كل من يتابع
الجدل حول الضريبة على السلع
التي فرضها
مجلس النواب الأسابيع الماضية يتأكد لديه أن المجلس بوضعيته الحالية لا
يمكن أن يكون مؤهلا ومسؤولا عن قيادة البلاد كسلطة تشريعية ورقابية عليا، وأنه عند
درجة متدنية جدا في سلم المسؤولية.
فرض الضريبة بقرار من مجلس النواب دون
الانخراط في المسار العملي الصحيح لفرض
الضرائب، وبروز عضو من مجلس النواب كمتصدر
لهذه "النقلة النوعية" في أداء المجلس، والاستماع إلى مبررات وسياقات
اللجوء إليها في مداخلاته يكشف للناظر الحصيف أن عضو المجلس لا يعي دوافع استدعاء
الأداة الضريبية وضمانات فاعليتها ولا يدرك ما يترتب عنها في حال سوء تقدير
توقيتها.
مشهد الانحياز الأعمى من قبل بعض بني عمومة
النائب هو وجه آخر بائس للحالة المزرية من التخلف الذي نسير بثقة في دهاليزه
المظلمة صوب قاع التيه، فالنائب إبن العم على صواب لو أخطأ، والحمية تقتضي خوض حرب
من أجل نصرته ولو كانت العاقبة الانغماس أكثر في وحل التخلف.
وبالعودة إلى "عبث" رئاسة مجلس
النواب، وبعد أن تدحرجت كرة ثلج الضريبة وباتت قادرة على دك الحصون وجرف
"الشخوص"، كشف الستار عن مسرحية تقاذف التهم والرمي بالكرة في أحضان
الآخر هربا من المسؤولية، ولك أن تحكم أخي القارئ مستوى الاستعداد القيادي لدى
رئاسة المجلس، خاصة رئيسه، وهو يحمل مسؤولية إدارة جلسة المجلس التي اتخذ فيها
قرار فرض الضريبة تارة للنائب الأول لرئيس المجلس وأخرى للنائب الثاني.
هكذا وبكل ببساطة ينفي رئيس المجلس، عقيلة
صالح، مسؤوليته عن إقرار الضريبة بحكم عدم حضوره النقاش والتصويت، حتى أنه أظهر في
البيان أنه منحاز للرأي العام في مسألة الضرائب، وأن المعني بإدارة الجلسة هو
النائب الأول.
نظراء الساسة الليبيين في الشرق، أي الطبقة السياسية في الغرب الليبي، لم يكونوا أحسن حالا في إدارتهم لملفات عديدة آخرها موضوع "تجديد دماء الحكومة" من خلال تعيين وزراء جدد، فالحكومة تريد إرسال رسائل طمأنة محليا ودوليا، وتحاول أن تناور لمواجهة هبة قد تكون قوية فتقتلع الجذور، والنظر في المجموعة الذين تم اختيارهم يؤكد أن رئاسة الحكومة تتعامل مع التحديات بارتباك.
لم يقبل النائب الأول، فوزي نويري، تحميله،
ولو بشكل غير صريح، المسؤولية عن إدارة المجلس خلال نقاش وإقرار الضريبة، وكان رده
سببا لتوجيه البوصلة إلى النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، مصباح دومة، الذي بدوره
تحفظ على تحميل أعضاء أو أطراف داخل المجلس قرار فرض الضريبة، وان ملف الضريبة تم
تداوله عبر أكثر من جلسة وبحضور الرئيس.
قرار الضريبة تم إحالته للمصرف المركزي
للتنفيذ، وهذا إجراء تقوم عليه الرئاسة بإشراف الرئيس، كما أن كثيرا من النواب
الذين تحفظوا على القرار وآلية إقراره حملوا الرئاسة، ممثلة في الرئيس، مسؤولية
السير فيه.
وإذ أثمن موقف النواب الذين شكلوا قوة ضغط
لمنع الانفراد بقرارات المجلس، إلا أني أعتقد أن هذا التحشيد مؤقت ومقتصر على حالة
ظرفية، ولن يتحول إلى قوة دافعة لتصحيح وضع المجلس الذي بات في نظر غالبية
الليبيين عبئا على مسار الانتقال وتصحيح الحالة المأزومة التي تشهدها البلاد.
نظراء الساسة الليبيين في الشرق، أي الطبقة
السياسية في الغرب الليبي، لم يكونوا أحسن حالا في إدارتهم لملفات عديدة آخرها
موضوع "تجديد دماء الحكومة" من خلال تعيين وزراء جدد، فالحكومة تريد
إرسال رسائل طمأنة محليا ودوليا، وتحاول أن تناور لمواجهة هبة قد تكون قوية فتقتلع
الجذور، والنظر في المجموعة الذين تم اختيارهم يؤكد أن رئاسة الحكومة تتعامل مع
التحديات بارتباك.
ردود فعل المجلس الرئاسي تذكرك باضطراب
رئاسة مجلس النواب وهي تتعاطى مع ملف الضريبة، فقد انقسم أعضاء المجلس الرئاسي في
موقفهم حيال التغيير الذي أحدثه ادبيبة في حكومته، فرئيس المجلس الرئاسي، محمد
المنفي، متحفظ على التغيير، في مقابل رد قاسي من نائبه عبدالله اللافي الذي اتهم
المنفي بانتقاء النصوص وتوظيفها لإعادة التموضع في المشهد لمصلحة خاصة، وعضده في
ذلك العضو موسى الكوني، ليتجلى تمظهر آخر للحالة المزرية للسلطات في البلاد.
هذه الخلافات لا يمكن أن تصنف ضمن التدافع
الطبيعي داخل أروقة وردهات صناعة القرار في المؤسسات السيادية، وذلك لأنها تنطلق
من مقاربات مصلحية ضيقة وتحركها نوازع تصادم المؤسساية وتعصف بآليات الإدارة
الحكومية الرشيدة، وعند النظر بعمق في مسار عمل هذه السلطات يظهر بوضوح الحالة
التراكمية للصدام التي تنتج وضعا أكثر ضعفا وهشاشة في أبنية الدولة يوما بعد يوم.