من خليج البنغال إلى بحر العرب: انتخابات بنغلاديش وإعادة تشكيل موازين القوة

رميصاء عبد المهيمن
"ليست القضية قضية انتخابات فحسب، بل قضية الاتجاه الذي تسلكه جنوب آسيا"- حزب بنغلاديش الوطني
"ليست القضية قضية انتخابات فحسب، بل قضية الاتجاه الذي تسلكه جنوب آسيا"- حزب بنغلاديش الوطني
شارك الخبر
اكتملت الانتخابات، وصدرت النتائج، واستقرّت الحكومة في موقعها، غير أنّ أي انتخابات في جنوب آسيا لا تكون مجرد استحقاق داخلي عابر. فقد أثبت التاريخ مرارا أن صناديق الاقتراع في هذه المنطقة كثيرا ما تجد معناها الحقيقي في الموانئ، والممرات البحرية، وعلى طاولات الدبلوماسية. إن المرحلة الانتخابية الأخيرة في بنغلاديش ليست فصلا من فصول السياسة المحلية فحسب، بل هي جزء من إعادة ترتيب جيوسياسية أوسع، في فضاءٍ لا تُعدّ فيه خليج البنغال والمحيط الهندي وبحر العرب مجرد مسطحات مائية، بل شرايين حيوية للتجارة العالمية، وممرات للطاقة، وأدوات للتأثير السياسي. فعبر المحيط الهندي تمرّ نحو 80 في المائة من تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، ويُعدّ خليج البنغال بوابته الشرقية الأساسية.

تُعدّ بنغلاديش من أسرع اقتصادات جنوب آسيا نموا، ووفق بيانات البنك الدولي، بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 460 مليار دولار، فيما تضاعف متوسط دخل الفرد خلال العقد الماضي ليصل إلى قرابة 2500 دولار. ويشكّل قطاع المنسوجات وحده ما بين 40 إلى 45 مليار دولار من الصادرات سنويا، ما يجعله ركنا رئيسا في سلاسل الإمداد الأوروبية والأمريكية. ويتعامل ميناء تشيتاغونغ مع نحو 90 في المائة من تجارة البلاد الخارجية، فيما يمثل ميناءا بايرا وماتارباري العميقان جزءا من الرؤية البحرية المستقبلية للدولة. هذا الثقل الاقتصادي يجعل من الانتخابات قرارا جيو-اقتصاديا بامتياز، لا مجرد تنافس حزبي.

المسألة لا تقتصر على الحزب الذي فاز، بل على الأسباب التي أفضت إلى حالة القلق السياسي رغم مؤشرات النمو الإيجابية

في عهد الشيخة حسينة، ارتفعت الاستثمارات في البنية التحتية إلى نحو 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لافتة إقليميا. ومثّل مشروع جسر بادما، الذي بلغت كلفته نحو 3.6 مليارات دولار، نقلة في الترابط الداخلي. كما شاركت دكا في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية عبر استثمارات في الطاقة والمناطق الصناعية، وعزّزت تعاونها التجاري والكهربائي مع الهند، إذ استوردت في عام 2022 نحو 1100 ميغاواط من الكهرباء الهندية. وفي الوقت ذاته، بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى بنغلاديش كشريك مهم ضمن استراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ. غير أن هذه النجاحات الاقتصادية رافقها تصاعد في التساؤلات حول الشمول السياسي، وشفافية العملية الانتخابية، ومساحة المعارضة، ما خلق توترا داخليا أضفى حساسية خاصة على الاستحقاق الأخير.

المسألة لا تقتصر على الحزب الذي فاز، بل على الأسباب التي أفضت إلى حالة القلق السياسي رغم مؤشرات النمو الإيجابية. فقد تراوحت معدلات النمو بين 6 و7 في المائة خلال سنوات عدة، غير أن البطالة بين الشباب، وارتفاع الأسعار، والضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي، ولّدت شعورا متناميا بعدم الرضا. ويشكّل الشباب نسبة كبيرة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 170 مليون نسمة، وقد عزّز انتشار الإعلام الرقمي ووسائل التواصل وعيهم السياسي. وهكذا تحوّل الاقتراع من مجرد تجديد للسلطة إلى ما يشبه استفتاء على اتجاه النظام ذاته.

إذا ما جرى استيعاب هذه الطاقة الشبابية ضمن إطار مؤسساتي شامل، فقد تتحول بنغلاديش إلى نموذج للاستقرار السياسي والاقتصادي معا. أما إذا جرى تهميشها، فإن ثقة المستثمرين، والتصنيفات الائتمانية، وتدفقات الاستثمار الأجنبي قد تتأثر سلبا. ورغم أن نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي لا تزال ضمن حدود معتدلة نسبيا، فإن أي اضطراب سياسي كفيل بإعادة حسابات الأسواق الدولية.

