"الذاكرة أثقل من
الجدران".. عبارة تُلخص الحال في بيت متواضع بمخيم المغازي وسط قطاع
غزة،
والذي يعيش فيه المواطن طارق حسن درويش، وبات حارسا غير مُعلن لأسماء لا تحب النسيان،
فلا يحمل السلاح ولا يعتلي المنابر، بل يقاتل منذ أكثر من ربع قرن على جبهة
الذاكرة.
وُلد
طارق درويش عام 1988،
لكن وعيه الحقيقي بدأ مبكرا، عند الثانية عشرة من عمره، في لحظة محفورة في الوجدان
الفلسطيني والعالمي: استشهاد الطفل محمد الدرة في حضن أبيه، في 30 أيلول/ سبتمبر
عام 2000، مع اندلاع انتفاضة الأقصى؛ منذ تلك اللحظة، تغيّر شيءٌ داخله؛ لم يكن
مجرد مشهد عابر، بل شرارة أشعلت موهبةً غريبة، أو كما يسميها هو: "كرامة من
الله".
منذ ذلك اليوم، صار الاسم
يلتصق بالذاكرة من النظرة الأولى؛ صورة الشهيد، واسمه، وتاريخ استشهاده، وتفاصيل
لا تحتاج إلى تكرار ولا إلى دفاتر.
يقول لـ"
عربي21"
بثقة هادئة: "أسمع اسم الشهيد مرة واحدة فيُحفر في ذاكرتي فورا"؛
فهو لا يستخدم وسائل تقليدية للحفظ، ولا تقنيات حديثة؛ لأن ذاكرته وحدها تكفي،
وكأنها خُلقت لهذا الغرض تحديدًا.
اظهار أخبار متعلقة
لا يرى طارق في موهبته
تميزا شخصيا بقدر ما يراها تكليفًا، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ: (المرء مع من أحب
يوم القيامة)، فهو يحب
الشهداء، لا بوصفهم أرقاما أو صورا معلّقة على الجدران، بل
بوصفهم رفاق طريق، وأصحاب فضل. "أسأل الله أن أكون معهم"، يقولها بلا
تكلّف، آملا أن تكون حقيقة.
في السنوات الأولى
للانتفاضة، لم يكن حفْظ الأسماء تحديًا له. يقول لـ"
عربي21":
"أعداد الشهداء خلال السنوات الماضية، رغم فداحتها، كانت محدودة نسبيًا:
عشرة، عشرون شهيدًا في اليوم. حتى في الاجتياحات الإسرائيلية، كان المعدل في حدود
قدرة ذاكرتي، لكن المشهد انقلب رأسا على عقب مع الحروب اللاحقة، وصولا إلى حرب
الإبادة التي ضربت قطاع غزة، وامتدت فصولها الدامية حتى عام 2025".
أكثر من سبعين ألف شهيد،
رقمٌ لا يُقال دون أن ينكسر الصوت. يعترف طارق أن ذاكرته "الحديدية" لا
تكاد تلين أمام هذا الطوفان من الأسماء، حيث يصل العدد أحيانا إلى مئتين أو
ثلاثمئة شهيد في اليوم، وهذا يفوق طاقتي، يقولها بلا خجل. لكنه، رغم العجز، لا
يتراجع، حيث يجد مع عناء
حفظ أسماء الشهداء وتواريخهم راحة، وفي التعب لأجلهم
طمأنينة. "هم أكرم منا جميعًا"، وفق قوله.
محطات اختبار قاسية
الحروب السابقة كانت محطات
اختبار قاسية، في حرب "الفرقان" عام 2008، التي خلّفت أكثر من 1500 شهيد،
استطاع حفظ معظم الأسماء، وفي معركة "حجارة السجيل" عام 2012، التي
استمرت أسبوعا وأسفرت عن نحو 200 شهيد، حفظهم جميعا، تلك الحرب لم تكن عادية
بالنسبة له؛ فيها فقد أخاه، وهنا لم تعد الذاكرة محايدة، بل صارت موجوعة.
يستعيد أيضا معركة
"أيام الغضب" عام 2004، يسرد: "حاول جيش الاحتلال اجتياح مخيم
جباليا، استمرت 17 يوما، وارتقى خلالها 130 شهيدا، يومها، كان يحفظ ما بين 10 و20
اسما يوميا، مع تفاصيل الاستشهاد: اغتيال، قنص، قصف، اشتباك؛ الاسم لا يأتي وحده؛
يرافقه المشهد.
