في لحظة
سياسية تبدو مفصلية، تتغير لهجة الخطاب الأمريكي تجاه
إسرائيل بصورة لم تكن مألوفة
قبل سنوات قليلة، فما كان يُعدّ يوما "إجماعا عابرا للحزبين" أصبح اليوم
موضع جدل علني، بل ومساءلة شعبية متصاعدة، خاصة بين فئة الشباب.
لم يعد
النقاش محصورا فقط داخل أروقة الجامعات أو على هامش التيارات التقدمية، بل انتقل
إلى قلب المناظرات الانتخابية، وصناديق الاقتراع، واستطلاعات الرأي الكبرى، مما
يعني أن المشهد الأمريكي يتحول ببطء وثبات.
نيوجيرسي:
رسالة من صناديق الاقتراع
المشهد يعكس تطورا جوهريا، فلم يعد الاعتراض مقتصرا على الهامش السياسي، بل أصبح موقفا يتردد داخل الدوائر الحزبية الرئيسية
في ولاية
نيوجيرسي حققت المرشحة الديمقراطية أناليليا ميخيا (Analilia
Mejia) فوزا لافتا، رغم كونها الأقل حصولا على دعم
مالي بين منافسيها. تميزت ميخيا بموقف صريح؛ إذ وصفت ما يحدث في غزة بأنه
"إبادة جماعية"، في وقت تجنب فيه كثيرون استخدام هذا المصطلح.
الأهم من
ذلك أنها هزمت مرشحا مدعوما من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك"
(AIPAC)، إحدى أقوى جماعات الضغط
المؤيدة لإسرائيل في واشنطن. لم يكن ذلك مجرد انتصار انتخابي عابر، بل رسالة
سياسية واضحة: المال السياسي لم يعد يضمن الفوز حين يتصادم مع مزاج شعبي آخذ في
التغير.
إلينوي:
توافق غير مسبوق
في ولاية
إلينوي، وخلال مناظرة لمرشحي الحزب الديمقراطي عن إحدى الدوائر الانتخابية، كان
الإجماع شبه كامل على رفض أي دعم من "أيباك"، ورفض إرسال المزيد من
المساعدات العسكرية لإسرائيل. مرشحة واحدة فقط خرجت عن هذا الإجماع، فتعرضت
لانتقادات حادة من ناخبين اعتبروا موقفها غير منسجم مع التحول الأخلاقي والسياسي
الجاري داخل الحزب.
هذا
المشهد يعكس تطورا جوهريا، فلم يعد الاعتراض مقتصرا على الهامش السياسي، بل أصبح
موقفا يتردد داخل الدوائر الحزبية الرئيسية.
فلوريدا:
كسر "التابو" الجمهوري
في ولاية
فلوريدا، ذهب المرشح الجمهوري المحافظ لمنصب الحاكم جيمس فيشبك إلى أبعد من ذلك،
واصفا رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه "مجرم حرب"، ومعتبرا ما جرى في غزة
"جريمة إبادة مكتملة الأركان".
فأن يصدر
خطاب كهذا من مرشح جمهوري محافظ، فهذا مؤشر على أن التحول لا يقتصر على اليسار
التقدمي، بل يمتد -ولو جزئيا- إلى دوائر كانت تُعتبر تقليديا الأكثر انحيازا
لإسرائيل.
ماساتشوستس:
إعادة التبرعات
في سياق
مشابه، أعلن سيث مولتون أنه سيُعيد كل التبرعات التي تلقّاها من "أيباك"،
ويرفض أي دعم مستقبلي منها أثناء حملته لسباق مجلس الشيوخ في ولاية ماساتشوستس.
وأوضح أنه سيُرجع مبالغ تُقدَّر بعشرات الآلاف من الدولارات، لأنه لا يتفق مع توجه
المنظمة الحالي ودعمها للحكومة الإسرائيلية.
ولم يكن
وحده في هذا المسار؛ ففي ولايات مثل ميشيغان وإلينوي وغيرهما، برز مرشحون في
الانتخابات التمهيدية يُعلنون صراحة رفضهم قبول تمويل من "أيباك" أو
المنظمات المرتبطة بها، معتبرين أن هذا الموقف بات يمثل تطلعات جزء كبير من
قواعدهم الانتخابية.
استطلاعات
الرأي: جيل جديد.. رؤية مختلفة
نشرت
صحيفة نيويورك تايمز نتائج استطلاع أُجري بالتعاون مع كلية سيينا (Siena College)، أظهرت تراجعا ملحوظا في
مستويات الدعم الشعبي لإسرائيل، لا سيما بين الشباب.
تشير
النتائج إلى أن "جيل زد" (Gen Z) ينظر إلى إسرائيل بنظرة أكثر نقدية مقارنة بالأجيال السابقة،
ويربط سياساتها بقضايا حقوق الإنسان والعدالة العالمية. لم يعد الدعم غير المشروط
"مسلّمة سياسية" كما كان لعقود، بل صار موضوعا خاضعا للنقاش والمساءلة.
التحالف..
بين الثبات والتحول
هذا
التحول في الرأي العام يضع الإدارة الأمريكية، أيا كانت هوية ساكن البيت الأبيض، أمام معادلة معقدة: هل يستمر الرهان على التحالف التقليدي مهما كانت كلفته
السياسية الداخلية؟ أم يُعاد تعريف المصالح بما ينسجم مع تحولات المزاج الشعبي؟
تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف مفهوم الدعم والتحالف وفق معايير أكثر ارتباطا بحقوق الإنسان والمساءلة الشعبية؟
العلاقات
الأمريكية-الإسرائيلية راسخة في مؤسسات الدولة وتتجاوز الأشخاص، فهي قائمة على
تعاون عسكري وأمني واستراتيجي طويل الأمد، ودعم تشريعي من الحزبين، لكن ما يتغير
اليوم ليس البنية المؤسسية فحسب بل البيئة السياسية الحاضنة لها.
سؤال
المرحلة
في خضم
هذا التغير، يبرز سؤال استفزازي بطبيعته: هل يكون دونالد ترامب آخر رئيس أمريكي
يُوصَف -بالمعنى السياسي- بأنه داعم بلا تحفظ لإسرائيل؟
الإجابة
ليست سهلة؛ فالمؤسسة الأمريكية لا تتحرك وفق العواطف، بل وفق توازنات المصالح، لكن
الثابت أن الرأي العام -وخاصة بين الشباب- لم يعد كما كان، والسياسي الذي يتجاهل
هذا التحول قد يجد نفسه خارج المشهد أسرع مما يتوقع.
ربما لا
يكون السؤال عن: مَن سيكون "آخر رئيس داعم بلا تحفظ"؟ بل: هل تدخل
الولايات المتحدة مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف مفهوم الدعم والتحالف وفق معايير
أكثر ارتباطا بحقوق الإنسان والمساءلة الشعبية؟
التحولات
الكبرى لا تبدأ عادة بقرار مفاجئ، بل بتراكمات صغيرة، وصناديق الاقتراع ترسل
إشارات لا يمكن تجاهلها.