سوريا الجديدة بين تردد السلطة وهشاشة المعارضة.. هل يتكرّر مسار النكوص الديمقراطي العربي؟

نور الدين العلوي
"بروز مطالب انفصالية وفيدرالية من أطراف معارضة كانت، حتى وقت قريب، ترفع شعارات قومية عربية وحدوية"- سانا
"بروز مطالب انفصالية وفيدرالية من أطراف معارضة كانت، حتى وقت قريب، ترفع شعارات قومية عربية وحدوية"- سانا
شارك الخبر
منذ تشكّل "سوريا الجديدة" تحت حكم أحمد الشرع، انصبّ اهتمام المراقبين على طبيعة السلطة الصاعدة، ووُضع خطابها السياسي وأدواتها الأمنية تحت ألف مجهر، لمعرفة حدود التزامها المعلن بالانتقال الديمقراطي. غير أن التركيز المفرط على السلطة وحدها يُخفي إشكالية لا تقل خطورة، بل قد تكون أكثر حسما في تقرير مصير التجربة السياسية الناشئة، وهي أزمة المعارضة السورية نفسها، في خطابها، وبنيتها، ووظيفتها التاريخية المنتظر أن تقوم بها. فالانتقال الديمقراطي لا يُختبر فقط بمدى استعداد الحاكم للتشارك الديمقراطي، بل بقدرة المعارضة على أن تكون شريكا مسؤولا، لا عامل تفكيك أو ذريعة نكوص.

أحد أكثر المؤشرات لفتا للانتباه هو بروز مطالب انفصالية وفيدرالية من أطراف معارضة كانت، حتى وقت قريب، ترفع شعارات قومية عربية وحدوية. هذا التحوّل لا تمكن قراءته كتطوّر سياسي طبيعي، بل كعلامة على انهيار المرجعيات الكبرى التي كانت تنظّم الخيال السياسي لمن صار الآن في المعارضة بعد حكم طويل.

من القومية إلى الفيدرالية: تحوّل أم انكشاف؟
هذا التحوّل لا تمكن قراءته كتطوّر سياسي طبيعي، بل كعلامة على انهيار المرجعيات الكبرى التي كانت تنظّم الخيال السياسي لمن صار الآن في المعارضة بعد حكم طويل

لا يعكس انتقال فلول البعث العربي القومي من خطاب وحدوي قومي إلى مطالب تفكيكية نضجا في التفكير السياسي، بل يكشف عن عجزٍ مريب عن إنتاج رؤية وطنية جامعة داخل لحظة انتقالية معقّدة إنها تلجأ إلى الهويات الفرعية (مناطقية وطائفية وعرقية) بوصفها ملاذا آمنا، لا بوصفها خيارا ديمقراطيا مدروسا.

وهنا تكمن مفارقة الوضع السوري الناشئ؛ إننا نرى المعارضة السورية وخاصة فلول النظام السابق التي يُفترض أن تكون حارسة أفق الديمقراطية، تتحوّل إلى عامل ضغط باتجاه إعادة تشظي المجال الوطني، ما يمنح السلطة أيّا كانت طبيعتها مبررات إضافية لتغليب الأمن على السياسة، والاستقرار القسري على التعدّدية، رغم أننا نتابع في ذات الوقت طول بال الحكم الجديد وصبره على معارضيه، وهو صبر ذكرنا بـ"اذهبوا فأنتم الطلقاء" التي منها أصيبت حكومات مصر وتونس.

معارضة تعاني أزمة التنظيم

المعارضة السورية التي نتابع أفعالها تعاني من نفس مشاكل المعارضات العربية التي وضعها الصندوق الانتخابي في موضع المعارضة، فمشكلتها الأعمق لا تكمن في الشعارات، بل في العجز عن التشكل الحزبي. فحتى مع وجود وعد معلن بانتقال لم نقرأ لها برامج واضحة، ولم نر لها هياكل تبنى وتعمل لتشارك في الديمقراطية، لذلك لا نستعشر عندها استعدادا حقيقيا لخوض تنافس انتخابي طويل النفس.

هذا العجز البنيوي لا يمكن تفسيره فقط بتغيّر الظروف الموضوعية، بل يعكس في العمق فشلا في إنتاج سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب التنوّع دون تحويله إلى مشروع تفكيك. فالفيدرالية، بوصفها خيارا سياسيا، ليست مشكلة بحد ذاتها، لكن تحويلها إلى رد فعل هويّاتي دفاعي، لا إلى مشروع دستوري عقلاني، يكشف عن مأزق أعمق وهو نفس مشكلة المعارضات العربية بعد الربيع، إنه غياب الخيال الوطني المشترك.

لكن الخطاب ليس سوى سطح الأزمة؛ العطب الحقيقي يكمن في العجز المزمن عن التشكل الحزبي. فرغم تنظيم انتخابات أولى وأخرى مرتقبة ضمن مسار ديمقراطي، يبدو لنا مشهد المعارضة السورية أقرب إلى فسيفساء من كيانات فضفاضة، ومنصات إعلامية، ونخب رمزية بلا امتداد اجتماعي منظم. وهذا العجز ليس تفصيلا تقنيا، بل مسألة مصيرية. فالديمقراطية لا تُدار بنوايا حسنة ولا بشعارات احتجاجية، بل بمؤسسات سياسية قادرة على المنافسة، وعلى قبول الخسارة، وعلى العمل داخل قواعد اللعبة.

