ملفات وتقارير

كيف انهار التحالف بين السعودية والإمارات في اليمن؟

الخلاف بين السعودية والإمارات خرج للعلن عقب التحركات للمجلس الانتقالي الانفصالي- جيتي
الخلاف بين السعودية والإمارات خرج للعلن عقب التحركات للمجلس الانتقالي الانفصالي- جيتي
شارك الخبر
شهدت اليمن تطورات دراماتيكية متسارعة، بعد انهيار التحالف الطويل بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، إثر التمدد العسكري للانفصاليين الجنوبيين بدعم وإيعاز من الثانية نحو محافظتي حضرموت والمهرة، شرق البلاد، في كانون أول/ ديسمبر الماضي الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات عدة حول هذا الانهيار ودلالاتها.

وتصاعدت الأحداث بعد ذلك بشكل لافت، حملت في طياتها، عزيمة سعودية على إنهاء دور أبوظبي وتقليص حضورها السياسي والعسكري تماما في اليمن، تكلل ذلك بقرار الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، إنهاء اتفاقية دفاع مشترك موقعة مع الدولة الخليجية ومنحها مهلة 24 ساعة لمغادرة قواتها الأراضي اليمنية.

وكان لافتا، غياب القنوات الدبلوماسية، وانقطاع خطوط التواصل للتهدئة بين الرياض وأبوظبي، كما كان سائدا في السنوات الماضية، مع أي خلاف أو تباين بين الدولتين الخليجيتين، وهو ما يشير إلى أن التوتر وصل مرحلة لم يعد مقبولا لدى السعودية، وفق مراقبين

اظهار أخبار متعلقة



انكشاف ومسار تصادمي
وفي السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد الزرقة، أن التحالف لم ينهَر فجأة، بل وصل إلى لحظة انكشاف نهائي لمسار تصادمي ظل يتراكم لسنوات.

وأضاف الزرقة في حديث خاص لـ"عربي21" أنه منذ وقت مبكر، اختلف تعريف الطرفين لـ"اليمن الممكن"، فالرياض كانت تسعى إلى ترتيبات تحافظ – ولو نظريًا – على الدولة اليمنية ووحدتها بما يخدم أمن حدودها، بينما ركّزت أبوظبي على بناء نفوذ محلي مستقل عبر قوى مسلحة خارج إطار الدولة، خصوصًا في الجنوب والساحل.

وأشار الكاتب اليمني إلى أن التوسع العسكري للانفصاليين باتجاه حضرموت والمهرة مثّل تجاوزا لخطوط حمراء سعودية، لأنه نقل المشروع الإماراتي من إدارة نفوذ محدود إلى تهديد مباشر لمعادلة الأمن الإقليمي وحدود السعودية الشرقية.

 وتابع بأنه في السابق، كانت الخلافات تُدار داخل غرف مغلقة لأن سقف التباين لم يكن يمسّ جوهر الأمن السعودي، مؤكدا أنه اليوم تغيّر ذلك.. فما جرى لم يعد خلافًا تكتيكيًا يمكن احتواؤه دبلوماسيًا، بل صدامًا حول طبيعة النفوذ وحدود الشراكة.

اظهار أخبار متعلقة



تهديد وتراجع الدبلوماسية
وقال إنه عندما يتحول الخلاف إلى تهديد مباشر لبنية الأمن القومي، تتراجع الدبلوماسية لصالح قرارات سريعة وحاسمة، متابعا بالقول: "وقد حاولت الرياض بالفعل فتح قنوات تواصل عبر إرسال لجنة برئاسة اللواء محمد عبيد القحطاني إلى المكلا وسيئون ( كبرى مدن حضرموت) لكن اللجنة قوبلت بإهانة من قبل المجلس الانتقالي بتوجيه إماراتي، ما أغلق باب التهدئة مبكرًا".

تلا ذلك، وفق للكاتب اليمني "تجاهل أبوظبي لرسالة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، بل ردّت بإرسال شحنات أسلحة إلى الانتقالي في حضرموت عبر سفينتين وصلتا إلى ميناء المكلا، في إشارة واضحة إلى أنها غير معنية بالتواصل مع الرياض، وأنها ستستخدم حضرموت والمهرة كورقة ضغط على السعودية ردًا على تحركاتها الإقليمية الأخيرة.

وأوضح الكاتب والمحلل السياسي الزرقة فإن  إدراك الرياض تغير هذه المرة "بأن استمرار هذا المسار سيجعلها شريكًا في تفكيك اليمن، لا راعيًا لتسوية"، لافتا إلى أن لحظة الطرد السريع للإمارات لم تكن انفعالًا، بل رسالة سياسية تفيد بأنه لن يُسمح بإعادة رسم الخريطة اليمنية بالقوة تحت غطاء التحالف.

وقال أيضا، إن السعودية اختارت هذه المرة قطع المسار بدل إدارته، لأن كلفة التأجيل باتت أعلى من كلفة المواجهة السياسية مع شريك سابق.

