مفاوضات الفرصة الأخيرة بين إيران والولايات المتّحدة

علي باكير
ما حصل قد حصل، ومن الصعب لأحد أن يتصور أن تعود إيران أو أذرعها أو نفوذها بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب، بانتظار معرفة التفاصيل التي يتم التفاوض عليها لتقييم الوضع الذي سنتّجه نحوه في المنطقة لاحقاً.
ما حصل قد حصل، ومن الصعب لأحد أن يتصور أن تعود إيران أو أذرعها أو نفوذها بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب، بانتظار معرفة التفاصيل التي يتم التفاوض عليها لتقييم الوضع الذي سنتّجه نحوه في المنطقة لاحقاً.
شارك الخبر
في العام 2025، كان لدى إيران فرصة ثمينة لتغيير الوضع في المنطقة برمّتها للأفضل. في ذلك الوقت، كانت إسرائيل قد وجّهت ضربات قاسية لأذرع إيران في المنطقة، ولأنّ طهران لم تكن تريد لهذه الأذرع أن تنخرط في معارك لا تخدم مصلحتها، فقد لجمت بعضها وأجبرته على عدم الرد بالرغم من توافر القدرة على ذلك. لكنّ هذا القرار أدّى في النهاية إلى تدمير ممنهج للقدرات الاستراتيجية لهذه الأذرع، ثم ما لبثت إسرائيل أن ركّزت قدراتها ضد إيران.

ولأنّها خسرت القدرات الردعية للأذرع، ولأنّ إسرائيل كانت قد دمّرت معظم أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، ولأنّ طهران لم يكن لديها أي خط دفاع آخر عن نفسها، أصبح العمق الإيراني مكشوفاً تماماً أمام المقاتلات الإسرائيلية، وهو ما غيّر من طبيعة المعادلة بين الطرفين بشكل لم يسبق أن حصل منذ الثورة الإيرانية عام 1979.

اليوم، وبعد أن تمّ تدمير قدرات إيران الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية، يذهب المفاوضون الإيرانيون إلى إسلام آباد لإجراء مفاوضات مع الولايات المتّحدة برعاية باكستانية، مع فارق أنّ وضع إيران اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه قبل بدء الحرب.
نتائج حرب الـ12 يوماً كانت كارثية على إيران، ومع توجيه ضربة أخيرة للمنشآت النووية، كان الرئيس الأمريكي يعتقد أنّ إيران ستتفاوض لاحقاً على اتفاق ثنائي، ممّا يتيح له تحقيق نصر دبلوماسي من جهة، وتجنّب الضغط الإسرائيلي عليه لإطلاق عملية جديدة من جهة أخرى. مثل هذا التصوّر كان يقوم على إمكانية فتح صفحة جديدة في العلاقة بين أمريكا وإيران، صفحة تجبّ ما قبلها وتتيح إنشاء علاقات ممتازة مع طهران. وقد كان التقدير يشير إلى أنّه إمّا على إيران الذهاب باتجاه الصفقة وإمّا الاستعداد للحرب المقبلة.

في المقابل، كان لدى إيران فرصة لاستغلال التصوّرات الأمريكية لحماية نفسها، لكن ذلك كان يقتضي منها أن تقوم بالخطوة الصحيحة في التوقيت الصحيح. اتفاق يقوم على حلّ إيران للميليشيات، توثيق علاقاتها مع جيرانها من العرب والأتراك لتأمين عمق إقليمي لها، فتح الاقتصاد الإيراني وصناعة الطاقة أمام الشركات الأمريكية مقابل رفع كامل لكل العقوبات وتعهد بعدم فرض عقوبات جديدة. يضاف إلى ذلك اتفاق نووي يحافظ على حق إيران في التخصيب، لكن يضمن عدم امتلاكها للسلاح النووي.

المؤشرات كانت تقول إنّ هناك في إيران من يعتقد بإمكانية حصول ذلك، لكن العقبة الأبرز كانت المرشد الأعلى علي خامنئي. فقد كان خامنئي يعتقد أنّه بالإمكان العودة إلى اللعبة القديمة مع إسرائيل والولايات المتّحدة، وإعادة بناء قدرات إيران الدفاعية، وإعادة بناء القدرات الردعية لأذرع إيران في المنطقة بشكل بطيء لكن مستدام، كي لا يؤدي إعادة بنائها السريع إلى إطلاق ردّة فعل إسرائيلية. كما كان يعتقد أنّه بالإمكان احتواء ترامب من خلال الانخراط معه في مفاوضات يتم استغلالها فقط من أجل تمرير عامل الوقت إلى أن تأتي إدارة أمريكية أخرى، أو تسمح الظروف ربما بإعادة تشتيت انتباه الإدارة الأمريكية بأمور أخرى أكثر أهمية داخلياً أو خارجياً.

