الإمارات توقف تمويل طلابها في بريطانيا بدعوى مخاوف أمنية وثقافية

تشير أرقام رسمية بريطانية إلى أنه خلال العام الدراسي 2023 ـ 2024، جرى رصد 70 طالبًا في الجامعات البريطانية لاحتمال إحالتهم إلى برنامج “بريفنت” الحكومي لمكافحة التطرف، بزعم الاشتباه في “تطرف إسلامي”..
تشير أرقام رسمية بريطانية إلى أنه خلال العام الدراسي 2023 ـ 2024، جرى رصد 70 طالبًا في الجامعات البريطانية لاحتمال إحالتهم إلى برنامج “بريفنت” الحكومي لمكافحة التطرف، بزعم الاشتباه في “تطرف إسلامي”..
شارك الخبر
أوقفت دولة الإمارات تمويل المنح الدراسية لطلابها الراغبين في الالتحاق بالجامعات البريطانية، في خطوة تعكس توترًا متصاعدًا مع لندن على خلفية ما تصفه أبوظبي بمخاوف من “التطرف الإسلامي” داخل الحرم الجامعي البريطاني.

وبحسب ما نقلته صحيفتا فايننشال تايمز وجويش كرونيكل، فإن وزارة التعليم العالي الإماراتية استبعدت جميع الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات التعليمية المؤهلة للحصول على الدعم الحكومي، ضمن تصنيف عالمي جديد نُشر في يونيو/حزيران الماضي، رغم السمعة الأكاديمية الرفيعة التي تتمتع بها بريطانيا.

وتضم القائمة جامعات في دول من بينها فرنسا والولايات المتحدة وأستراليا و"إسرائيل"، بينما غابت عنها بريطانيا بالكامل، وهو ما أكد مصدر مطّلع على القرار أنه لم يكن "سهوًا إداريًا"، بل قرارًا مقصودًا. ونقل عنه قوله إن السلطات الإماراتية "لا تريد أن يتعرض أبناؤها للتطرف داخل الجامعات".

وبدأ طلاب إماراتيون بالفعل، منذ منتصف العام الماضي، بتلقي رفض رسمي لطلبات تمويل دراستهم في بريطانيا، في حين لجأت عائلات ميسورة إلى تمويل أبنائها ذاتيًا لتجاوز القرار. كما أفادت مصادر بأن تقليص التمويل كان قد بدأ فعليًا قبل إعلان التصنيف الجديد.

ويأتي هذا التطور في سياق انتقادات إماراتية مستمرة للحكومة البريطانية بسبب رفضها تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة "إرهابية"، وهو مطلب تطرحه أبوظبي منذ سنوات، لا سيما بعد ثورات الربيع العربي عام 2011، التي دفعت الإمارات إلى تبني سياسة متشددة تجاه الحركات الإسلامية السياسية داخليًا وخارجيًا.

وفي هذا السياق، تعهّد زعيم حزب "ريفورم يو كيه" اليميني، نايجل فاراج، بالسعي إلى حظر الجماعة في حال فوز حزبه بالانتخابات العامة المقبلة، علمًا بأن الإمارات موّلت زيارة له إلى أبوظبي العام الماضي، وفق ما أوردته فايننشال تايمز.

وتشير أرقام رسمية بريطانية إلى أنه خلال العام الدراسي 2023 ـ 2024، جرى رصد 70 طالبًا في الجامعات البريطانية لاحتمال إحالتهم إلى برنامج “بريفنت” الحكومي لمكافحة التطرف، بزعم الاشتباه في “تطرف إسلامي”، وهو ما يمثل قرابة ضعف العدد المسجل في العام السابق.

ويضاف هذا الخلاف إلى سلسلة توترات حديثة بين البلدين، من بينها الجدل حول محاولة مدعومة إماراتيًا للاستحواذ على صحيفة ديلي تلغراف البريطانية في أواخر 2023، إلى جانب اتهامات ـ تنفيها أبوظبي ـ بدعم قوات شبه عسكرية في السودان.

ولم تصدر وزارة الخارجية الإماراتية تعليقًا رسميًا حتى الآن، في حين قال متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية إن “جميع أشكال التطرف لا مكان لها في المجتمع”، مؤكدًا أن بلاده تمتلك “أقوى القوانين في العالم” لمكافحة الإرهاب، وستواصل التعاون مع شركائها الدوليين.

اظهار أخبار متعلقة




ووصف أنس التكريتي، رئيس مؤسسة قرطبة في لندن، قرار دولة الإمارات بإيقاف تمويل الطلاب المبتعثين إلى الجامعات البريطانية بأنه جزء من استراتيجية لعزل الشباب الإماراتي عن محيطه العربي والإسلامي، وتحجيم مشاركتهم في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والسياسية خارج البلاد.