دقته تصل أحيانا إلى حدّ
الإرباك؛ يروي أنه سُئل مرة عن تاريخ استشهاد أحد الشهداء، فأجاب بثقة، لكن السائل
أنكر، مصرًّا على تاريخ آخر؛ لم يتراجع طارق، بل سأل عن اسم والد الشهيد، اتضح أن
هناك شهيدين بالاسم نفسه، واختلاف الأب فقط، صحّح التاريخ، وذكر كيفية الاستشهاد؛
انتهى الجدل، وبقيت الذاكرة شاهدة.
لكن الحفظ وحده لا يكفي،
طارق يزور عائلات الشهداء، يواسيهم، يستمع إليهم، ويستحضر مناقب أبنائهم. في إحدى الزيارات، فاجأه والد شهيد بعناق طويل وبكاء صامت، "كأنه
كان يعانق ابنه"، يقول طارق. في تلك اللحظة، شعر بسعادة غامرة، ممزوجة بثقل
لا يُحتمل.
اظهار أخبار متعلقة
فقْد الأصدقاء كُثر، لكن
فقْد الأخ ترك ندبةً لا تلتئم. "هذا أكثر ما أثّر في حياتي"، هكذا أقرّ
درويش. ومع ذلك، لا يسمح للحزن أن يشلّه؛ يرى أن المجتمع مقصّر في حق الشهداء، وأن
الذاكرة الجمعية قصيرة، سريعة الانشغال؛ لذلك، قرر أن يكون جسرا، ولو هشًا، بين
الأسماء وذويها.
يحلم بزيارة كل بيت شهيد،
لكنه يصطدم بحدود الواقع: المال، الوقت، القدرة. "أفعل ما أستطيع"، وفق حديثه.
ما يفرحه هو دهشة الناس، وامتنانهم حين يسمعون أسماء أحبّتهم وتواريخ استشهادهم
محفوظة عن ظهر قلب. وما يؤلمه، في المقابل، هو ضياع أوقات الشباب في هوامش الحياة،
بينما الأولويات الحقيقية تُهمَل.
يحتفظ طارق
بأرشيفٍ ورقي ضخم لصور الشهداء في منزله، ويعتبره "كنزا تاريخيا استراتيجيا"، كثير
من هذه الصور فُقدت من بيوت أصحابها، إما تحت القصف أو خلال النزوح.
ذات مرة، طلب منه شخص صورة
أخيه الشهيد، أخبره طارق أن الصورة موجودة لديه؛ كانت الفرحة عارمة، لكنه رفض
تسليم الأصل، واكتفى بالسماح بتصويرها عبر الهاتف، "هذا الأرشيف لا يُفرَّط
فيه"، يقول بحزم.
خوف على الأرشيف
خلال حرب الإبادة، نزح طارق
خمس مرات، في كل مرة، كان دعاؤه واحدًا: ألا يُقصف البيت، ليس خوفًا على نفسه، بل
على الأرشيف. "بيتي وروحي فداء للوطن، لكن من سيعيد لي هذا الكنز؟"،
يسأل طارق بتعجب.
كثيرون يسألونه: لماذا لا
تحفظ القرآن؟ لماذا لا تستثمر موهبة الحفظ لديك في شيء آخر؟ يجيب ببساطة جارحة:
"هذه موهبتي التي أكرمني الله بها، ولن أفرّط بها حتى آخر يوم في حياتي".
رسالته واضحة: الشهداء
يستحقون أكثر من لافتات مؤقتة. يدعو إلى إنشاء أرشيف رقمي إلكتروني، موقع متخصص،
ممول ومستدام، يحفظ أسماء الشهداء وسيرهم. حاول إنشاء صفحة على
"فيسبوك"، لكنها حُظرت. "حتى الذاكرة تُحاصَر"، يقول بسخرية.
كثير من الشهداء، بحسبه، لا
أثر لهم على الإنترنت. "هذا ظلم". يحلم بيوم يزور فيه أهالي شهداء الضفة
الغربية والقدس، حين تتحرر. يحلم أيضًا بأن يعرض أرشيفه في المسجد الأقصى المبارك،
هناك، يعتقد أن الأسماء ستجد مكانها الطبيعي.
ويختم طارق درويش بتأكيده
أنه لا يطلب شهرة ولا نتظر مقابلا، بل يريد أن تبقى الأسماء حيّة، لأن النسيان موتٌ
ثانٍ والشهداء لا يحتملون موتاً آخر.