يُتداول
بين الناس قول يُنسب إلى العلامة
التونسي ابن خلدون: "إذا دخلت أفريقيا فوافق
أو نافق أو غادر البلاد". وظلّ هذا المثل يتردد على الألسنة كلما ضاقت آفاق
الأمل في هذا البلد، وكأنها تلخص شعورا متجددا لدى كثير من أبناء تونس على مر
تاريخها.
وقد عاد
هذا القول إلى ذهني وأنا أتأمل مسارات عدد من أصدقائي الذين جمعتني بهم سنوات
الجامعة والعمل الطلابي. في تلك الأيام كنا نحلم بالإصلاح والتغيير، ونؤمن بأن
المستقبل يمكن أن يكون أفضل لنا ولمجتمعنا. كنا من أفكار شتى، لكننا كنا نتفق على
حلم كبير: أن نكون طليعة جيل يؤمن بأن يكون ربما صعبا لا أصفارا على الشمال، جيلا
يساهم في التغيير، لا في تونس فقط، بل في العالم كله.
مرّت
السنوات، وحين عدت أتفقد أحوال أولئك الأقران وجدتهم متفرقين في ربوع الأرض، بعضهم
اختار الهجرة بحثا عن أفق أرحب، وبعضهم آثر الانكفاء، ولم يبق إلا عدد قليل ما
يزال مؤمنا بإمكانية العيش الكريم والعمل لتونس أفضل.
برزت مبادرات شبابية لافتة، كان من أبرزها تحرك واسع عُرف باسم قافلة الصمود، قافلة ضمّت مئات الشباب الذين أرادوا توجيه رسالة تضامن إنساني وكسر حالة الصمت تجاه المآسي التي يعيشها أهل غزة. وقد لقيت هذه المبادرة صدى واسعا
ومن بين
هذا القليل برزت
مبادرات شبابية لافتة، كان من أبرزها تحرك واسع عُرف باسم قافلة
الصمود، قافلة ضمّت مئات
الشباب الذين أرادوا توجيه رسالة تضامن إنساني وكسر حالة
الصمت تجاه المآسي التي يعيشها أهل غزة. وقد لقيت هذه المبادرة صدى واسعا، ولم
يقتصر الحديث عنها على محيطنا المغاربي، بل تجاوز ذلك إلى دوائر أوسع. ثم جاءت تحركات تضامنية أخرى، من بينها مبادرات
دولية بحرية باسم
اسطول الصمود العالمي هدفت إلى لفت أنظار العالم إلى المأساة
الإنسانية هناك، وأسهمت في تحريك الرأي العام الدولي والضغط من أجل وقف العدوان.
غير أن
المفارقة المؤلمة تظهر حين نجد أن نتيجة مثل هذه المبادرات كانت استهداف شباب
متميز في العلم والخطاب والأخلاق -أطباء ومهندسين وغيرهم- كان الأولى أن يكونوا
قدوة للشباب، وأن يُحتفى بهم، بدل أن يُدفعوا إلى السجون وكأنهم مجرمون.
وهنا يعود
إلى الذهن ذلك القول المنسوب إلى ابن خلدون، لا بوصفه حكما تاريخيا ثابتا، بل
باعتباره تعبيرا عن شعور يتكرر كلما ضاقت مساحات الأمل: هل يجد بعض الشباب أنفسهم
اليوم أمام الخيارات ذاتها: الموافقة، أو النفاق، أو الرحيل؟
إن أخطر
ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس قلة الموارد ولا تعثر السياسات، بل فقدان الأمل في
قلوب شبابها. فالشباب الذي يفقد الإيمان بجدوى البقاء والعطاء، لا يُهزم وحده، بل
يُهزم معه مستقبل البلاد.
إن سجن
الشباب الفاعل، وتهميش الكفاءات، وتقديم التافهين والمنافقين إلى الواجهة، لا يصنع
استقرارا ولا يبني دولة، بل يفتح الباب أمام هجرة العقول وانطفاء روح المبادرة.
فالمنافقون وعديمو الكفاءة موجودون في كل زمان ومكان، وهم قادرون على ملء الفضاء
بالضجيج، لكنهم لا يصنعون نهضة ولا يبنون حضارة.
أما أصحاب
الرأي والفكر والجرأة على المبادرة، حتى وإن اختلف الناس معهم، فهم في النهاية
رواد التقدم وبناة النهضات. التاريخ لم يكتبه المصفقون ولا المسايرون، بل كتبه
أولئك الذين امتلكوا الجرأة على التفكير والعمل والتضحية.
ولهذا فإن
حماية أصحاب الكفاءة والرأي ليست ترفا سياسيا، بل هي شرط من شروط بقاء الأوطان
وتقدمها. فحين يشعر الشباب أن بلادهم تضيق بهم وبأفكارهم، فإنهم لن يجدوا أمامهم
إلا ما عبّر عنه القول المنسوب إلى ابن خلدون: الموافقة، أو النفاق، أو الرحيل. وما تحتاجه البلاد اليوم ليس مزيدا من الصمت ولا
مزيدا من المديح الزائف، بل مساحة أوسع للأمل، واحتراما أكبر للعقول، وإيمانا
حقيقيا بأن مستقبل الأوطان يبدأ من ثقة الدولة في شبابها لا من خوفها منهم.