لم يعد هذا السؤال
مطروحا بدافع الفضول فقط: إذا كانت هذه المعلومات جزءا من السجلات القضائية منذ سنوات،
فلماذا تُعاد إلى الواجهة الآن، وبهذا الزخم تحديدا؟
تكمن أهمية هذا السؤال
في حقيقة أن المعلومات في عالم اليوم لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت حدثا سياسيا بحد
ذاتها؛ فالتوقيت، والسياق، وطريقة العرض كلها عناصر تصنع المعنى.
قضية جيفري إبستين
ليست اكتشافا جديدا، فتعود جذورها الموثقة إلى عام 2005 عندما باشرت شرطة فلوريدا التحقيق
في شكاوى تتعلق باستغلال قاصرات. وفي عام 2008، أُبرم اتفاق قضائي استثنائي (Non-Prosecution
Agreement) منح إبستين إعفاء من عقوبات مشددة رغم خطورة التهم. وقد أصبح هذا
الاتفاق لاحقا مثالا يُستشهد به في النقاش حول
العدالة الانتقائية داخل النظام القضائي
الأمريكي، وهو موثق في سجلات وزارة العدل الأمريكية وتقارير مؤسسات إعلامية موثوقة
مثل بي بي سي والجزيرة.
إعادة تداول وثائق قضائية لا تعني بالضرورة وجود "خطة خفية"، لكنها تكشف كيف يمكن للتوقيت وطريقة العرض أن يُنتجا أثرا سياسيا ملموسا، خصوصا عندما تكون ثقة الجمهور بالمؤسسات مهزوزة
ومن المهم التأكيد
على أن إحدى الركائز المركزية في هذه الشبكة، غيلين ماكسويل، أُدينت قضائيا في قضايا
الاتجار بالبشر وحُكم عليها بالسجن الفيدرالي. هذه الحقيقة وحدها تكفي لإثبات أن الملامح
الجوهرية للقضية كُشفت قانونيا منذ سنوات، وبالتالي فإن الادعاء بأن "كل شيء يظهر
للمرة الأولى الآن" لا يستقيم. السؤال الحقيقي هو: لماذا يُعاد تسليط الضوء عليها
الآن؟
هنا ندخل إلى ما يُعرف
بسياسات المعلومات. فالتاريخ يُظهر أن الملفات القديمة، حتى تلك التي استُكملت قضائيا،
غالبا ما تعود إلى الواجهة في لحظات تتسم بالانقسام السياسي، أو الضغوط الاقتصادية،
أو تراجع الثقة العامة بالمؤسسات. والسياق العالمي بين عامي 2024 و2025 يعكس هذه الحالة
بوضوح، حيث تواجه دول ديمقراطية عديدة استقطابا داخليا وتساؤلات حول مصداقية مؤسساتها،
إلى جانب تنافس دولي متزايد. في مثل هذه الأجواء، تتحول المعلومات من مادة قانونية
إلى أداة سردية ذات وزن سياسي.
ومن هذا الباب يرتبط
ملف إبستين بالجيوبوليتيك، فالقوة في السياسة الدولية لم تعد عسكرية أو اقتصادية فقط؛
بل تشمل أيضا التحكم بالرواية العامة، والضغط
الأخلاقي، وإدارة الانطباعات. إعادة تداول
وثائق قضائية لا تعني بالضرورة وجود "خطة خفية"، لكنها تكشف كيف يمكن للتوقيت
وطريقة العرض أن يُنتجا أثرا سياسيا ملموسا، خصوصا عندما تكون ثقة الجمهور بالمؤسسات
مهزوزة.
كثيرا ما يُقارَن
هذا الملف بوثائق بنما، لكن المقارنة هنا محدودة. فوثائق بنما كانت تحقيقا صحفيا عابرا
للحدود كشف نظاما ماليا سريا، بينما تعتمد ملفات إبستين أساسا على سجلات قضائية وشهادات
قانونية وروابط شخصية. ومع ذلك، يشترك الملفان في دلالة واحدة: الفجوة بين السلطة والمساءلة،
وكيف يؤدي اتساع هذه الفجوة إلى تآكل الثقة العامة.