إن السياسة الداخلية في دكا لا تنفصل عن الجغرافيا البحرية، فخليج البنغال جزء من شبكة استراتيجية أوسع في المحيط الهندي، حيث توسّع الصين "طريق الحرير البحري"، وتسعى الهند عبر سياسة "الأمن والنمو للجميع في المنطقة" (SAGAR) إلى تعزيز حضورها البحري، فيما تعمل الولايات المتحدة من خلال تحالفات مثل "كواد" على تثبيت توازن إقليمي. تمرّ عبر هذه المياه تريليونات الدولارات من التجارة سنويا، وتمتد هذه المنظومة لتتصل ببحر العرب، حيث تشكّل موانئ غوادر وكراتشي ودبي والخليج عصب تجارة الطاقة العالمية.

إذا وسّعت دكا تعاونها المينائي والصناعي مع بكين، فسوف ينعكس ذلك على ميزان القوى في المحيط الهندي، وإذا عمّقت اندماجها الاستراتيجي مع نيودلهي، فسوف تعزز الهند تفوقها البحري في الشرق، وإذا اتجهت نحو تنسيق دفاعي أوسع مع واشنطن، فقد تصبح جزءا أوضح في اصطفافات المحيطين الهندي والهادئ. هكذا يحدد الخيار الداخلي اتجاه التوازن الخارجي.

بالنسبة لباكستان، لا يتعلق الأمر بالعاطفة التاريخية بقدر ما يتعلق بالحساب الاستراتيجي. فبنغلاديش اليوم اقتصاد بحجم 460 مليار دولار، وفاعل مهم في النظام التجاري للمحيط الهندي، وإذا تعزز تعاونها الصناعي مع الصين، فقد يهيئ ذلك بيئة مكملة لاستراتيجية الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) على المستوى البحري، أما إذا تعمق اندماجها الاقتصادي مع الهند، فستجد إسلام آباد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها البحرية في بحر العرب. ورغم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها باكستان، فإن موقعها الجغرافي لا يزال مصدر قوة رئيس.

تجعل الكتلة السكانية الكبيرة لبنغلاديش منها سوقا استهلاكية مهمة ومصدرا للقوى العاملة. ومن المتوقع أن يتضاعف حجم الطبقة الوسطى بحلول عام 2030، ما قد يرسخ مكانتها كمركز صناعي إقليمي. غير أن أي عدم استقرار سياسي قد يدفع سلاسل الإمداد إلى التحول نحو أسواق آسيوية أخرى، بما ينعكس على أوروبا والولايات المتحدة أيضا.

إذا حافظت دكا على توازنها، فقد تتحول إلى لاعب مستقل في سياسات المحيط الهندي، أما إذا اختل هذا التوازن، فقد تصبح نقطة ضغط جديدة بين القوى الكبرى

تنعكس نتائج هذا الاستحقاق على دول المنطقة كافة: فالهند ترى فيه مسألة استقرار حدودي وممرات تجارية، والصين تعتبره امتدادا لحضورها في المحيط الهندي، وباكستان تراقبه من زاوية استراتيجيتها في بحر العرب، ودول الخليج تنظر إليه من منظور العمالة والتجارة، والولايات المتحدة تقرأه في إطار توازنات المحيطين الهندي والهادئ. بهذا المعنى، تمثل بنغلاديش نقطة تقاطع استراتيجية تتلاقى عندها المصالح الإقليمية والدولية.

في المحصلة، ليست القضية قضية انتخابات فحسب، بل قضية الاتجاه الذي تسلكه جنوب آسيا. هل سيتشكل محور اقتصادي واستراتيجي متصل من خليج البنغال إلى بحر العرب، يوظف القدرات الصناعية، والطاقة البشرية الشابة، والموقع البحري في قوة إقليمية متكاملة؟ أم أن التنافسات الداخلية والاصطفافات الخارجية ستجعل من هذا الجغرافيا ساحة لمصالح متعارضة؟

إن بنغلاديش اليوم ليست مجرد دولة أخرى في المنطقة، بل حالة اختبار: هل يمكن لجنوب آسيا أن تجمع بين النمو الاقتصادي والتوازن السياسي؟ إذا حافظت دكا على توازنها، فقد تتحول إلى لاعب مستقل في سياسات المحيط الهندي، أما إذا اختل هذا التوازن، فقد تصبح نقطة ضغط جديدة بين القوى الكبرى.

السؤال الحقيقي ليس من فاز، بل ما إذا كانت هذه الانتخابات قد دفعت جنوب آسيا نحو جغرافيا اقتصادية مترابطة، أم أدخلتها في مرحلة جديدة من إعادة الاصطفاف الاستراتيجي، حيث تكون القرارات وطنية في ظاهرها، لكن أصداءها تمتد من خليج البنغال إلى بحر العرب، لتؤثر في معادلات الاقتصاد والسياسة وموازين القوة في المنطقة بأسرها.

[email protected]
Byrumaisa.com
التعليقات (0)