أراد الله بها سوءاً فكان ترامب

جعفر عباس
ليس خافيا على المواطن الأمريكي أن المليارديرات أصحاب شركات عملاقة مثل غوغل، وول مارت، وأمازون، وتيسلا، وميتا، هم من أوصلوا ترامب إلى سدة الحكم مسنودا بأغلبية كاسحة في مجلسي النواب والشيوخ.. الأناضول
ليس خافيا على المواطن الأمريكي أن المليارديرات أصحاب شركات عملاقة مثل غوغل، وول مارت، وأمازون، وتيسلا، وميتا، هم من أوصلوا ترامب إلى سدة الحكم مسنودا بأغلبية كاسحة في مجلسي النواب والشيوخ.. الأناضول
شارك الخبر
يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، إن الهيمنة الأمريكية على العالم، نتجت عن أن النخبة الاجتماعية والاقتصادية، التي تسيطر على الولايات المتحدة، اتبعت "استراتيجية إمبراطورية كبرى" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، للحفاظ على "مصالحها من خلال الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية. مع التجاهل التام  لحقوق الإنسان"، مع مواصلة الادعاء بأنها راعية الديمقراطية وحارسة حقوق الانسان في عموم الكون.

وبموازاة ذلك، ومنذ عام 1945 كانت الحكومة الأمريكية هي الداعم الأول للأنظمة المسؤولة عن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان ـ بما في ذلك التطهير العرقي والإبادة الجماعية، مثل السلفادور، وكولومبيا، ونيكاراغوا، والفلبين، وإيران، وإسرائيل، وجنوب إفريقيا، وإندونيسيا وغيرها. وصولا إلى التدخلات العسكرية المباشرة، مثل حرب فيتنام، وقصف الناتو ليوغوسلافيا، والحرب الأفغانية وحرب العراق، ويقول تشومسكي إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ـ سواء كانت خاضعة لسيطرة الإدارات الجمهورية أو الديمقراطية - تتبع نفس الأجندة المتمثلة في الوصول إلى الموارد الخام والأسواق بتعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم.

ترامب بجهالته المتمكنة منه كلونه البرتقالي، وسيرته الشخصية المعطوبة، لم يتسبب في اختلالات هائلة في الاقتصاد العالم،ي الذي تسيّده حلفاء بلاده لقرون، فحسب، ولم يكتف بالسير في خط سلفه من حزب الجمهوري جورج دبليو بوش، بانتهاج سياسة العدوان العسكري المباشر على دول أخرى، أو عن طريق الوكيل التاريخي (إسرائيل)، بل يهدد باحتلال كندا، أو ولاية أونتاريو الكندية، وانتزاع قناة بنما من جمهورية بنما، وغرينلاند من الدنمارك، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية الأمريكية بغطاء دولي.
في نظر العالم الخارجي تبدو الولايات المتحدة قوية وذات اقتصاد متقدم، بينما حقيقة الأمر هي أنها تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية جمّة، وبوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرة أخرى، بدأت تفقد موقعها في الاقتصاد العالمي. فقد تمدد النفوذ الأمريكي وقوي اقتصادها، لأنها ورثت الهيمنة عن الإمبراطورية البريطانية، وجعلت من العديد من الدول كواكب "تابعة" تدور في فلكها، بتنصيب حكام طراطير فيها، أو من خلال الشركات متعددة الجنسيات، تأسياً بشركة الهند الشرقية البريطانية (EIC) التي تم تأسيسها عام 1600 كشركة مساهمة للتجارة مع شرق آسيا، وسرعان ما تحولت إلى قوة استعمارية مهيمنة، سيطرت على شبه القارة الهندية، بجيشها الخاص وتجارتها بالقطن، الشاي، والأفيون، إلى أن تم حلها عام 1874 لتنتقل السلطة مباشرة الى التاج البريطاني.

أدت الهيمنة الأمريكية إلى تراكم هائل لرأس المال في الولايات المتحدة، وفي ظل نظامها الرأسمالي غير المحكوم بضوابط، تراكمت الثروات لدى شريحة محدودة العدد من الأوليغاركيين، والأوليغارية تعني حكم أقلية مفرطة الثراء، تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة، بالتحكم في جهاز الدولة ولو من وراء الستار، ونتيجة لكل هذا أصبح المواطنون الأمريكان أكثر أهل البلدان المتقدمة معاناة من عدم المساواة في الأجور. وكان ويلفورد كنغ أول من نبه الى ذلك في عام 1915، حينما نشر نتيجة مسوحات تفيد بأن نحو 25% من المداخيل الأمريكية تذهب الى جيوب 1% من السكان، وعزا كنغ ذلك في أحد جوانبه الى نظام الرق الذي أدى عدم العدالة في توزيع الأراضي، فآلت من ثم معظم الأراضي الخصبة إلى شرائح صغيرة من الأمريكان البيض، وبحلول عام 2021 آلت 35% من ثروات البلاد إلى 1% من السكان.

