جزيرة الشيطان تُسقط حداثة الغرب المزيفة

نور الدين العلوي
"لم يكن إبستين وجزيرته حدثا جديدا، ولكنه حدث مذكر بفظاعة الحداثة الغربية التي تروّج لوهم العقلانية وتتخفى عن الأنظار لتفعل بالإنسان أسوأ الفعال وأشدها انحطاطا"- جيتي
"لم يكن إبستين وجزيرته حدثا جديدا، ولكنه حدث مذكر بفظاعة الحداثة الغربية التي تروّج لوهم العقلانية وتتخفى عن الأنظار لتفعل بالإنسان أسوأ الفعال وأشدها انحطاطا"- جيتي
شارك الخبر
تختلط أسباب الكشف عن جزيرة الشيطان أو جزيرة أكل لحوم الأطفال، سنترك جانبا الدوافع السياسية للكشف أو للفضح ونجتنب التحليلات السياسية المباشرة، ونذهب إلى القيمة الأخلاقية التي تتجلى لكل عاقل من وراء هذا الكشف. ونكتب قبل التحليل أن قد آن الأوان لكل مسلم ولكل عربي ولكل إنسان سوي أن يعالج عقدة النقص التي زرعتها فيه حداثة متعالية تزعم احترام الإنسان، لقد استنقص كل البشر الأسوياء من كل الثقافات أنفسهم أمام الاتهام المستمر بالتخلف والذي ظل يقحم في كل الأذهان بكل الوسائل، حتى صار الغرب هو النموذج الأخلاقي المثالي الذي يجب أن يكون عليه البشر ليرتقوا إلى مرتبة البشر. لقد شك كل الناس في كل ثقافتهم وتخلوا عن مراجعهم، وقد نال العرب والمسلمون الرصيد الأكبر من هذا الاستنقاص التاريخي. جزيرة ابستين قالت كلمة فصلا من لم يقرأها من زاوية الموقف من الحداثة الغربية يستحق أن يكون في موقع الحقارة الأخلاقية.

للعهر عناوين كثيرة

لا يتسع المجال لتعداد العناوين التي مرت من خلالها الحداثة الغربية لأرواح الشعوب غير الغربية، ويكفي أن نتذكر هنا ما كان يرسخ عن برقع المرأة الأفغانية وعن شادور المرأة الإيرانية وعن حجاب المرأة المسلمة. لقد جعلت الحداثة الغربية ستر جسم المرأة عنوانا أبديا للتخلف، ولم تُبق لها إلا بابا وحيدا للخروج من التخلف والدخول في الحداثة وهو باب التعري،
الشعوب الأكثر تعرضا للاختراق هي الشعوب الأكثر مقاومة للنموذج، وهي الشعوب العربية والمسلمة. قرنان مرا في المقاومة وصد محاولات الاختراق، حتى عاد إبستين وجزيرة أكل لحم الأطفال ليذكّر بأنه ثمرة من ثمرات هذه الحداثة
وكلما تعرت تحدثت. ولم يشفع لها أن ستر جسدها لم يُعقها عن التعلم والتمكن الوظيفي. ولقد حولت الحداثة النموذجية تنظيم العلاقات الجنسية في إطار مؤسسة الزواج إلى عنوان للتخلف، بل إن الإنجاب نفسه تحول إلى عنوان للاضطهاد النوعي الذكوري للمرأة.

إن الحداثة الغربية التي تزعم الديمقراطية والحرية لم تترك للشعوب مجالا للتعدد والاختلاف الثقافي، وقد استعملت القهر السياسي والعسكري وسيلة لفرض النموذج. فاضطرت الشعوب إلى عملية مقاومة مستمرة لصون ثقافاتها من التحلل، وصرفتها في الأثناء إلى الانكماش على ذواتها، فنسيت أن تنشغل بكسب رزقها وتطوير مصادرها الحيوية لتخرج من التخلف المادي والفقر والمرض وهو ميراث استعماري غربي لا نشك فيه. والأخطر في كل المشهد أن هذه الحداثة اخترقت الشعوب في العمق فخرج منها من يكره نفسه ويعادي ثقافته ليحوز الرضا الغربي(الحداثي)، وكانت الحداثة تمنح بكرم فائض ألقاب التنوير والتقدمية على كل متفسِّخ من ثقافته.

ونعود إلى التأكيد بأن الشعوب الأكثر تعرضا للاختراق هي الشعوب الأكثر مقاومة للنموذج، وهي الشعوب العربية والمسلمة. قرنان مرا في المقاومة وصد محاولات الاختراق، حتى عاد إبستين وجزيرة أكل لحم الأطفال ليذكّر بأنه ثمرة من ثمرات هذه الحداثة.

