كنت في إسطنبول قبل شهرين، حيث شاركت في مؤتمر الشرق، وتناولت مسألة
المراجعات الضرورية التي أصبح لا مفر من القيام بها حتى لا تغرق السفينة
الإيرانية
بمن عليها.
وما ذكرته استفز بعض المدافعين عن النظام الإيراني الذين ظنوا بأني
متحامل، أو متأثر بما يروجه خصوم الثورة والدولة، أو كوني جاهلا بحقيقة هذا البلد
الذي زرته عديد المرات، وكتبت عنه في مناسبات كثيرة. لكن الأحداث الأخيرة أكدت أن
هذا البلد يتعرض إلى مخاطر جدية، لأسباب داخلية وخارجية يصعب التكهن بنتائجها.
العارفون بالتاريخ والجغرافيا يُجمعون حول أهمية هذا البلد، الذي مهما
تكالب عليه الخصوم، وتعقدت أوضاعه الداخلية والخارجية، يبقى قادرا على الوقوف من
جديد نظرا لمكانته الاستراتيجية وبنيته الاجتماعية والدينية. لهذا يخطئ من يعتقدون
من العرب بالخصوص بضرورة القطع مع طهران بحجة أنها أخطر عليهم من إسرائيل.
فبالإضافة إلى كون هذا التصور سطحيا وخاطئا ومريبا أحيانا، يؤدي عمليا إلى ضرب
الأمن القومي في العمق.
هناك اختيارات وسياسات انتهجها النظام الإيراني وتمسك بها، رغم خطورتها وفشلها على أكثر من صعيد، وعلى رأسها التمسك بولاية الفقيه كمنظومة سياسية حاكمة ومهيمنة على الشأن العام
في المقابل، هناك اختيارات وسياسات انتهجها النظام الإيراني وتمسك بها، رغم
خطورتها وفشلها على أكثر من صعيد، وعلى رأسها التمسك بولاية الفقيه كمنظومة سياسية
حاكمة ومهيمنة على الشأن العام. ولا أريد في هذا السياق إثارة جدل عقائدي وأصولي
مع الفكر الشيعي المنقسم حول هذه المسألة، وذلك منذ قيام الإمام الخميني بإعادة
إحيائها وتحويلها إلى نظام سياسي بعد نجاح الثورة، لكن بعد مرور أكثر نصف قرن على
هذه التجربة، اتضحت عيوبها وانعكاساتها على الفضاء الخاص والعام داخل إيران
وخارجها. إذ بقدر نجاحها في حماية نظام الحكم، إلا أنها في المقابل عمقت الفجوة
بين النظام من جهة وبين مختلف مكونات المجتمع من جهة أخرى، خاصة المكونات التي
وجدت نفسها خارج آليات السلطة، والتي تم إبعادها عن أجهزة الدولة وامتيازاتها.
بناء عليه، ومع تقدم سن السيد خامنئي، أصبحت مصلحة إيران والإيرانيين تقتضي التخلي
عن
ولاية الفقيه، أو على الأقل إصلاحها وتطويرها بشكل يضع حدا لانغلاق النظام على
نفسه، ونقل السلطة إلى الشعب بمختلف فئاته حتى يتمكن عمليا من الدفاع عن حقوقه،
وأن يمارسها فعليا وليس فقط شكليا، وذلك عن طريق ممثليه الذين يتم اختيارهم
ديمقراطيا.
صحيح أن نظرية ولاية الفقيه تتضمن نوعا من توزيع الصلاحيات، وتعطي قدرا من
الحرية لمختلف الأطراف المشاركة في السلطة، لكن هذه الأطراف يتم اختيارها مسبقا،
وتبقى خاضعة لسلطة الفقيه و"مجمع تشخيص مصلحة النظام". فصلاحيات رئيس
الدولة تبقى محدودة رغم أن اختياره يتم من قبل عدد واسع من المواطنين. كذلك الأمر
بالنسبة للبرلمان مهما تغيرت تركيبته، وتنوعت موازين القوى بين
إصلاحيين ومحافظين،
ما يجري في إيران يفرض التعامل معه بمسؤولية عالية؛ لا يتعلق الأمر فقط بالخطط الجهنمية التي يعدها الأعداء، والتي يرحب بها أصحاب النفوس المريضة هنا وهناك، وإنما المطلوب من أصدقاء إيران أن يساعدوا الإيرانيين على إعادة النظر بأوضاعهم البالية
فهؤلاء ينتمون إلى نفس المنظومة التي أفرزتهم، وتركت لهم مساحة واسعة نسبيا للتحرك
والاختلاف والصراع السياسي، لكن من غير المسموح لهم بتجاوز السقف المحدد لهم،
وعندما تحصل
أزمة حادة يتم تحميل الرئاسة والحكومة المسؤولية كاملة حتى يبقى
المرشد فوق النقد والمحاسبة.
أما المسألة الثانية التي أصبح محتما على الأوساط الحاكمة تفكيكها والبحث
لها عن بدائل ناجعة وبصفة عاجلة، فتخص النظام الاقتصادي الذي بلغ مستوى متدنٍ غير
مسبوق. لا شك في أن الحصار الشامل تقريبا الذي تمارسه أمريكا وأوروبا منذ نصف قرن
قد لعب دورا هاما في خنق إيران ودفع التجار وبقية الفاعلين الرئيسيين إلى التمرد
والنزول إلى الشارع، لكن ذلك لا يفسر وحده الأزمة العميقة التي تتخبط فيها البلاد،
والتي تكاد توصلها إلى حافة الثورة ضد النظام. وهو أمر اعترف به الرئيس مسعود بزشكيان الذي أقر بأن بلاده فقيرة رغم كونها دولة نفطية، وأنها
متخلفة عندما قارنها باليابان أو حتى بتركيا. وهو ما جعله يطالب بضرورة الاستماع
إلى مطالب الشعب، ويرفض استعمال القوة ضد المتظاهرين. كذلك الحال بالنسبة للحكومة
التي تشعر بالعجز والبرلمان الذي تشقه صراعات قوية بين أجنحته بسبب التضخم وانهيار
العملة وسحق الطبقة الوسطى.
ما يجري في إيران يفرض التعامل معه بمسؤولية عالية؛ لا يتعلق الأمر فقط
بالخطط الجهنمية التي يعدها الأعداء، والتي يرحب بها أصحاب النفوس المريضة هنا
وهناك، وإنما المطلوب من أصدقاء إيران أن يساعدوا الإيرانيين على إعادة النظر بأوضاعهم
البالية.