لا
أتعامل مع
إيران بالجملة وبالأعمال الكاملة، فتعاملي معها بالتجزئة أو القطاعي،
ومؤلفا مؤلفا!
وعندما
قامت الثورة الإسلامية في طهران، كان عمري حينذاك 13 عاما، بما لا يمكن أن يكون لي
موقفٌ منها، لكني كنت مستوعبا لمواقف الناس الإيجابية، فهذه ثورة يقودها رجل دين،
وأمة قد أسقطت حاكما مستبدا، كان استبداده محميا بالإرادة الأمريكية، فسقط رغم هذه
الحماية، وهذا -لعمري- أمرٌ مبهر!
وقد
زاد وغطّى أن الرئيس السادات ناصب الحكم الجديد العداء، وكان الاعتقاد السائد أن
الحق لا بد أن يكون في "الاتجاه المعاكس"، فلم تنل الدعاية الإعلامية
المضادة من الثورة شيئا!
ولعل
جيلي تأثر كثيرا بكتاب الأستاذ فهمي هويدي "إيران من الداخل"، ولم يتأثر
بكتاب هيكل الإيجابي أيضا "مدافع آيات الله"، وهما كتابان صدرا في توقيت
واحد، ويؤرخان للثورة الإيرانية، إذ سافر الأستاذ والتلميذ إلى طهران في الأيام
الأولى للثورة، فكان الكتابان المهمان!
لقد
كان الهوى المصري العام مع الثورة الإيرانية، التي خشيت الأنظمة
العربية من
تأثيرها، وكانت الشعوب التي لا تستطيع ضربا في الأرض من المستضعفين ترتفع
معنوياتها بها، بقدر ما تنخفض معنويات الأنظمة!
المرء عليه أن يميز بين المواقف، فلا يتعامل مع الآخر بجملة الأعمال الكاملة، وإن وجد في الانحياز لقاتل ومشاركته القتل في الشام جريمة، فلا يجوز أن يدفعه هذا للوقوف مع العدوان الأمريكي والإسرائيلي
وبعد
اغتيال السادات والإفراج عن المرشد العام للإخوان المسلمين عمر التلمساني، قرأت
حوارا له في إحدى الصحف، يقول فيه إن تأييدهم للثورة الإسلامية في بدايتها كان
لعدم علمهم بحقيقتها. ولم يسأله المحاور عن هذه الحقيقة، ولم أر في كلامه دافعا
للتحول عن التعاطف.
ولا
أحسب أن وجداني كان في
الحرب العراقية الإيرانية منصرفا تلقاء بغداد، فقد كنا في
هذه المرحلة المبكرة ضد صدام حسين قلبا وقالبا، ولا نسلّم بصحة مواقفه في السياسة
والحرب!
التقارب
المصري الإيراني
ودارت
الأيام، وقرأت أكثر عن جرائم الشاه ضد الناس عبر سجونه وجهاز أمنه "السافاك"،
فوجدت أن فطرتنا كانت سليمة. وددت لو حدث التقارب المصري الإيراني، لكن مصر مبارك
كانت متشددة ضد إيران، وكان التشيع جريمة، وبين الحين والآخر كنا نقرأ خبر القبض
على تنظيم شيعي.
وبعيدا
عن الحساسية الأمنية للأمر -وهي مقدَّرة وتحتاج للمناقشة- فقد كان النظام يضرب
أكثر من عصفور بحجر؛ فمن ناحية هو يتقرب من دول
الخليج بالنوافل -السعودية تحديدا-
ومن أجل التقارب معها قام باعتقال ما سمي بتنظيم "القرآنيين"، ومن ناحية
أخرى يتقرب بالعداء لإيران من الولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو أن التقارب معها
كان خطا أمريكيا أحمر.
وقد
روى لي الأستاذ مصطفى كامل مراد، رئيس حزب الأحرار -رحمه الله- كيف أنه تحدث مع
الرئيس مبارك بأنه لا يجوز لمصر أن تستمر في القطيعة مع إيران وهما بلدان كبيران،
وأنه يقترح عليه أن يقوم وفد من أحزاب المعارضة بزيارة طهران، فلما قال له مبارك
إن الأمر سيغضب أمريكا، اقترح عليه أن يرد عليهم أنه لا ولاية له على أحزاب المعارضة.