حداثة بالسحر الأسود

لم يكن إبستين وجزيرته حدثا جديدا، ولكنه حدث مذكر بفظاعة الحداثة الغربية التي تروّج لوهم العقلانية وتتخفى عن الأنظار لتفعل بالإنسان أسوأ الفعال وأشدها انحطاطا. في جزيرة نالت بامتياز تسمية جزيرة الشيطان؛ يخطَط مصير العالم كافة ومصير العرب بالتخصيص (وهذا اهتم به إعلاميون وسياسيون بقدر مجز)، ولكن في الجزيرة الشيطانية نركز على بيئة احتقار الإنسان الذي يمارسه من يعلّم الناس العقلانية.

في الجزيرة تحول الأطفال أولا إلى سلعة في سوق، ثم إلى وجبة طقوسية ما قبل تاريخية. لم يكن الجنس مطلبا في ذاته، بل اتُخذ بوابة لممارسة السحر الأسود. نشك هنا في أن فضح هذا الجانب من الممارسات لن يظهر للضوء برمته، فالتركيز على الجانب السياسي استولى على المتابعات الحينية، وهو تركيز مفهوم ومبرر لأن الضحايا كثر والمعركة دائرة الآن. وقد وضحت مقابلة إبستين مع يهودا باراك (فيديو بثلاث ساعات) ما يثبت حديثا سابقا عن حكومة العالم الخفية التي تخطط وتدير في الظلام مصير العالم كافة، ومصير العرب خاصة.

وراء حكومة العالم الخفية لا يوجد عقل وضعي حداثي (طالما أفحمنا به أوجيست كونت) بل يتخفى عقل سحري (أسطوري) يستعيد فيما قرأنا السحر البابلي السابق عن كل عقل. أين طقوس شرب دم الأطفال وأكل أمعائهم من العقلانية الغربية؟ هنا نجد أن العقلانية بضاعة صُدرت إلينا كعقيدة تامة، لكن مصدّريها لا يؤمنون بها (شيء يشبه تصدير غذاء الكلاب تحت يافطة وجبة آدمية).

لكن لنحذر من أمر خطير
لنركز الصورة على نقاط الضوء المبهرة؛ يملك الشاب العربي المسلم المصاب بعقدة النقص (الآن وهنا) نموذجا يقف نقيضا لإبستين؛ الطهر الثوري مقابل الوسخ السياسي، والطهر الأخلاقي مقابل البهيمية

لقد بني في السوشيال ميديا العربية موقف سريع توقف عند رؤية وساخة الحداثة الغربية ثم انتقل بسرعة إلى ممارسة تطهر أخلاقي مريح (نحن العرب أبرياء من هذه الوساخة)، وعندما يتحول الموقف النقدي إلى طلب براءة فإنه يتجمد في موقف غير منتِج، إذ يختصر كل الحداثة في مشهد الجزيرة الشيطانية. لذلك وجب في تقديرنا تجاوز موقف التطهر إلى موقف أكثر جذرية من الحداثة بالنظر إليها مفككة غير مجملة.

يبدأ هذا الموقف من نقطة واضحة وهي أن الناس/ الشعوب/ الثقافات غير الغربية ليست دونية، وليست مجبرة بالتالي عن التخلي عن ذواتها لتذوب في النموذج الغربي الذي يقدر دوما على إنتاج جزيرة الشيطان (من أدرانا بجزر إبستين لم تفضح في حينها)، أي أنها قادرة أن تواصل فعل المقاومة بدرجة أعلى من الثقة في النفس للخروج من الوضع الدوني الذي حشرتها فيه الحداثة الغربية. هذا يحول الفضيحة الأخيرة إلى سبب إضافي فعال للتمسك بالتراث الأخلاقي وفرض الذات، ضمن مشهد كوني يقبل بحداثات كثيرة لا حداثة واحدة.

لنركز الصورة على نقاط الضوء المبهرة؛ يملك الشاب العربي المسلم المصاب بعقدة النقص (الآن وهنا) نموذجا يقف نقيضا لإبستين؛ الطهر الثوري مقابل الوسخ السياسي، والطهر الأخلاقي مقابل البهيمية. إنها اللحظة الفارقة التي تقتضي رفع الأيقونة عاليا والتظلل بها بثقة في النفس وبثقة في المرجع وبثقة أعلى في المستقبل. الحضارة أو الثقافة التي تنتج هذا النموذج ليست ثقافة دونية، وعليها أن تؤمن بنفسها في عملية مقاومة تبني حداثة على الأخلاق، ولا ترتبك من مرجعيتها ولا تقف في ذات اللحظة عند طهرها بل تحوله إلى مشروع مقاومة كوني بصوت عال.. مقابلة بين مرجعيتين، فيخرج هذا الغرب من كونه مرجعا ومصيرا إلى حالة غير مغرية بالتقليد، حينها يتبلور المرجع ويُعلى ويُبنى عليه فعل مقاوم أخلاقيا وسياسيا.
التعليقات (0)