لقد تغلّب تصوّر المرشد على التصوّرات الأخرى داخل إيران، وبالفعل بدأ تطبيق هذه الاستراتيجية، وتم تعزيزها بالدفع بشخصيات إيران المعروفة داخل العراق للاستفادة أيضاً من قدرات العراق في إعادة بناء الاستراتيجية الإيرانية، حيث شاركت الميليشيات العراقية المعروفة بولائها لإيران في الانتخابات وحصدت مقاعد متقدمة، كما جرى ترشيح اسم نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

ولأنّ توقّعات ترامب لم تتحقّق، ولأنّه كان قد بدأ يواجه مشاكل داخلية على خلفية ملفات إبستين، ولأنّ إسرائيل كانت قد بدأت تضغط على الإدارة الأمريكية باتجاه شن حرب جديدة على إيران قبل أن تفوت الفرصة التي أنشأتها حرب الـ12 يوماً عام 2025، فقد تقرر حشد القوات الأمريكية استعداداً لحرب محتملة. لكن الجانب الإيراني كان يعتقد أنّ هذه الحشود مجرّد مناورة للضغط عليه خلال المفاوضات في عُمان. وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير بحوالي عشرين يوماً، كان ترامب ينوي إطلاق الحملة العسكرية، لكن مساعي إقليمية أقنعته بتأجيلها. وخلال هذه المرحلة، عرضت تركيا أن تستضيف نائب الرئيس الأمريكي والرئيس الإيراني لحل المشكلات العالقة بين الطرفين والاتفاق على تفاهم يجنب إيران والمنطقة الحرب، لكن الجانب الإيراني رفض ذلك وفضّل الانخراط في عملية تفاوض تقليدية على مستوى تمثيلي أقل، كان الهدف منها تمرير الوقت.

كان لدى إيران فرصة لاستغلال التصوّرات الأمريكية لحماية نفسها، لكن ذلك كان يقتضي منها أن تقوم بالخطوة الصحيحة في التوقيت الصحيح. اتفاق يقوم على حلّ إيران للميليشيات، توثيق علاقاتها مع جيرانها من العرب والأتراك لتأمين عمق إقليمي لها، فتح الاقتصاد الإيراني وصناعة الطاقة أمام الشركات الأمريكية مقابل رفع كامل لكل العقوبات وتعهد بعدم فرض عقوبات جديدة. يضاف إلى ذلك اتفاق نووي يحافظ على حق إيران في التخصيب، لكن يضمن عدم امتلاكها للسلاح النووي.
اليوم، وبعد أن تمّ تدمير قدرات إيران الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية، يذهب المفاوضون الإيرانيون إلى إسلام آباد لإجراء مفاوضات مع الولايات المتّحدة برعاية باكستانية، مع فارق أنّ وضع إيران اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه قبل بدء الحرب. كما أنّ الأوراق التي بين يديها أقل من تلك التي كانت تمتلكها قبل الحرب. الأكيد فيما يجري أنّ فترة أسبوعين لن تكون كافية لحل كل المشاكل، مما يضعنا أمام سيناريو صعب للغاية، خاصة أنّ الجانب الإسرائيلي حاضر دوماً لتخريب أي اتفاق لا يحقق مصالحه وللتصعيد حينما يريد. إسرائيل تخوض حرباً قليلة التكلفة عالية العوائد، وهي تعوّل على الولايات المتّحدة لتغطية التكاليف، وتعلم جيداً أنّه لم يعد بإمكان إيران أن تفعل أكثر مما فعلت، ولا تمتلك القدرة على منعها مما ستفعله إن هي شاءت.

بمعنى آخر، إمّا أن يتم تمديد الأسبوعين لاحقاً وربما بشكل دوري إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، وإمّا أن ينتهي الأسبوعان بتصعيد جديد. وفي هذه المرحلة لا يبدو أنّ الولايات المتّحدة أو إيران تريدان التصعيد، لكن الجانب الإسرائيلي حاضر دوماً. وبين الخيارين، تبقى إمكانية التفاوض على وقع الأحداث قائمة. ما حصل قد حصل، ومن الصعب لأحد أن يتصور أن تعود إيران أو أذرعها أو نفوذها بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب، بانتظار معرفة التفاصيل التي يتم التفاوض عليها لتقييم الوضع الذي سنتّجه نحوه في المنطقة لاحقاً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)