كما أن الرياض ـ بحسب الرزقة ـ شعرت بالإهانة والتهديد في الوقت ذاته من السلوك الاستعلائي للإمارات التي تجاوزت الخطوط الحمراء، معتمدة على قدرتها في إدارة مليشيات مسلحة مدفوعة بحلم الانفصال، وهو ما أثار حفيظة السعودية ودفعها لإيصال رسالة مفادها أنها الأخ الأكبر في المنطقة، وأنها ستقاتل الجميع حفاظًا على مصالحها.

ومضى قائلا : في الواقع، هناك ملفات عديدة ضغطت فيها أبوظبي على الرياض وحاولت إحراجها إقليميًا ودوليًا، بل وصل الأمر إلى اختراق بن زايد ( رئيس الإمارات) للنخبة السعودية في وقت سابق.

وبين المتحدث ذاته، أن مما زاد الطين بلة استعداد المجلس الانتقالي ( قبل أن يتم حله الجمعة) لجلب إسرائيل إلى البحر الأحمر وباب المندب وجزيرة ميون، كأحد أساليب الضغط الإماراتي وتوظيف مليشياته في خدمة التطبيع والمشروع الإبراهيمي.

اظهار أخبار متعلقة



تراكم اختلافات الاستراتيجية
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، عادل الشجاع إن التحالف السعودي–الإماراتي لم يسقط بين ليلة وضحاها، بل انهار نتيجة تراكم اختلاف في الأهداف الاستراتيجية، فقدان الثقة، تصادم مصالح في الجنوب والشرق، وصراع حول مستقبل اليمن.

وتابع الشجاع حديثه لـ"عربي21" بأن التحرك العسكري للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا كان سببا مهما لكنه أكثر ما كشف الأزمة العميقة في رؤية كل طرف لمستقبل اليمن.

وأشار إلى أن في السنوات الأخيرة بدأ الخلاف يتبلور حول أجندات مختلفة.. فالسعودية تميل إلى إعادة سلطة الدولة الشرعية والسيطرة على المناطق الاستراتيجية لضمان أمن حدودها الجنوبية، والتفاوض مع الحوثيين عبر خطوط تهدئة.

بينما الإمارات ركزت على بناء نفوذ محلي من خلال فصائل مسلحة، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وتحقيق تأثير سياسي وجيوسياسي في الجنوب والشرق، على حد قوله.

وقال الأكاديمي اليمني إن توسع المجلس الانتقالي (المنحل) نحو حضرموت والمهرة، وهما منطقتان حيويتان، عزز موقف الكيان الجنوبي وطرح مشروعا انفصاليا عمليا، وهو أمر تعارضه السعودية بشدة لأنها ترى في تقسيم اليمن تهديدا لأمنها القومي واستقرار الحدود. 

وأضاف أن هذا التشعب في الأهداف جعل التنسيق العسكري والسياسي ممزقا، وتحول التحالف من تنسيق مشترك إلى تنافس خفي ثم علني، خصوصا في حضرموت والمهرة.

وحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء فإن هذا الانهيار يبدو أنه لم يكن مجرد سوء فهم مؤقت بل تراكم اختلافات استراتيجية.

وقال إنه في هذا المناخ، توقفت خطوط التواصل لأن الخلاف تحول من خلاف تكتيكي إلى تنافس استراتيجي، حيث كل طرف يرى أن الآخر لا يتفق حتى على الهدف الأساسي من وجوده في اليمن.

ونهاية ديسمبر الماضي، أعلنت الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن، بعد توتر علني مع السعودية بشأن دعمها لتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، وطلب المجلس الرئاسي اليمني لأبو ظبي بخروج قواتها العسكرية من اليمن خلال 24 ساعة.

ومنذ مطلع كانون الثاني/يناير الجاري، نجحت قوات تابعة للجيش اليمني في استعادة السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، شرقا، بعد إطلاقها عملية عسكرية استمرت 24 ساعة، منيت فيها قوات المجلس الانتقالي المدعومة من أبوظبي بهزيمة ساحقة.

بعد ذلك، توجهت قوات "درع الوطن" المدعومة من السعودية، نحو العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، لتأمينها وإنهاء سيطرة قوات المجلس الجنوبي المنحل عليها منذ 2019.

وصباح الجمعة، أعلنت قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني، حلّ المجلس والهيئات التابعة له في خطوة وصفها بيان رسمي بأنها استعداد للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي الذي تستضيفه العاصمة السعودية الرياض، في مسعى لإعادة إطلاق مسار سياسي جنوبي شامل.

وعلى الرغم من رفض المتحدث باسم المجلس الانتقالي، أنور التميمي، والذي قال إن القرارات المتعلقة بالمجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن اتخاذها إلا من قبل المجلس بكامل هيئاته وبرئاسة الرئيس، في إشارة إلى عيدروس الزبيدي الذي فر الأربعاء، إلى أبوظبي.

وأضاف في تصريحات صحفية أن المجلس سيواصل التعاطي الإيجابي والبنّاء مع كافة المبادرات السياسية بما يتيح لشعب الجنوب تقرير مستقبله.
التعليقات (0)