تنوع أنماط الحياة الإسلامية بين الريف والحضر في بنغلاديش

أحمد شوقي عفيفي
"تتحول المساجد إلى مراكز إشعاع روحي واجتماعي، تستقطب أفواجا من المصلين"- الأناضول
"تتحول المساجد إلى مراكز إشعاع روحي واجتماعي، تستقطب أفواجا من المصلين"- الأناضول
شارك الخبر
بنغلاديش تلك الرقعة النهرية الوادعة في جنوب آسيا، حيث تتعانق جدائل التاريخ والثقافة والدين، لتنسج واقعا اجتماعيا فريدا في ملامحه وثراء في دلالاته. وفي قلب هذا المشهد يتجلى الإسلام لا باعتباره مجرد انتماء عقدي، بل بوصفه نسقا حضاريا متكاملا يوجه مسار الحياة، ويضفي على الوجود الإنساني معناه. فقد نفذت قيمه إلى أعماق الوعي، فشكلت فكر الفرد، وهذبت سلوكه، وأسهمت في بناء الأسرة، وأثرت في شبكة العلاقات الاجتماعية. غير أن هذا الحضور القيمي لا يسير على وتيرة واحدة، بل يتلون بتنوع البيئات، فيأخذ في الريف صورة، وفي الحضر صورة أخرى، ضمن تباين غني لا يفضي إلى التباعد بقدر ما يعكس مرونة هذا النسق وقدرته على التكيف. ومن هنا يغدو هذا التنوع مصدر حيوية للمجتمع، وفضاء رحبا للتأمل والبحث، يستوقف أنظار الدارسين في الحقل الدولي بوصفه تجربة إنسانية جديرة بالقراءة والتحليل.

في الفضاء الريفي البنغلاديشي، تنساب الحياة الإسلامية انسيابا عفويا، كأنها جزء لا يتجزأ من نسيج الوجود اليومي، لا طارئا عليه ولا منفصلا عنه. فالدين هنا ليس ممارسة مؤقتة تؤدى في أوقات مخصوصة، بل هو حضور دائم يتخلل تفاصيل العيش، ويضفي عليها معناها العميق. يستفيق الصباح على نداء الأذان، ذلك النداء الذي لا يقتصر على استدعاء الأبدان إلى الصلاة، بل يوقظ في الأرواح إحساسا جمعيا بالانتماء، ويبعث في القلوب يقظة روحية متجددة.

تغدو الممارسة الدينية في كثير من الأحيان أقرب إلى المجال الفردي، تنحسر في دوائر الخصوصية دون أن تفقد حضورها أو تأثيرها. ومع ذلك يظل الإسلام حاضرا في نسيج المدينة، غير أن تجلياته تتخذ صورا أكثر تنوعا ومرونة تستجيب لطبيعة الحياة الحديثة

يستهل أهل القرية يومهم بصلاة الفجر في مشهد تتآلف فيه الخطى نحو بيوت الله، ثم لا يلبث المسجد أن يتحول بعد الصلاة إلى فضاء عامر بالذكر والتلاوة، تتردد فيه آيات القرآن، وتدار فيه أحاديث الدين في سكينة ووقار. وهكذا يغدو المسجد أكثر من معلم تعبدي، إذ يتجاوز كونه مكانا للعبادة ليصبح قلبا نابضا للحياة الاجتماعية تلتقي فيه الوجوه، وتتلاقح فيه الآراء، وتتوثق عبره أواصر المودة والتواصل بين أفراد المجتمع.

في الفضاء الريفي ينهض التعليم الديني منذ البدايات الأولى للحياة، حيث يدفع بالأطفال إلى الكتاتيب والمدارس المحلية، فينهلون من معين القرآن، ويتعلمون أحكام الصلاة، ويتشربون المبادئ الأولى للقيم الإسلامية. غير أن هذا التكوين لا يقتصر على جدران المؤسسات، بل تمتد جذوره في عمق الأسرة، حيث يضطلع الوالدان وكبار السن بدور تربوي أصيل، يوجهون من خلاله السلوك، ويغرسون آداب الحديث، ويؤصلون معاني الاحترام، ويهذبون النفوس على قواعد الأخلاق. وعلى هذا النحو تنساب القيم الدينية في هذا الوسط في سياق طبيعي متصل، تنتقل من جيل إلى جيل في سلاسة تعكس رسوخها في الوجدان.

وإلى جانب هذا البناء التربوي، يتجلى في المجتمع الريفي مستوى رفيع من التماسك الاجتماعي ينبع من روح الأخوة الإسلامية التي توحد بين أفراده. ففي لحظات المرض أو الوفاة أو الأفراح، بل وفي سائر تقلبات الحياة؛ تتلاقى القلوب قبل الأجساد، ويهب الجميع في صورة تضامن صادق، تتجسد فيه معاني المواساة والمساندة دون تكلف. كما تأخذ الزكاة والفطرة والصدقات مكانها في هذا النسيج، فتغدو وسيلة رحيمة لتخفيف وطأة الحاجة، وإن جرت في كثير من الأحيان عبر مبادرات فردية عفوية لا تخضع لتنظيم مؤسسي. وهكذا يتأسس من هذا كله بناء اجتماعي متين، قوامه التعاون والتراحم، يمنح الحياة الريفية ثباتها ودفأها في مواجهة تحديات الزمن.

