الثورة رفاهية الخائفين أم صرخة ضد الطغيان؟

أدهم حسانين
"الثورة ليست رفاهية، إنها الدواء الوحيد لداء الاستبداد؛ من يرفضها يعيش في الذل، ومن يقبلها يدفع الثمن لكن يحيا حياة الكرامة"- ويكيميديا كومنز
"الثورة ليست رفاهية، إنها الدواء الوحيد لداء الاستبداد؛ من يرفضها يعيش في الذل، ومن يقبلها يدفع الثمن لكن يحيا حياة الكرامة"- ويكيميديا كومنز
شارك الخبر
في زمن يُباع فيه الصمت بثمن الدماء، ويُروَّج للاستسلام كـ"حكمة سياسية"، يبدو السؤال عن الثورة وكأنه ترف فكري لمن يملكون ترف التنظير من بعيد. لكن الواقع يصرخ في وجوهنا: هل الثورة رفاهية يتخيَّلها المثقفون في منافيهم، أم أنها الضرورة الملحة الوحيدة لإزالة القمع الذي يخنق الشعوب ويحوِّلها إلى قطيع يُساق إلى المذبح؟

كصحفي كنت شاهدا على الثورات العربية وعاصرت أيام الاستبداد، أقولها بلا مواربة: الثورة ليست خيارا، بل هي واجب إسلامي وإنساني عندما يتحول الحكم إلى طغيان ينتهك كرامة الإنسان ويسرق حريته. ومن يدَّعي أنها رفاهية، إنما يدافع عن الاستبداد بثوب "الواقعية". هذا ليس رأيا شخصيا، بل صوت العقول الإسلامية الحديثة التي رأت في الثورة روح الإسلام الحي، لا جموده الميت.

الإسلام: دين الثورة الدائمة

لم يكن الإسلام يوما دين الخنوع؛ منذ أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، كانت الهجرة أول ثورة على الطاغوت. وفي العصر الحديث، أعاد مفكرو الإسلام صياغة هذه الروح بكلمات نارية تحرق قصور الظالمين.

فنجد جمال الدين الأفغاني، باعث اليقظة الإسلامية، لم يكن يدعو إلى الإصلاح الهادئ، بل إلى الثورة الشاملة ضد الاستعمار والاستبداد. قال: "لو لم يجدوكم نعاجا لما كانوا ذئابا". كان يرى أن الأمة الإسلامية ليست ضحية الغرب فحسب، بل ضحية قابليتها الداخلية للخنوع والخضوع. الثورة عنده ليست فوضى، بل إيقاظ للضمير الإسلامي الذي يرفض أن يعيش في ظل الطغاة. في كتابه "العروة الوثقى"، حوَّل الأفغاني الإسلام إلى سيف ضد الاستبداد، لا إلى رداء يغطي عورات الحكام.

امتدت أفكاره لتلميذه محمد عبده، لكن الجرأة الحقيقية جاءت مع عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد". هناك رسم الكواكبي صورة الاستبداد كشيطان يتجسد في الحاكم المطلق: "الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر، أبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال ".

الكواكبي لم يتوقف عند الوصف؛ هو حدد العلاج: الشورى والدستور، وهدم الاستبداد الذي يُلبس الطاغية ثوب القداسة. قال إن "أشد مراتب الاستبداد التي يُتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية". هذه ليست كلمات فيلسوف أكاديمي؛ إنها فتوى ثورية ضد كل نظام يدَّعي أنه "خليفة الله" وهو في الحقيقة خليفة إبليس.

ثم جاء حسن البنا، مؤسس الإخوان المسلمين، ليجعل الجهاد ركنا من أركان البيعة؛ "الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، هتف بها البنا، وجعلها شعارا يتردد في كل مسجد وكل سجن. لم يكن الجهاد عنده دفاعا فقط، بل هجوما على الظلم: "بقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها". الثورة عند البنا ليست رفاهية؛ إنها فريضة تُحيي الأمة من سباتها.

لكن الذروة كانت مع سيد قطب، الشهيد الذي حوَّل "في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق" إلى بيان ثوري عالمي. قال قطب: "الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن.. كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل، ومنذ كان دين الله". ورأى أن الإسلام "ثورة شاملة على حاكمية البشر في كل صورها". الحاكمية لله وحده، لا للطاغوت الذي يحكم بالقوانين الوضعية أو بالفساد. "إن الإسلام يأمر بالثورة على الطغيان"، هذا كان خلاصة فكره الذي دفع حياته ثمنا له.

أضاف المفكر علي شريعتي بعدا ثوريا مذهلا؛ "الإسلام هو الثورة الدائمة ضد الظلم"، قالها شريعتي، ووصف المسجد في زمن الرسول بأنه "مكان تعبد ومدرسة وبرلمان"، لا قصرا فخما خاليا من الأبعاد، محذرا من سرقة الثورات: "إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة فلا يلوموا أحدا حينما تُسرق ثورتهم". الثورة عنده ليست مجرد إسقاط نظام؛ إنها إحياء للإنسان المعذب، تحرير من عقدة النقص أمام الاستعمار والاستبداد.

وأكمل العبقري مالك بن نبي، الجزائري الثورة عنده ليست ارتجالا، بل "مسار متسلسل" يبدأ في النفوس. "القابلية للاستعمار" هي الداء الداخلي الذي يجعل الشعوب تُقبل على الذل. لذا، الثورة الحقيقية هي "ميلاد مجتمع" جديد، لا مجرد تغيير وجوه الحكام. قال ابن نبي إن "المجتمع العاجز عن الثورة عاجز -أيضا- عن التدين"، فالثورة هي تعبير عن الحياة الإسلامية الحقة.