دروس مصر وتونس: حين تفشل المعارضة

هذا العجز يعيد إلى الأذهان، بشكلٍ شبه حرفي، ما شهدته مصر وتونس بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم عقب الربيع العربي. ففي الحالتين، لم تكن المعارضة قوة دفع للديمقراطية، بل فاعلا مرتبكا، إما مستعجلا لإسقاط السلطة بأي ثمن، أو عاجزا عن تقديم بديل مقنع داخل قواعد اللعبة الديمقراطية. هنا يصبح استدعاء التجربتين المصرية والتونسية ضروريا، لا للمقارنة السطحية، بل لاستخلاص نمط متكرر في التاريخ السياسي العربي الحديث.

في مصر، بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم، لم تستطع المعارضة أن تتحوّل إلى بديل ديمقراطي منظم، بل انزلقت سريعا إلى منطق الاستقطاب الصفري، وفضّلت إسقاط السلطة على بناء نظام جديد وديمقراطي، فوجدت نفسها شريكة في تدمير المسار الديمقراطي نفسه تبرر للعسكر وتستدعي المستبد العادل.

في تونس، ورغم اختلاف السياق، تكرّر المشهد بشكلٍ أقل عنفا وأكثر تدرّجا؛ معارضة مفككة، عاجزة عن بلورة مشروع حكم، تستنزف المؤسسات بدل إصلاحها، وتُسهم في إنهاك التجربة الديمقراطية حتى تآكلت من الداخل.

في الحالتين، لم يكن النكوص الديمقراطي نتيجة استبداد متأصل فقط، بل ثمرة فشل المعارضة في لعب دورها التاريخي أي معارضة السلطة دون تقويض السياسة.

الخطر الذي يلوح في الأفق السوري هو أن تتحوّل المعارضة، بحكم ضعفها وتناقضاتها، إلى ذريعة موضوعية لتراجع السلطة عن التزاماتها الديمقراطية، حيث يصبح من السهل تبرير تغليب الأمن على السياسة، وتأجيل الديمقراطية باسم الاستقرار أو منع التفكك

الخطر الذي يلوح في الأفق السوري هو أن تتحوّل المعارضة، بحكم ضعفها وتناقضاتها، إلى ذريعة موضوعية لتراجع السلطة عن التزاماتها الديمقراطية، حيث يصبح من السهل تبرير تغليب الأمن على السياسة، وتأجيل الديمقراطية باسم الاستقرار أو منع التفكك. وهنا تتجلى المعضلة؛ الديمقراطية لا تُجهَض فقط بانقلابٍ عسكري أو قرارٍ سلطوي، بل قد تُخنق تدريجيا بفعل معارضة غير ناضجة، تمنح خصومها أفضل الحجج للتراجع.

هل سوريا مهددة بتكرار السيناريو؟

الخشية أن تسير سوريا في المسار ذاته فتلجأ إلى التصعيد الأمني، بما يؤدي إلى تآكل الثقة السياسية ثم يبدأ التبرير التدريجي للتراجع عن المسار الديمقراطي وتستعمل عجز المعارضة لتبرير التراجعات.

ليست المشكلة إذن في سوريا الجديدة وحدها، بل في معارضة قديمة بعقلٍ غير مُحدَّث لا يُنتج ضمانات ديمقراطية، فالديمقراطية لا تُبنى فقط بإسقاط السلطويات، بل بوجود معارضة قادرة على تنظيم نفسها، وضبط خطابها، وتقديم بدائل وطنية لا ردود فعل هوياتية. من دون ذلك، يبقى خطر استنساخ التجربتين المصرية والتونسية قائما، لا كقدرٍ محتوم، بل كاحتمالٍ مرجّح في ظل غياب فاعلٍ معارض ناضج.

لا يعني هذا تبرئة السلطة السورية الجديدة من مسؤولياتها، فالانتقال الديمقراطي يظل اختبارا أخلاقيا وسياسيا للحاكم قبل المحكوم، لكن اختزال الفشل المحتمل في نية السلطة فقط هو قراءة قاصرة، تُعيد إنتاج الوهم العربي القديم؛ أن الديمقراطية تُمنح من فوق أو تُسلب من فوق. الحقيقة أكثر تعقيدا:الديمقراطية هي نتاج توازن هش بين سلطة تخضع، ومعارضة تعرف كيف تضغط دون أن تهدم.

لا نرى الخطر الذي تواجهه سوريا اليوم حتميا، لكنه مرجّح في ظل معارضة تعيد إنتاج أخطاء نظيراتها العربية بعد الربيع العربي (الخطاب المتقلّب، التنظيم الهش، والعجز عن التحوّل من منطق الرفض إلى منطق السياسة).

إن لم تنجح المعارضة السورية في إعادة بناء نفسها كفاعل وطني منظم، قادر على المنافسة لا على التفكيك، فإن المسار الديمقراطي سيظل هشا، قابلا للنكوص عند أول اختبار أمني أو سياسي جدي. وما أكثر ما تتعرض له سوريا من اختبارات وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال لماذا فشلت الديمقراطية؟ بل لماذا لم تجد من يدافع عنها؟
التعليقات (0)