وعلى الضفة الأخرى من المشهد تتشكل الحياة الإسلامية في الحضر البنغلاديشي ضمن سياق مغاير تحكمه وتيرة متسارعة، ويثقل كاهله ضغط الوقت واشتداد التنافس، فتغدو الممارسة الدينية في كثير من الأحيان أقرب إلى المجال الفردي، تنحسر في دوائر الخصوصية دون أن تفقد حضورها أو تأثيرها. ومع ذلك يظل الإسلام حاضرا في نسيج المدينة، غير أن تجلياته تتخذ صورا أكثر تنوعا ومرونة تستجيب لطبيعة الحياة الحديثة دون أن تنفصل عن جذورها.

وتنهض المساجد الكبرى في المدن ولا سيما في قلب العاصمة بدور محوري في حفظ هذا الحضور، إذ تتحول إلى مراكز إشعاع روحي واجتماعي، تستقطب أفواجا من المصلين، وتعيد وصل ما قد تفرقه مشاغل الحياة. ويبلغ هذا المشهد ذروته في صلاة الجمعة، حيث تتدفق الجموع في صورة مهيبة، تعكس وحدة الشعور الإيماني وسط زحام الحياة وضجيجها. كما تتجلى هذه الروح الجماعية بأبهى صورها في المواسم الدينية كرمضان والعيدين، حين تتزين المدن بأنوار العبادة، ويغدو الفضاء الحضري مشبعا بروح التقوى، تتقاطع فيه مشاعر الانتماء، وتتعانق فيه معاني الألفة والتضامن.

وشهدت سبل تلقي المعرفة الإسلامية في الحواضر تحولا نوعيا لافتا، إذ لم تعد محصورة في أروقة التعليم التقليدي، بل انفتحت على آفاق رحبة في الفضاء الرقمي، حيث صارت المنصات الإلكترونية، والقنوات المرئية، والمحاضرات عبر الشبكة، والتطبيقات الذكية، روافد جديدة تتدفق منها المعرفة الدينية. وقد وجد فيها الجيل الشاب نافذة واسعة للاطلاع، يستقي منها معارفه، ويعيد من خلالها تشكيل وعيه الديني. غير أن هذا الاتساع على ما يحمله من إيجابيات، لم يخل من تحديات، إذ أفرز أسئلة مستجدة وإشكالات فكرية تستدعي قدرا أكبر من التمحيص والبصيرة.

وفي موازاة هذا التحول المعرفي شهدت بنية الأسرة في المدينة تبدلات ملموسة، حيث انحسر حضور الأسرة الممتدة، لتحل محلها الأسرة النووية الأصغر حجما والأكثر استقلالا. وقد ألقى هذا التحول بظلاله على طرائق نقل القيم الدينية والتربوية، إذ لم تعد الأسرة وحدها الحاضن الأول لهذه المهمة كما في السابق. ومع تصاعد وتيرة الانشغال وضغوط الحياة، بات كثير من الآباء والأمهات يعتمدون بدرجة أكبر على المؤسسات التعليمية في تنشئة الأبناء دينيا، مما أوجد واقعا تربويا جديدا يتطلب إعادة توازن دقيق بين دور الأسرة ودور المؤسسة، حفاظا على استمرارية القيم وصيانتها.

ومع ذلك يلوح في الأفق الحضري ملمح لافت، يتمثل في تصاعد الوعي الديني على نحو يتجاوز حدود التلقي التقليدي إلى فضاءات الفهم العميق والتأمل الواعي. إذ يميل كثير من أبناء المدن إلى مقاربة الإسلام مقاربة شخصية واعية، يسعون من خلالها إلى استيعاب مضامينه واستحضار دلالاته في واقعهم المعاش. وتتجلى هذه النزعة في الإقبال على مطالعة المؤلفات الإسلامية، والمشاركة في الندوات الفكرية، والانخراط في أنشطة المؤسسات الدعوية، وهي ممارسات يشيع حضورها في الأوساط المتعلمة، حيث يتشكل نمط من التدين يتسم بقدر من التحليل والنقد، يختلف في منهجه عن البساطة الفطرية التي تميز التدين في البيئات الريفية.

ومع هذا التباين في طرائق التعبير، يظل هناك خيط جامع يشد بين الريف والحضر، يتمثل في ثبات المرجعية القيمية الإسلامية. فالتقوى، والصدق، وتماسك الأسرة، والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع، تظل قيما راسخة في الوجدان العام، لا تتأثر باختلاف البيئات بقدر ما تتلون بأساليب تجليها. ففي الريف تنبثق هذه القيم في صورة جماعية تقليدية، متوارثة عبر الأجيال، بينما تتخذ في المدينة طابعا أكثر فردية ووعيا دون أن يطال ذلك جوهرها أو ينتقص من حضورها في حياة الناس.

