ظهور الثقب الأسود للحضارة الغربية

صلاح الدين الجورشي
"ما يثير حقا في هذا الزلزال ليس فقط جوانبه الجنسية القذرة التي لا تخلو منها أمة أو حقبة تاريخية، وإنما تشابك هذا الملف مع ملفات كبرى "- إكس
"ما يثير حقا في هذا الزلزال ليس فقط جوانبه الجنسية القذرة التي لا تخلو منها أمة أو حقبة تاريخية، وإنما تشابك هذا الملف مع ملفات كبرى "- إكس
شارك الخبر
يعتبر رفع الغطاء عن العالم السري لجيفري إبستين ليس مجرد قصة عابرة من قصص التاريخ الفضائحي لجزء من الطبقة الحاكمة في أمريكا، إن المسألة أكبر وأعمق وأخطر من ذلك بكثير؛ ما يحدث هو أشبه بالثقب الأسود في الحضارة الغربية المتداعية للسقوط حسب اعتقاد الكثير من الفلاسفة والمؤرخين. لقد تعددت أزمات هذه الحضارة، وتسارعت وتيرة نزولها إلى القاع حتى حدثت الكارثة الكبرى وظهرن للعيان، وأصبح الأمل في إنقاذها ضعيفا للغاية.

ما يثير حقا في هذا الزلزال ليس فقط جوانبه الجنسية القذرة التي لا تخلو منها أمة أو حقبة تاريخية، وإنما تشابك هذا الملف مع ملفات كبرى مرتبطة ارتباطا عضويا بالأسس التي قامت عليها الحضارة الغربية ذاتها. لا يمكن فصل هذا الجزء من المشهد العام عن بقية الأجزاء السياسية والفكرية والأخلاقية، فهو بناء شاهق، تصدع أعلاه بسبب ما أصاب الطوابق السفلية من تآكل وفساد عظيم.

لعبة قديمة، لكن لم تتضح ألاعيبها وتتبين خيوطها وتبرز قوتها مثلما حصل هذه المرة، فنادرا ما اندلعت فضيحة هنا وهناك ولا تكون الدوائر الإسرائيلية وراءها أو أحد أطرفها

المقال ليس نصا تأبينيا للحضارة الغربية التي تهيمن على الجميع، فهذا ادعاء لا أنسبه لنفسي، ولكن عندما تجمع الشواهد، وتتابع تعليقات ذوي الرأي من داخل هذا الغرب ومن خارج محيطه، تلاحظ عمق الصدمة واتساع رقعة الحريق. فملايين الوثائق التي تم الكشف عنها، تتجاوز انعكاساتها المدمرة شخص ترامب ومناوراته الخبيثة وادعاءاته الباطلة، والذي قد تتم الإطاحة به في أعقاب تنظيم الانتخابات النصفية للكونغرس، وتمنعه من مواصلة رقصاته البهلوانية. فهذه الوثائق وغيرها قد تعري الجميع، وتفقدهم الشرعية الأخلاقية والسياسية، وتكشف أن أغلبية الطبقات الحاكمة في الغرب وفي الشرق متورطة في عشرات الملفات ذات الرائحة النتنة التي استعملت الأطفال والنساء والأموال القذرة والدعايات الزائفة في سبيل تحقيق شهوات المرضى من المتنفذين، وتخدم أقلية تريد التحكم في العالم.

وليس صدفة أن تكون هذه الأقلية التي تمسك بيديها خيوط اللعبة هي إسرائيل الصهيونية؛ هناك يقع توزيع الأدوار، وتجميع الأسرار، والتخطيط لاستهداف الضحايا، وتوريط من يراد توظيفه. هذه لعبة قديمة، لكن لم تتضح ألاعيبها وتتبين خيوطها وتبرز قوتها مثلما حصل هذه المرة، فنادرا ما اندلعت فضيحة هنا وهناك ولا تكون الدوائر الإسرائيلية وراءها أو أحد أطرفها أو من الجهات الرئيسية التي تعمل على الاستفادة منها. لهذا اعتبر الأستاذ فتحي التريكي أن إبستين "ليس فردا معزولا يعمل لمصالحه الخاصة، وإنما هو ممثل للنازية الجديدة التي تهيمن على بعض الحكومات الغربية". ويذهب الدكتور إلى أبعد من ذلك عندما وصفه بكونه "ليس مجرد مختل عقلي ومريض جنسي، بل هو يجسد النظام الرأسمالي الصهيوني الجديد التي يريد الهيمنة المطلقة على العالم".

لماذا تم اختيار هذه اللحظة لكشف هذا الملف بهذه الطريقة الاستعراضية المستفزة للضمير الإنساني، رغم مرور سنوات عن اعتقال وتصفية هذا الشخص أو انتحاره مثلما ادعت الأجهزة الأمريكية؟

من الأسئلة المشروعة التي لا مفر من طرحها: لماذا تم اختيار هذه اللحظة لكشف هذا الملف بهذه الطريقة الاستعراضية المستفزة للضمير الإنساني، رغم مرور سنوات عن اعتقال وتصفية هذا الشخص أو انتحاره مثلما ادعت الأجهزة الأمريكية؟

دون التقليل من دور الصحافة الاستقصائية التي كشفت جوانب هذا الملف، كان بالإمكان التحكم في الإخراج، وتأجيل توقيت الإعلان عن الفضيحة وعدم رفع الحجاب كليا عن التفاصيل والأشخاص المورطين، ولا يرفع الغطاء دفعة واحدة عن الجميع.

يبدو أن هناك رغبة لدى المتورطين في هذه الفضيحة للقيام بخلط الأوراق، واستعراض القوة من أجل إرباك الجميع. فتل أبيب تريد تحدي العالم، وتخيف أصدقاءها قبل أعدائها، وإشعارهم بكونها تتحكم في غرف نومهم، وأنها القادرة على اختراق الجدران وخنق كل من يهددها أو يعاكسها، وأنها هي القوة القاهرة، خاصة في هذه المرحلة الحاسمة من تنفيذ سياستها التوسعية. فكل من يحاول الوقوف في طريقها سياسيا وقضائيا وإعلاميا لإجهاض مشروع الهيمنة من خلال حرب الإبادة في غزة، سيقع فضحه وإن لزم الأمر ستتم تصفيته ومحوه من الوجود. فالصهيونية تواصل عملها من أجل وقف حركة التضامن الواسع مع قضية غزة، والتي نجحت في نسف الأساطير التي قام عليها هذا الكيان، لهذا السبب قررت إشغال الرأي العام الدولي بملفات عديدة بما في ذلك تحريك هذه القضية. فهدفهم الآن في تل أبيب هو وضع حد للاهتمام المتعاظم بفلسطين حتى يتم احتلالها بالكامل بكل الوسائل، اعتقادا منهم بأن ذلك هو السبيل الوحيد لغلق الملف الفلسطيني نهائيا.
التعليقات (0)

خبر عاجل