أما محمد إقبال، شاعر الإسلام في الهند، فأشعل الجذوة بالإيمان: "الحقيقة التي يكتشفها العقل المحض لا قدرة لها على إشعال جذوة الإيمان القوي الصادق، تلك الجذوة التي يستطيع الدين وحده أن يشعلها". إقبال دعا إلى تجديد الفكر الديني، وفتح باب الاجتهاد، ورأى في الثورة الروحية مقدمة للثورة السياسية والحضارية.

هؤلاء لم يكونوا حالمين؛ كانوا ثوارا بالفكر قبل أن يكونوا بالسلاح. رأوا في الثورة واجبا قرآنيا: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" (البقرة: 11). الإفساد الحقيقي هو السكوت على الظلم، والإصلاح هو الثورة عليه.

الاستبداد: الداء الذي يُنتج القمع

هذا القمع الواقع على الشعوب اليوم ليس مصادفة؛ إنه ثمرة استبداد متجذر. الكواكبي يصف كيف يقلب الاستبداد الحقائق: "يسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع، والمشتكي المظلوم مفسد". في بلادنا، يُسمى الثائر "إرهابيا"، والمستبد "حامي الاستقرار". الشباب الذي يخرج يطالب بحريته يُتهم بالفوضى، بينما الذي يسرق المليارات يُمدح بـ"الكاريزما".

هذا الاستبداد يُفرغ الإسلام من محتواه، يحوِّل المساجد إلى منابر للطاعة العمياء، ويحوِّل العلماء إلى "مفتي السلطان". شريعتي كان يحذر من "التشيع السلطوي" و"التسنن السلطوي"، أي الدين الذي يُستخدم لتبرير الظلم. اما الأديب قطب أطلق عليه "الجاهلية الحديثة"، حيث يحكم البشر بغير ما أنزل الله.

في مثل هذه الأجواء، الثورة تصبح ضرورة بيولوجية. الشعب الذي يُخنق لا يموت فحسب؛ يتحول إلى جثة حية، والثورة هي النفَس الأخير قبل الاختناق.

التاريخ يشهد: الثورات التي أحيت والتي أُجهضت

لم تكن الثورات رفاهية في تاريخنا بل ثورة في النقوس كما وصفها مالك بن نبي. ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي كلفت مليون شهيد، لكنها أنهت 132 عاما من الاحتلال، فكان بن نبي يرى فيها "ثورة في النفوس" قبل أن تكون في الشوارع. الثورة الإيرانية عام 1979، التي ألهمها شريعتي، أسقطت الشاه المدعوم من الغرب، وأعادت الإسلام إلى قلب السياسة. نعم، انحرفت لاحقا، لكن ذلك لا ينفي أنها كانت ضرورة ضد الاستبداد البهلوي.

في الربيع العربي رأينا التناقض؛ في تونس، أنتجت الثورة انتقالا ديمقراطيا نسبيا لأن الوعي كان موجودا، في مصر وسوريا، أجهضها الاستبداد المضاد لأن الثورة لم تكن مدعومة ببنية فكرية قوية كالتي دعا إليها قطب والبنا. الدرس: الثورة بدون وعي تُسرق، كما حذر شريعتي.

اليوم، في غزة ولبنان واليمن، نرى الثورة تتجسد في المقاومة. ليست رفاهية؛ إنها بقاء. الشعوب التي ترفض الذل تثور، والتي تقبل به تموت ببطء.

التكلفة الباهظة: دماء الأحرار أرخص من ذل الخانعين

لا أحد ينكر أن الثورة تكلف دما. الثورة الفرنسية أكلت أبناءها، والروسية ولدت ستالين. لكن البديل؟ استمرار القمع الذي يقتل بالبطيء: الفقر، الجهل، الهجرة، اليأس. في بلادنا، يموت الشباب يوميا من البطالة والقهر أكثر مما يموتون في الثورات.

يقول البنا: "لا دعوة بغير جهاد، ولا جهاد بغير اضطهاد". قطب أضاف: "الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب النبيل". الثورة تستحق الثمن لأن الحرية أغلى من الحياة تحت النعل.

شروط الثورة الناجحة: وعي، تنظيم، استمرارية

حتى لا تكون الثورة رفاهية تُجهَض، يجب أن تكون مدروسة. ابن نبي يؤكد أنها "مسار متسلسل" يبدأ بالتعليم والتربية، وشريعتي يطالب بالوعي قبل السلاح، وقطب يدعو إلى "الطليعة المؤمنة" التي تبني المجتمع الإسلامي من القاعدة.

الثورة الحقيقية ليست انقلابا عسكريا؛ إنها ثورة في العقول أولا، ثم في الشوارع. يجب أن تكون شاملة: نساء ورجالا، شبابا وشيوخا، علمانيين وإسلاميين، يتفقون على إسقاط الطاغوت وبناء دولة المواطنة والعدل.

ختاما: الثورة مستمرة أم الموت البطيء؟

تقف الشعوب العربية والإسلامية اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في قفص الاستبداد المقنَّع بالدين أو "الاستقرار"، وإما الثورة الواعية التي تستلهم الأفغاني والكواكبي والبنا وقطب وشريعتي وبن نبي وإقبال.

الثورة ليست رفاهية، إنها الدواء الوحيد لداء الاستبداد؛ من يرفضها يعيش في الذل، ومن يقبلها يدفع الثمن لكن يحيا حياة الكرامة.

الثورة قادمة، لأن الشعوب لن تموت جوعا وذلا إلى الأبد، والتاريخ سيشهد: كانوا يقولون إنها رفاهية، فإذا بها ضرورة ملحة أعادت للشعوب والأمم حياتها ومجدها.
التعليقات (0)