس أساسا علميا ولا منطقيا للحكم بأن الأوضاع الاقتصادية في البلاد ستتجه إلى الأفضل، والأسباب التي تحول دون هذا التفاؤل عديدة من بينها:

- أنه لا ضمانة لثبات أسعار النفط والغاز عند المستوى التي وصلت إليه مؤخرا، ذلك أن العوامل التي تدفع تجاه وقف الحرب أكبر من تلك التي تضغط صوب استمرارها لفترة طويلة، وأنه بمجرد وقف الحرب فإن مصادر الطاقة في العالم قادرة على تلافي الفاقد في واردات النفط والغاز التي توقفت بسبب النزاع في منطقة الخليج.

- الوضع العام في البلاد لا يساعد على استغلال أي فوائض إضافية كبيرة من عوائد النفط لصالح تحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، وبالنظر إلى التكالب بين دوائر السلطات النافذة في البلاد والتنازع الحاد حول الموارد المالية وما نشأ عنه من تضخم في مركب السلطات هنا وهناك، فإن أي زيادة في الدخل الناجمة عن زيادة أسعار النفط ستتسرب إلى دوائر السلطة وستجد مسلك في دهاليزها.

- أدى الاعتماد على الدولة في التوظف وإدارة الاقتصاد وتقديم الخدمات إلى تعاظم الجهاز الإداري وتوسع أوجه الإنفاق، وارتفاع كبير في الإنفاق العام خلال السنوات العشر الماضية، وكذلك ارتفاع العجز المالي السنوي وزيادة الدين العام إلى قابلية استيعاب الفوائض المالية المتوقعة من زيادة أسعار النفط في دوامة الإنفاق، ذلك أن ما يقرب من 90 في المئة من الإنفاق العام استهلاكي بامتياز ولا مردود حقيقيا له، ولا يوجد ما يشير إلى تغيير قريب في هذا الوضع المشوه.

الوضع السياسي الذي يزداد تعقيدا عاما بعد عام، وما يصاحبه من تعقيد في الوضع الأمني، وما يراكمانه من هدر وفساد كبيرين، وما يترتب على كل ما سبق من تأزيم اقتصادي حاد، لا يمكن أن يتأتى تصحيحه بزيادة في الإيرادات العامة فحسب

- أنه في ظل الاستقطاب السياسي الحاد والتنازع الشرس بين قوى الأمر الواقع في غرب وشرق البلاد، وضمن تركيبة كل طرف، لا احتمال لتبني استراتيجيات وخطط وسياسات وبرامج توظف العوائد الإضافية المتوقعة توظيفا ذا مردود اقتصادي، وقد تبين أن مشروعات التنمية التي تم تنفيذها افتقرت إلى التخطيط السليم، وكانت غطاء لفساد كبير شهد عليه خبراء الاقتصاد والمختصون من مهندسين وكوادر إدارية.

الوضع السياسي الذي يزداد تعقيدا عاما بعد عام، وما يصاحبه من تعقيد في الوضع الأمني، وما يراكمانه من هدر وفساد كبيرين، وما يترتب على كل ما سبق من تأزيم اقتصادي حاد، لا يمكن أن يتأتى تصحيحه بزيادة في الإيرادات العامة فحسب، فالنهم والتكالب على الموارد لتعزيز السلطة وتعظيم النفوذ سيلتهم تلك الزيادة، ولن يكون لها أثر إيجابي على حياة الناس وعلى مستوى عيشهم.

دول قريبة جغرافيا من ليبيا، وأخرى بعيدة، هي أحسن حالا بمقياس حيوية النشاط الاقتصادي ومؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، برغم أنها لا تمتلك موارد كالتي تتوفر لليبيا، وأفضليتها تعود إلى الاستقرار السياسي وقوة المؤسسات العامة وحسن إدارتها، وهذا ما تفتقر إليه ليبيا، وهو ما ينبغي التركيز عليه.

إن من أبرز أدواء هذا البلد أن من تولوا قيادته منذ تأسيسه حصروا تفكيرهم في زيادة الدخل من النفط لتلبية الإنفاق الاستهلاكي المتزايد بشكل مخيف، خاصة خلال الأعوام القليلة الماضية، ولم يتجهوا إلى تغيير نمط إدارة الموارد وسبل تنويع الدخل، وتغيير ثقافة الاتكال والاستهلاك التي تفتك بالمجتمع.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)