قال له: هم يعرفون كل حاجة!
غزو
العراق
وكانت
الأزمة عندما بدأ الغزو الأمريكي للعراق وسط تأييد جارف من طهران ورجالها في
بغداد، وتصرفت بمذهبية مقيتة، فهي لديها استعداد للتحالف مع الشيطان نفسه لإسقاط
نظام صدام حسين، فماذا لو كان هذا سيتبعه تمكينها من وضع يدها على العراق؟! إنه
لأمر يفوق أكثر أحلامها جنونا!
ولا
شك أنها تصرفت بمذهبية وعلى قواعد المكايدة في ملف آخر هو الملف الأفغاني، وحدث
بينها وبين الغزو الغربي توافق بدون اتفاق!
وكانت
قد تجلت الطائفية للناظرين عندما مكنتهم الولايات المتحدة الأمريكية من التشفي
والانتقام من الرئيس العراقي، فكانت مخالفة القوانين والأعراف بإعدامه يوم عيد
الأضحى للمسلمين السنة، إذ كانت قد قررت أن يكون اليوم التالي هو عيد الأضحى
عندها.
وقد
كنت في هذا كله من المنددين بهذه المذهبية البغيضة، ولنظرة القوم تحت أقدامهم
فيظنون أنها دانت لهم، ولا يدركون أن الدور عليهم -لا شك في ذلك- لكن أمريكا قررت
الانفراد بكل فريسة على حدة!
الثورة
الأم
وعندما
قامت الثورة المصرية، وصفتُ في مداخلة تلفزيونية الثورة الإيرانية بالثورة الأم،
ورأيت أنه قد آن الأوان للتقارب المصري الإيراني، فالقطيعة غير مبررة. وكتبتُ أدعو
الرئيس محمد مرسي أن يتوقف عن حذره وأن ينغمس في علاقة طبيعية مع طهران، فتنوع
العلاقات من شأنه حماية الثورة مما يضمره لها الإقليم من كراهية.
وقد
أسفت لعدم رغبة الرئيس وجماعته في هذه الخطوة، وليس الأمر خضوعا لابتزاز سلفي،
وإنما لحسابات إخوانية عاطفية في مجملها، فلو وُضع العالم في كفة والسعودية في كفة
لاختار الإخوانُ السعودية، وإن كان ليس كل من تهواه يهواك قلبه، وهي حالة محاولة
شرحها تحتاج لأكثر من سطور في مقال!
بيد
أنني في الوقت نفسه كنت أدين الانحياز الإيراني لنظام شاه سوريا، وقد شاركت طهران
في استباحة الثورة، وقتل الثوار، وتدمير الشام، وشاركها في هذا بكل أسف حزب الله. وقد
استنزفت الدولة الإيرانية والحزب قدراتهما هناك، فذكرونا بالرئيس جمال عبد الناصر
عندما استنزف قدرات الجيش المصري في اليمن، وكان هناك مكشوفا للمخابرات البريطانية
وغيرها، فأمكن بعد ذلك هزيمته في يونيو/حزيران 1967.
وفي
الموقف من إيران الآن، أتذكر الموقف من عراق صدام حسين، لقد كان غزوه للكويت فرصة
لإعلان موقفي منه ورفضي له في صفحات طويلة عندما سنحت الفرصة، حتى إذا انسحب، وبعد
سنوات جاء الحصار الأمريكي له، كان تنديدي بهذا الحصار، الذي اعتبروه في طهران
رمية بغير رام!
استهداف
الخليج
إن
المرء عليه أن يميز بين المواقف، فلا يتعامل مع الآخر بجملة الأعمال الكاملة، وإن
وجد في الانحياز لقاتل ومشاركته القتل في الشام جريمة، فلا يجوز أن يدفعه هذا
للوقوف مع العدوان الأمريكي والإسرائيلي. فالمصلحة السياسية تحتم الانحياز لطهران
في هذه المواجهة، فماذا لو انتهت إيران وتمددت إسرائيل في المنطقة طولا وعرضا؟!
