هل يدخل الشرق الأوسط مرحلة دفاعية جديدة؟

رميصاء عبد المهيمن
"تدرك دول الخليج أن أي تصعيد قد يضرّ باقتصاداتها وصادراتها الطاقوية وثقة الأسواق العالمية"- جيتي
"تدرك دول الخليج أن أي تصعيد قد يضرّ باقتصاداتها وصادراتها الطاقوية وثقة الأسواق العالمية"- جيتي
شارك الخبر
لطالما كان الشرق الأوسط ساحة محورية في السياسة العالمية، حيث لا تُصاغ القرارات الدفاعية بوصفها خياراتٍ عسكرية صِرفة، بل تتشابك خلفها اعتبارات التاريخ والاقتصاد والطاقة وأولويات القوى الكبرى. فمنذ الحرب الباردة وحتى تشكّل النظام الدولي متعدد الأقطاب اليوم، ظلّ هيكل الأمن الإقليمي في حالة تطوّر مستمر، غير أنّ التحوّل الأبرز في السنوات الأخيرة يتمثّل في انتقال دول المنطقة من الاعتماد شبه الكامل على الحلفاء التقليديين إلى بناء شراكات دفاعية متعددة المسارات. وفي هذا السياق، يشتدّ السؤال: هل يدخل الشرق الأوسط فعلا مرحلة دفاعية جديدة؟

ربما باتت القرارات الدفاعية اليوم لا تُصاغ استعدادا للحرب، بل سعيا لتجنّبها. ولفهم هذا المشهد المتغيّر، لا بدّ من وضع الدور العسكري الأمريكي في الخليج ضمن سياقه الصحيح. فالتصوّر الشائع يفترض أنّ انتشار القواعد الأمريكية يسهّل أي تحرّك عسكري فوري ضد أي دولة، غير أنّ الواقع أكثر تعقيدا، إذ صُمّمت القواعد الأمريكية في الخليج أساسا لأغراض الردع وتوفير الرافعة الاستراتيجية، لا لشنّ عمليات غزو مباشرة. وتشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية البحرية إلى وجود ما بين 35 و40 ألف جندي أمريكي في المنطقة، لكن تموضعهم يهدف إلى حفظ توازن القوى لا إلى الانخراط في حرب مفتوحة. وفي الوقت نفسه، يخلق هذا التموضع معادلة دقيقة لدول الخليج، لأن أي تصعيد -حتى لو كان محدود- قد ينعكس فورا على صادرات الطاقة، وتدفّقات رؤوس الأموال، والاستقرار الاقتصادي العام. ولهذا تبدو دول الخليج، في فترات التوتر الأمريكي-الإيراني، صامتة ظاهريا، لكنها تعمل خلف الكواليس على خفض حدّة التصعيد. هذه "الحيادية الصامتة" ليست ضعفا ولا انحيازا، بل إدارة محسوبة للمخاطر؛ فدول الخليج تخشى تبعات مجرد شائعة حرب بقدر خشيتها من الحرب ذاتها.

ولا يقتصر هذا السؤال على التنظير، إذ إن الاتجاهات الدفاعية الراهنة تحمل آثارا تتجاوز الخليج لتطال العالم الإسلامي وآسيا والاقتصاد العالمي. ويُنظر إلى التقارب الدفاعي المتزايد بين دولة الإمارات العربية المتحدة والهند بوصفه أحد تجليات هذا التحوّل الأوسع، فاعتبار هذا التقارب توسّعا ثنائيا فحسب لا يفي بالغرض، لأنه يعكس إعادة صياغة لمفاهيم الأمن ونماذج السلامة الإقليمية.

تاريخيا، ارتكز أمن الشرق الأوسط إلى حدّ كبير على مظلة القوى الخارجية. فبعد الحقبة البريطانية، أصبحت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لأمن الخليج، ضمن إطار شمل حماية إمدادات النفط وتأمين الممرات البحرية وحفظ التوازن الإقليمي. غير أنّ حرب العراق، والانسحاب المفاجئ من أفغانستان، وحالة عدم اليقين التي أعقبت الربيع العربي، وصراعات سوريا واليمن، كشفت جميعها هشاشة الاعتماد على أولويات خارجية متقلّبة. وقد دفعت هذه الخبرات دول الخليج إلى قناعة مفادها أنّ الانتقال من الاعتماد الدفاعي إلى تنويع الشراكات وبناء قدر من الاستقلالية بات ضرورة لا خيارا.

اليوم، يقف العالم بوضوح على أعتاب مرحلة متعددة الأقطاب، فما تزال الولايات المتحدة قوة كبرى، لكنها تحوّل تركيزها تدريجيا نحو آسيا-المحيط الهادئ والمنافسة الاستراتيجية مع الصين، فيما تنشغل أوروبا بتحدّياتها الداخلية، بينما تبرز قوى آسيوية كالصين والهند بدور أكثر فاعلية على المسرح الدولي. وفي خضمّ ذلك، لا تتراجع أهمية الشرق الأوسط الجيوسياسية، بل تتعاظم، لا سيما في سياق البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي، وهي شرايين حيوية للتجارة العالمية ونقل الطاقة.