وفي سياق التحولات الراهنة، أخذت المسافة بين الريف والحضر في بنغلاديش تنحسر على نحو ملحوظ مدفوعة بتسارع وتيرة الاتصال، واتساع رقعة الفضاء الرقمي، وتغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في تفاصيل الحياة اليومية. وقد أفضى ذلك إلى تداخل الأنماط الثقافية، حيث أخذت ملامح الحياة الحضرية تتسرب إلى البيئات الريفية، فتؤثر في إيقاعها وتعيد تشكيل بعض معالمها. وفي المقابل لم ينفصل الإنسان الحضري عن جذوره، بل ظل مشدودا إليها، يستحضرها في وجدانه، ويحرص على استدامة صلته بها. وهكذا أخذ يتشكل نمط مركب من الحياة الإسلامية، تتجاور فيه معاني الأصالة مع مقتضيات الحداثة، في مشهد يعكس حيوية المجتمع وقدرته على إعادة التوازن بين ماضيه وحاضره.

تغدو بنغلاديش مثالا حيا على قدرة القيم الإسلامية على التكيف الخلاق مع تعدد السياقات الاجتماعية، دون أن تنفصل عن أصولها أو تفقد جوهرها

غير أن هذا التحول على ما ينطوي عليه من إمكانات واعدة، لا يخلو من تحديات تفرض نفسها بإلحاح، إذ قد تفضي أنماط الحياة الحضرية إلى تغليب النزعة الاستهلاكية، واستنزاف الوقت في دوامة الانشغال، بما قد يفضي إلى نوع من الفتور في الالتزام الديني أو تراجع في استحضار القيم. وفي المقابل، يواجه الريف تحديات من طبيعة مختلفة، تتمثل في محدودية الوعي، أو تسرب بعض الممارسات القائمة على العادات غير المنضبطة أو الفهم القاصر مما قد يحجب الصورة الصافية للقيم الإسلامية. ومن هنا تتأكد الحاجة إلى بناء منظومة تعليمية متوازنة، وتعزيز وعي رصين، وتفعيل خطاب دعوي حكيم، يستند إلى البصيرة، ويجمع بين الأصالة والمعاصرة، بما يكفل صيانة القيم وتوجيهها الوجهة السليمة.

وفي ثنايا هذا التنوع تنفتح آفاق واسعة من الإمكانات، إذ تغدو بنغلاديش مثالا حيا على قدرة القيم الإسلامية على التكيف الخلاق مع تعدد السياقات الاجتماعية، دون أن تنفصل عن أصولها أو تفقد جوهرها. فالتآلف بين بساطة الريف ووعي الحضر لا يفضي إلى تناقض، بل يثمر توازنا حضاريا رفيعا، تتكامل فيه عناصر الأصالة مع مقتضيات الوعي، ليشيد من خلاله مجتمع إسلامي متماسك، يجمع بين العمق والمرونة، وبين الثبات والحركة.

وفي الأفق الدولي تكتسب هذه التجربة البنغلاديشية بعدا دلاليا لافتا، إذ تكشف عن حقيقة الإسلام بوصفه نسقا حيا متجددا، لا يقف عند حدود الجمود أو الانغلاق، بل ينفتح على البيئات المختلفة، ويتفاعل مع تحولات الزمان والمكان ليعيد تشكيل حضوره في كل سياق بوجه يلائم خصوصيته دون أن يمس ذلك بجوهره أو ينتقص من مرجعيته. ومن ثم تغدو هذه التجربة جديرة بالقراءة والتأمل، بوصفها شاهدا على حيوية الإسلام وقدرته على الاستمرار والتجدد في عالم متغير.

وفي خاتمة المطاف يتبدى جليا أن تنوع تجليات الحياة الإسلامية بين الريف والحضر في بنغلاديش لا يقرأ بوصفه تباينا يفضي إلى التفرق، بل باعتباره رافدا من روافد القوة، ومظهرا من مظاهر الثراء الحضاري. ففي أحشاء هذا التنوع تتخلق معاني الوحدة، وتترسخ دعائم الاستقرار، وتنبثق إمكانات النهوض والتقدم. وإذا ما أُحسن وصل هذه المسارات، واستُثمرت مكامن الإيجاب في كل منها، فإن بنغلاديش مهيأة لأن تقدم نموذجا مجتمعيا ملهما، تتآلف فيه القيم الدينية مع الخصوصية الثقافية وإيقاع الحداثة، فيتشكل من هذا التفاعل نسق إنساني متوازن، يقوم على العدل، ويستضيء بالرحمة، ويواكب تحولات العصر بروح أصيلة وعقل متجدد.
التعليقات (0)