لكن
مشكلة النظام الإيراني أنه بدلا من أن يكثف جهوده على مصدر إطلاق النار عليه،
اندفع يهدد الإقليم، والحق الذي أريد به باطل هو "القواعد الأمريكية" في
الخليج. والحقيقة أنه لا يستهدف القواعد بقدر ما يستهدف المدن ومقومات الحياة
فيها، ويهدد المواطنين والمقيمين، وأصابت صواريخه بعض الوافدين، فهل كانت في هذه
القواعد الأمريكية؟!
إلى
الآن لم يتم الجزم بأن الطائرات التي استهدفت طهران انطلقت من هذه القواعد، لكن
المقطوع به أن العدوان انطلق من تل أبيب، وهذا من حسن حظ إيران، فلو فعلتها أمريكا
وحدها فربما كان الرد بقصف إسرائيل يُحسب ضمن "جر الشكل"!
سقطت أكذوبة الأمريكي الذي يحمي الخليج، فقد تعرض للعدوان فلم يرد أو يصد، وماذا يمكن أن تقول واشنطن للمنطقة عندما تلقي الحرب أوزارها؟! بل ماذا يمكن أن تقول إيران وقد تبين أن خطرها على الإقليم صحيح، وأن التخويف منها لم يكن من فراغ؟!
ويأتي
العدوان الإيراني على دول الخليج تذكيرا بحقيقة القواعد الأمريكية فيها، ومعظمها
جاء بسبب الخطر الإيراني، والذي تبين أنه ليس من فراغ. فإيران أعلنت بعد نجاح
ثورتها أنها ستصدر الثورة إلى خارجها، وهو شعار تسبب في الكثير من المصائب، فكانت
الحرب العراقية الإيرانية التي استفاد منها العدو بتدمير الجيشين في حرب استنزاف
طويلة. ووجد النظام العراقي دعما عربيا لمواجهة هذا الخطر، وبسببه كانت القواعد
الأمريكية إلا ما ندر منها.
ومن
المؤسف أن بلدا مثل الكويت مثلا لم تكن لها علاقات وثيقة بالأمريكان إلا بعد
احتلالها، وبسبب ذلك كانت القواعد الأمريكية.
لقد
كانت القواعد لها ما يبررها لدول الخليج، وجاء العدوان الإيراني ليؤكد صحة هذا
المبرر، لكن هل هي مصدر حماية فعلا؟!
الحماية
وحسن الجوار
لقد
سقطت أكذوبة الأمريكي الذي يحمي الخليج، فقد تعرض للعدوان فلم يرد أو يصد، وماذا
يمكن أن تقول واشنطن للمنطقة عندما تلقي الحرب أوزارها؟! بل ماذا يمكن أن تقول
إيران وقد تبين أن خطرها على الإقليم صحيح، وأن التخويف منها لم يكن من فراغ؟!
وإذا
استسلمنا لدعاوى القواعد الأمريكية فلن نتحرك خطوة للأمام في النقاش، لأن قاعدة
جيبوتي الكبيرة في مرمى الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى، وفي متناول الحوثيين،
لكنها لم تفعل!
ما
علينا، فالأمور لا يجوز أن تكون خاضعة لحكم يقين العوام، فيمكن أن ترفض إيران
وتنحاز لها، وأن ترفض العدوان الأمريكي الإسرائيلي على طهران، وبالقدر نفسه ترفض
العدوان الإيراني على دول الخليج دون أدنى شعور بالتناقض! وأنه، وأنت تقف مع إيران
في مواجهة العدوان الإسرائيلي، تلتمس العذر للسوري والعراقي الذي ساهمت إيران في
تدمير بلديهم، ولا تطلب منه أن يصطف معك أو مع قاتله! وأنه يمكنك أن ترفض إيران
الشيعية باعتبارك سلفيا، لكن في الوقت نفسه تقر بأن هزيمتها تضر بالأمن القومي
العربي، وتمنح الفرصة لأعداء العرب ليعلوا في الأرض مرتين! مع الإقرار بأن هزيمة
إيران خصما من المقاومة الفلسطينية.
إن
الأمور ليست بسيطة كما تتخيل، لكنها مركبة ومعقدة كما لا تتصور!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.