وقال التكريتي في تصريح لـ"عربي21" إن الطلاب الإماراتيين كانوا يخضعون في السابق لقيود صارمة خلال دراستهم في بريطانيا، تشمل تجنب المشاركة في الفعاليات المجتمعية التي يقيمها العرب والمسلمون، والابتعاد عن الانخراط في الاتحادات الطلابية، بالإضافة إلى الالتزام بعدم البقاء في المساجد لفترات طويلة أثناء أداء الصلوات، تحت طائلة الخوف من حرمانهم من المنح الدراسية التي تُعد سخية جدًا، وقد تصل قيمة بعضها لما يتقاضاه طبيب استشاري في بريطانيا.

وأشار إلى أن الهدف من هذه السياسة على مدى أكثر من 20 عامًا يتمثل في منع الشباب الإماراتي من الانخراط في "المشاكل الجمعية" وقضايا الأمة، وهو ما وصفه بأنه "عزل شعوري ممنهج". وأضاف أن هذا العزل يتجاوز التأثير المباشر على التعليم، ليطال البعد الثقافي والاجتماعي للشباب الإماراتي، ويحد من احتكاكهم بالأفكار المتنوعة والنقاشات الفكرية الحرّة، ما يساهم في تقييد نموهم الفكري والمجتمعي.

وأكد التكريتي أن القرار يضر بالمستوى العلمي للطلاب الإماراتيين الذين كانوا يستفيدون من الجامعات البريطانية، التي تعد من بين أفضل الجامعات في أوروبا، كما أنه سيؤثر على الجانب المالي للجامعات البريطانية التي كانت تعتمد على الطلاب المبتعثين كمصدر مهم للإيرادات. لكنه شدد على أن هذا القرار لن يوقف عجلة التعليم أو الحضارة العلمية في بريطانيا، لكنه يخلق "انعزالًا خطيرًا" للمجتمع الإماراتي، ويزيد من المخاطر المتعلقة بتشويه صورة البلاد، بما في ذلك استقبالها لصناع محتوى مشكوك فيهم وأفراد متورطين في أنشطة غير قانونية، وفق قوله.

واختتم التكريتي بالتأكيد على أن هذا القرار يحمل انعكاسات بعيدة المدى على مستقبل الإمارات، ويمثل تحجيمًا للحرية الفكرية والثقافية للشباب، ويكرّس عزلة دولة الإمارات عن محيطها العربي والإسلامي، وهو ما اعتبره "أمرًا غير عقلاني وخطيرًا".

من جهته قال أنور الغربي، مدير مركز جينيف للديمقراطية، إن قرار الإمارات بإيقاف تمويل الطلاب المبتعثين إلى الجامعات البريطانية يرتبط بمخاوف أمنية وقضائية، بعد الكشف عن حملة تجسس واسعة استهدفت نحو ألف شخصية و400 جمعية من 18 دولة أوروبية، بما في ذلك بريطانيا، خلال فترة الحصار على قطر بين 2017 و2020.

وأوضح الغربي في تصريح لـ"عربي21" أن أبوظبي اتخذت هذا القرار تحوطًا من احتمال ملاحقة الإماراتيين، سواء كطلاب أو كأشخاص مرتبطين بأنشطة سياسية وعسكرية، مشيرًا إلى تورط بعضهم في نزاعات إقليمية مثل غزة وليبيا واليمن والسودان والصومال، وهو ما جعل الإماراتيين يخشون الملاحقات القانونية في الخارج دون معرفة مصدرها.

وأضاف أن المخاوف الأمنية لم تقتصر على الطلاب فقط، بل امتدت إلى السياح الإماراتيين، الذين يُنظر إليهم أحيانًا بطريقة مماثلة للسياح الإسرائيليين، ما دفع السلطات الإماراتية لتفضيل إرسال أبنائها إلى فضاءات تعليمية لا تشكل لها مشاكل، مثل فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، بدل الجامعات البريطانية.

وأشار الغربي إلى أن الإمارات استعانت بشركة للتجسس على نشطاء عرب وغربيين بتهم مرتبطة بالتواصل مع جماعة الإخوان المسلمين، موضحًا أن هؤلاء المتضررين لن يتوقفوا عن متابعة هذه السياسات. وأضاف أن القضايا القانونية المرتبطة بأفراد إماراتيين بارزين، مثل مدير الإنتربول الحالي أحمد الريسي، تتعلق بتهم التعذيب في دول أوروبية مثل اسكتلندا وأماكن أخرى.

وأكد الغربي أن هذه المخاوف الأمنية تمثل السبب الرئيس وراء القرار الإماراتي الأخير، ما يسلط الضوء على البعد الأمني والسياسي لوقف تمويل الطلاب في الجامعات البريطانية، إضافة إلى تأثيره المحتمل على حرية الطلاب وانفتاحهم الفكري.
التعليقات (0)