خلال السنوات الأربعين الأخيرة، أصبح أوليغاركيو روسيا وأوكرانيا متحكمين في أمور الحكم، بينما يميل نظراؤهم الأمريكان إلى الإمساك بخيوط اللعبة دون الظهور على المسرح، وليس خافيا على المواطن الأمريكي أن المليارديرات أصحاب شركات عملاقة مثل غوغل، وول مارت، وأمازون، وتيسلا، وميتا، هم من أوصلوا ترامب إلى سدة الحكم مسنودا بأغلبية كاسحة في مجلسي النواب والشيوخ، بيد أن فوز أقلية ضئيلة العدد بمعظم الثروات والأموال، ليس قصرا على أمريكا، وفي هذا تقول فاطمة سومر الأستاذة بجامعة هارفارد، والمدير التنفيذي لمركز هارفارد للتنمية الدولية إن أغنى 10 أشخاص في العالم، لديهم أموال تفوق ما عند 3 مليارات من بني البشر الفقراء.

ثم جاءت الحقبة الترامبية (2017 ـ 2021 ثم 2025 ـ 2029)، حيث تزاوجت الأوليغاركية مع الغوغائية، فتولى مفرطو الثراء دعم الحملات الانتخابية بينما تولى الغوغائيون تحشيد المواطنين باسم المسيح وتحت شعارات "أمريكا أولا"، و"لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، كاتبين بذلك نعي العولمة وحرية السوق العالمي، فكان ما كان من أمر فرض رسوم جمركية باهظة على الواردات من جميع دول العالم، والعمل على تفكيك حلف الأطلسي، والإساءة إلى شركاء أمريكا التاريخيين في السياسة والاقتصاد والعمليات العسكرية، ونعْت شعوب هنا وهناك بعبارات غرفها من أنابيب الصرف الصحي. وكان حصاد كل ذلك هشيما، لأنه أدى إلى تقليص نفوذ الاقتصاد الأمريكي دوليا، لأن إغلاق السوق الأمريكي في وجه الواردات يغلق أبواب التصدير في وجه أمريكا، فكانت اللطمة في وجه الترامبيين، أن لغة التهديد والوعيد، عادت عليهم بنتائج عكسية، تمثلت في هجرة أوربية جماعية نحو الصين، الغريم الاقتصادي والعسكري الأول للولايات المتحدة.

إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، فليس من الخطل والشطط القول بأن الله أراد بأمريكا سوءا فسلّط عليهم الجهل، ممثلا في ترامب، والجاهل عدو نفسه، وهكذا تولى ترامب من حيث لا يقصد تقليم أظافر بلاده في الساحة الدولية، بما يؤذن ببداية نهاية عصر الهيمنة الأمريكية.
وترامب بجهالته المتمكنة منه كلونه البرتقالي، وسيرته الشخصية المعطوبة، لم يتسبب في اختلالات هائلة في الاقتصاد العالم، الذي تسيّده حلفاء بلاده لقرون، فحسب، ولم يكتف بالسير في خط سلفه من حزب الجمهوري جورج دبليو بوش، بانتهاج سياسة العدوان العسكري المباشر على دول أخرى، أو عن طريق الوكيل التاريخي (إسرائيل)، بل يهدد باحتلال كندا، أو ولاية أونتاريو الكندية، وانتزاع قناة بنما من جمهورية بنما، وغرينلاند من الدنمارك، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية الأمريكية بغطاء دولي.

وقياسا على القول الحكيم للإمام الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، فليس من الخطل والشطط القول بأن الله أراد بأمريكا سوءا فسلّط عليهم الجهل، ممثلا في ترامب، والجاهل عدو نفسه، وهكذا تولى ترامب من حيث لا يقصد تقليم أظافر بلاده في الساحة الدولية، بما يؤذن ببداية نهاية عصر الهيمنة الأمريكية.
التعليقات (0)