قبل
فترة استمعتُ لإعلاميٍ أمريكيٍ يقول بأن نتنياهو عام 2002 كان ممن حرّضوا الإدارة
الأمريكية على غزو العراق قائلا إن العالم سيعيش أكثر أمنا لو تم إزاحة نظام صدام
حسين، والآن يكرر نتنياهو نفس التحريض على
إيران مستخدما نفس الفكرة مع زخم في
الدافعية نظرا لوجود إدارة وإرادة أمريكية أكثر انسجاما وتقبلا لرغبات نتنياهو، بل
وانصياعا -إن صح التعبير- نظرا لما كُشف عنه في فصائح "إبستين".
ما
قاله الإعلامي الأمريكي يؤكد بأن ما تقوم به
إسرائيل حاليا من تحريض ضد إيران، ليس
رغبة وليدة اللحظة أو الظروف الراهنة، بل هو حلمٌ إسرائيليٌ مستمرٌ يقوده نتنياهو
منذ بداية العقد الثامن من القرن العشرين، وهذا ما ورد في كتابه "محاربة
التطرف"، حيث أكد أنه سيسعى لمنع الدول الإسلامية من امتلاك الأسلحة النووية،
وذكر إيران بالذات، لذلك لم ولن يكف عن شيطنتها في كل وقت وحين حتى يسقط رأسها
أمام قدميه، والظروف تصدق الحروف.
ما كان مشكوكا في أمره عند البعض ومؤكدا عند البعض الآخر، صار واقعا مؤكدا عند الجميع، فقد نفذت أمريكا وإسرائيل ما كانت تُهدد به
لا شك
أن أمريكا وإسرائيل استطاعتا خلال الأشهر الماضية جعل العالم يعيش حالة "شد
الأعصاب" من خلال زيادة وتيرة التهديدات لإيران وما رافقها من زيادة الحشد
العسكري الأمريكي، لدرجة أن البعض نظر لتلك التهديدات والحشود على أنها مجرد
استعراض قوة قوي جدا لتحقيق مكاسب سياسية، خاصة مع وجود قنوات تفاوض بين أمريكا
وإيران بواسطة عُمانية.
لكن
ما كان مشكوكا في أمره عند البعض ومؤكدا عند البعض الآخر، صار واقعا مؤكدا عند
الجميع، فقد نفذت أمريكا وإسرائيل ما كانت تُهدد به، فأقدمت على توجيه ضربة عسكرية
لمواقع إيرانية عديدة واغتيال العديد من الشخصيات، ضمن عملية أطلقت عليها إسرائيل
"زئير الأسد". وهذه ليست أول مرة خاصة منذ بداية معركة طوفان الأقصى، بسبب
المواقف الإيرانية المؤيدة للمقاومة الفلسطينية.
فمنذ
بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر2023، ضاعفت إسرائيل
لهجتها ضد إيران قولا وفعلا، وحدث بينهما أكثر من جولة عسكرية، تألم فيها الطرفان،
لكن الجديد في هذه الجولة، أنها تأتي في سياق فضائح "إبستين" التي
بمقتضاها كُشف الكثير عما كان مستورا، فالرئيس
ترامب أحد المتورطين في فضائح
"إبستين" ويهرب من المزيد منها من خلال إرضاء غرور نتنياهو، إضافة إلى فشل
أمريكي وإسرائيلي في خلق حالة من الفوضى الشعبية داخل إيران، وإدخال شروط جديدة طرحها
نتنياهو للتفاوض، وهي وقف البرنامج النووي وتدمير الصواريخ البالستية التي آلمت
الاحتلال في جولة الأيام الـ12، في ظل الحديث عن قنوات تفاوض بواسطة عُمانية بين
أمريكا وإيران، وحالة الغضب الشعبي داخل أمريكا من سياسات ترامب خاصة فيما يتعلق
بإسرائيل، وحالة غليان دولية وبناء اصطفافات سياسية جديدة.
ماذا
استفاد ترامب من الحشد الهائل للبوارج والطائرات؟
ستبقى الجغرافية العربية ساحة الفعل ورد الفعل، والعرب خارج دائرة التأثير كما كل جولة، كأنهم لا وزن لهم
استطاع
ترامب من خلال الحشد الهائل للبوارج والطائرات من خلق حالة رعب وترقب وعدم استقرار
عند الجميع، وتمكن من معرفة ردود فعل الجميع من خطواته، وبالذات معرفة ما قد يكون
من رد فعل إيران سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وموقفها وخطواتها تجاه البوارج في
حالة إعلان
الحرب ضدها.
ماذا سيحدث؟
المتوقع
أن تستمر هذه الجولة لعدة أيام ترافقها عقوبات أمريكية جديدة، وضغط سياسي أوروبي
على إيران، متسلحة بقرارات عربية تدين ضرب إيران لقواعد أمريكية في العالم العربي،
مع زيادة دعم روسي صيني فعال من حيث الأثر، يحدث ضجيجا في أروقة السياسة الدولية
باعتباره روسيا والصين تمدان إيران بما يلزمها للبقاء قوية في وجه العاصفة الأمريكية؛
لأن بقاءها قوية يُعيق فرصة تفرغ أمريكا لهما لأجلٍ غير محدود، ويمنع تحقيق نشوة
نجاح جديدة لترامب.
أما إيران
فقد قصفت وستزيد من قصف إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج، وكذا ستفعل
المنظمات المرتبطة بإيران، ضمن عملية أطلقت عليها "خاتمة الطوفان"،
وستبقى الجغرافية العربية ساحة الفعل ورد الفعل، والعرب خارج دائرة التأثير كما كل
جولة، كأنهم لا وزن لهم.