ضمن هذا السياق، تتبدّل الرؤية الدفاعية لدول الخليج. وتحتلّ مضيق هرمز مكانة مركزية في هذا المشهد، فبحسب تقارير وكالة الطاقة الدولية والهيئات البحرية الدولية، يمرّ عبر هذا المضيق نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية يوميا، بما يعادل أكثر من 20 مليون برميل، على متن 30 إلى 40 ناقلة. ورغم أنّ عرض المضيق في أضيَق نقاطه يبلغ نحو 33 كيلومترا، فإن ممرات الملاحة الفعلية أضيق بكثير. وأي تحرّك بحري محدود قد يربك الشحن التجاري مؤقتا، مع انعكاسات فورية على الاقتصاد العالمي، لذا تُولي دول الخليج أمن الملاحة البحرية أولوية قصوى.

وتأتي دولة الإمارات في طليعة الدول التي استوعبت هذه التحوّلات مبكرا. فخلال العقد الماضي، وسّعت أبو ظبي مفهومها للأمن القومي ليشمل الموانئ، وخطوط التجارة، واللوجستيات، والاستخبارات، لا الحدود فحسب. ويعكس حضورها الاستراتيجي الممتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي توجّهها نحو نموذج دفاعي شبكي، بعيدا عن الاتكال على ضامن أمني واحد.

وقد تعاونت الإمارات تاريخيا مع الولايات المتحدة وفرنسا وقوى غربية أخرى، وأقامت في السنوات الأخيرة علاقات دفاعية وتقنية مع إسرائيل، ركّزت على التكنولوجيا والاستخبارات والدفاع الصاروخي، بهدف تعزيز الردع لا الانخراط في مواجهة مباشرة. وفي هذا الإطار الأوسع، يُفهم أيضا تنامي التقارب الدفاعي مع الهند.

فالهند لاعب صاعد في المحيط الهندي، وترتبط مصالحها بالخليج ارتباطا وثيقا، سواء عبر واردات الطاقة أو الجاليات الهندية الكبيرة المقيمة هناك. وتضع نيودلهي أمن الممرات البحرية والوعي بالمجال البحري في صلب استراتيجيتها. وبالنسبة للإمارات، تمثّل الهند شريكا يمتلك قدرات عسكرية معتبرة ودورا أقلّ تصادمية في الإقليم، ما يجعل الشراكة عملية ومقبولة.

ولا يستهدف التعاون الدفاعي الإماراتي-الهندي تشكيل محور عسكري، بل يركّز على أمن الملاحة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن السيبراني، وحماية إمدادات الطاقة. ويعكس ذلك توجّها خليجيا متزايدا نحو فهم الأمن بوصفه تداخلا بين الاقتصاد والسلامة، لا تحالفات حرب تقليدية.

وفي هذا المشهد، يظلّ دور المملكة العربية السعودية محوريا. فالاستقرار الإقليمي أولوية راسخة للرياض، التي ترى في علاقاتها المتينة مع أبوظبي ركنا أساسيا داخل مجلس التعاون الخليجي. ورغم تباينات المواقف في الملف اليمني، فإن الانسحاب التدريجي للإمارات يعكس إعادة ضبط للأولويات الدفاعية أكثر منه شرخا استراتيجيا، مع استمرار التناغم العام حول أمن المنطقة.

وعلى مستوى العالم الإسلامي، يثار التساؤل حول آثار هذه الشراكات الدفاعية. ويعلّمنا التاريخ أنّ التحالفات لا تُبنى على أسس دينية بقدر ما تُبنى على المصالح الوطنية. ومن ثمّ، فإن تقارب الإمارات والهند لا يحمل بالضرورة مكاسب أو خسائر مباشرة للعالم الإسلامي، وإن كان قد يسهم في تراجع بعض القضايا السياسية المزمنة -كالقضية الفلسطينية- ضمن سلّم الأولويات العالمية.

وهنا تبرز أهمية المقارنة مع نماذج أخرى، مثل العلاقات الدفاعية بين باكستان والسعودية وتركيا، التي قامت تاريخيا على أسس مؤسسية ونظرية أعمق، مقابل شراكات الإمارات العملية ذات الطابع الاقتصادي-الأمني. ويُبرز هذا التمايز اختلاف المقاربات لا تعارضها.

وإذا ما تبلور إطار دفاعي رسمي بين الإمارات والهند مستقبلا، فمن المرجّح أن تظهر آثاره في تعزيز أمن الملاحة وحماية تدفّق الطاقة واستقرار الأسواق، أكثر من انعكاساته العسكرية المباشرة. وعلى المدى الطويل، قد يسهم ذلك في ربط منظومات الأمن في الخليج والمحيط الهندي، ويدفع الشرق الأوسط نحو توازن دفاعي جديد.

في الخلاصة، فإن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وتنويع الإمارات لشراكاتها الدفاعية، وتقاربها مع الهند، وتعاونها التقني المحدود مع إسرائيل-كلّها ليست مؤشرات على استعداد لحرب وشيكة، بل محاولات جماعية لتجنّب عدم الاستقرار. تدرك دول الخليج أن أي تصعيد قد يضرّ باقتصاداتها وصادراتها الطاقوية وثقة الأسواق العالمية. وربما تكمن السمة الأبرز لهذه المرحلة الدفاعية الجديدة في حكمة الامتناع عن استخدام القوة، لا في استعراضها.

[email protected]
ByRumaisa.com
التعليقات (0)