ومن الزوايا الحساسة
في هذا الملف مسألة الأسماء التي ذُكرت وتلك التي لم تُذكر، فالغياب هنا لا يقل دلالة
عن الحضور. عدد كبير من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين العالميين لم يرتبط اسمه بالقضية
من الأساس، ما يوضح أن إطار عمل شبكة إبستين لم يكن مشروعا سياسيا منظما أو أداة دولة،
بل كان قائما على الوصول الاجتماعي للنخب، والعلاقات الخاصة، والدوائر المغلقة. هذا
الفهم يفسر لماذا بقيت دول وقيادات بعيدة نسبيا عن تبعات هذا الجدل.
في الهند، على سبيل
المثال، دار نقاش واسع حول الفرق بين الذِكر والاتهام، وما إذا كان ورود اسم في رسالة
أو سياق تواصلي يعني مسؤولية قانونية. هذه النقاشات تعكس أزمة أوسع في عصر الإعلام
الرقمي، حيث يتلاشى الخط الفاصل بين الإشارة والاتهام، وتزداد الحاجة إلى صحافة مسؤولة
ولغة دقيقة.
هل يمكن أن تُستخدم مثل هذه الملفات لصرف الانتباه عن أزمات أخرى؟ التاريخ السياسي يبيّن أن الفضائح الأخلاقية والقانونية غالبا ما تكتسب زخما في لحظات الأزمات الاقتصادية أو التحديات الخارجية
وقد رافق هذا الجدل
أيضا انتشار سرديات شعبية حول "الإلوميناتي" أو تفسيرات شيطانية، إضافة إلى
ربط القضية بما يُسمى "نبوءات" في الثقافة الشعبية، مثل الرسوم المتحركة.
من المهم توضيح أن هذه الطروحات ليست حقائق مثبتة، بل تعبير عن حالة نفسية جماعية تنشأ
عندما تضعف الثقة بالمؤسسات. التحليل الرصين يصنفها ضمن ظواهر الاعتقاد (Belief
Phenomena) لا ضمن الأدلة. وهنا تقدم الأخلاقيات الإسلامية إطارا واضحا: الاتهام
بلا بينة، وبناء الأحكام على الظن، ونشر الخوف. وكلها ممارسات مرفوضة أخلاقيا.
على المستوى الجيوبوليتيكي،
لا يتعلق أثر هذه القضية بـ"التحكم بالعالم"، بل بالتأثير على الثقة. فالدول
والقيادات التي تعاني أصلا من أزمة شرعية تكون أكثر عرضة للتأثر بمثل هذه الملفات،
بينما تبقى الدول ذات السرد المؤسسي الواضح والقيادات غير المرتبطة بهذه القضايا أكثر
قدرة على امتصاص الصدمة. ومن هنا تتزايد أهمية التحكم بالرواية والمصداقية المؤسسية
في السياسة الدولية المعاصرة.
ويبقى سؤال أخير لا
يمكن تجاهله: هل يمكن أن تُستخدم مثل هذه الملفات لصرف الانتباه عن أزمات أخرى؟ التاريخ
السياسي يبيّن أن الفضائح الأخلاقية والقانونية غالبا ما تكتسب زخما في لحظات الأزمات
الاقتصادية أو التحديات الخارجية. هذا لا يعني أن الوقائع غير صحيحة، بل يعني أن ترتيب
الأولويات وطريقة العرض قرارات سياسية بحد ذاتها.
في النهاية، يعود
السؤال الجوهري: لماذا الآن؟
الإجابة لا تكمن في
حكومة خفية، بل في حقيقة أكثر بساطة وأشد خطورة: المعلومات لا تظهر في فراغ؛ توقيتها،
وسياقها، وطريقة تقديمها تصنع معناها. وملفات إبستين تذكّرنا بأنه عندما تتأخر العدالة،
وتُتداول المعلومات بلا مسؤولية، يصبح الخوف بديلا عن الثقة.
هذا المقال لا يدعو
إلى الذعر، بل إلى الوعي. والاختبار الحقيقي هو قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والإشاعة،
وبين البحث والخوف، وبين الأخلاق والقوة. وربما في هذا التمييز يكمن أهم درس أخلاقي
وجيوبوليتيكي في هذه القضية.
[email protected]
Byrumaisa.com