منذ
أن خطّ الإنسان أولى علامات الحضارة على طين الرافدين وضفاف النيل، كانت
الضريبة
هي "النبض" الذي يغذي جسد الدولة. لكن التاريخ، في لحظاته الأكثر قتامة،
يخبرنا عن خيط رفيع يفصل بين "الخراج" الذي يبني المدن، وبين "المكوس"
التي تحفر القبور.
في
روسيا القيصرية، كان بطرس الأكبر يحصي أنفاس الفلاحين فيما عُرف بـ"ضريبة
الروح"، حيث لم يكن الموت كافيا للإعفاء من الجباية، وظل الأموات
"أرواحا" تدفع عنها العائلات المنكوبة ثمن وجودها الزائل.
وفي
عصور الظلام الأوروبية، كانت "ضريبة الحياة" تُفرض على مجرد التواجد تحت
سماء الملك، وكأن الهواء حقٌّ مستأجر لا هبة سماوية.
ومن
عصور ظلام أوروبا إلى نبوءة ابن خلدون، حيث الاقتصاد ليس أرقاما تُجمع في ميزانيات
صماء، بل هو "نفسٌ بشري" وقلقٌ وجودي قبل كل شيء. هنا فكك ابن خلدون
بعبقرية شيفرة انهيار الإمبراطوريات ببراعة جراح، حيث صاغ قانونا كونيا صارما:
"إن الظلم مؤذن بخراب العمران".
ما يمارسه نظام السيسي ليس سياسة مالية أو تقشفا أو إصلاحا كما يزعمون، بل هو "اجتياح" لجيوب المواطنين، محولا الدولة من راعٍ للحقوق إلى "خصم" شرس ينافس المواطن في رزقه اليومي. لقد تحولت الضريبة من أداة للبناء إلى سلاح للسحق
يرى
ابن خلدون أن الدولة في ريعانها تكون رفيقة بالرعية، تكتفي بضرائب قليلة فتبسط
الآمال، ويزدهر العمل. أما حين تنغمس السلطة في ترفٍ لا ينتهي، وتتضخم حواشيها،
وتبدأ في تشييد القصور التي لا تسكنها إلا الرياح، فإنها تلجأ إلى
"المكوس".
والمكوس
في الفلسفة الخلدونية ليست اقتطاعا من ربح، بل هي نهشٌ من العظم، واعتداءٌ سافر
على "الآمال". عندما يشعر المواطن أن كل لقمة يرفعها إلى فمه يشاركه فيها
جابي السلطان "قهرا"، فتحل على البلاد لعنة "انقباض الأيدي"
كما أسماها؛ فيتوقف التاجر عن المغامرة، ويهجر الفلاح أرضه، ويفقد الصانع شغفه. فإذا
ما انقبضت الأيدي، فسد العمران، وتداعت الدولة كبيت من ورق، حتى لو كانت تملك
جيوشا جرارة، لأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في "روح" شعبها، والضريبة
الظالمة هي الرصاصة الأولى التي تُطلق على تلك الروح.
ومن
التجول بخطى مترقبة في دهاليز التاريخ الى الهرولة مرتعبة الخطى في طرق الواقع
المصري، حيث استباحة الحياة نفسها أصبحت طقسا يوميا تمارسه الحكومة ضد الشعب.
اليوم،
ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين، نرى تلك الأشباح العابرة للقرون السحيقة
تُبعث من مرقدها لتشاهد تجسيدا لحياتها السابقة، لكن هذه المرة ليست أوروبا بل فوق
تراب مصر، حيث شعب يعيش نفس المأساة مطارد من بدلات رسمية وقوانين
"سيادية" لا ترحم.
في
مصر اليوم، نعيش فصلا تراجيديا يتجاوز وصف "الأزمة" ليدخل في طور
"الاستباحة الكاملة". إن ما يمارسه نظام
السيسي ليس سياسة مالية أو
تقشفا أو إصلاحا كما يزعمون، بل هو "اجتياح" لجيوب المواطنين، محولا
الدولة من راعٍ للحقوق إلى "خصم" شرس ينافس المواطن في رزقه اليومي. لقد
تحولت الضريبة من أداة للبناء إلى سلاح للسحق.
المكوس
المبتكرة (ضريبة الوجود)
لم
تعد الضريبة تُفرض على الدخل المتحقق، بل أصبحت "إتاوة" على مجرد الحركة
والسكون. رسوم الطرق التي دُفع ثمنها من دماء الضرائب الأصلية، دمغات الأوراق
الرسمية التي تُنتزع من الفقير قبل الغني، وضرائب العقارات التي سُكنت بدم القلب
وشقاء السنين؛ كل ذلك يشكل منظومة "جباية عمياء" لا تعترف بحدود الفقر.
ضريبة
الحنين ومطاردة الأرواح المهاجرة..
لم
يقتصر الأمر لدى النظام على مطاردة المقيمين، بل امتد إلى المغتربين فبدأ بفرض "ضريبة
الحنين". ولعل من أبشع تجليات هذه المنظومة هي مطاردة المصريين المهاجرين في
أرزاقهم؛ المغترب الذي فرّ بعمره وأحلامه وكرامته كي يبني مستقبلا، يجد الدولة
تلاحقه بـ"مكوس الهواتف" وجمارك "الهدايا".
كيف
يعقل أن يُطالب إنسان بدفع ثمن هاتفه مرتين؟ مرة للشركة المصنعة، ومرة لـ
"سلطة" لم توفر له عملا ولا كرامة في وطنه؟ إنها رسالة مفادها:
"حتى وأنت بعيد، يد الجباية ستطال روحك". هذه ليست جمارك، بل هي
"عقاب" على النجاح خارج المنظومة، وكسرٌ متعمد لأواصر الانتماء.
يقف
المصريون عاجزين عن فهم ما يحدث لهم؛ فقديما كان الأباطرة يبررون ضرائبهم بحماية
الثغور، أما اليوم فأباطرة العسكر يفرضون المكوس لتمويل "ثقوب سوداء"
وتوابيت خرسانية تُبنى في الصحراء بمدادٍ من عرق المسحوقين ودموع الجياع.
يُهدم
بيت الفقير بدعوى "التطوير"، لتُبنى القصور الرئاسية والجسور الفارهة
التي لا تعني الجائع في شيء. إنها ضريبة الروح في أبشع صورها؛ أن تدفع ثمن السلاسل
التي تقيدك، وتبني بجهدك الجدران التي تعزلك عن السلطة.
لقد
تجاوز النظام منطق "الضريبة مقابل الخدمة" إلى منطق "الضريبة مقابل
السماح لك بالبقاء على قيد الحياة".
حتمية
الانفجار
عندما تتحول الدولة في نظر الشعب من "ملاذ" آمن إلى "وحش" يتربص بكل قرش في جيب الفقير والمغترب، فإن العقد الاجتماعي لا ينفسخ فحسب، بل يتفجر
التاريخ
لا يرحم، وقوانين الاجتماع البشري لا تُحابي أحدا. كل الإمبراطوريات التي سقطت، من
روما التي أكلها جشع الجباة، إلى العباسيين الذين خنقهم الفساد المالي والبذخ،
بدأت نهايتها من لحظة "جنون الجباية". عندما تتحول الدولة في نظر الشعب
من "ملاذ" آمن إلى "وحش" يتربص بكل قرش في جيب الفقير
والمغترب، فإن العقد الاجتماعي لا ينفسخ فحسب، بل يتفجر.
في
مصر، المشكلة ليست في "نقص الموارد"، بل في "فائض الظلم". إن
"انقباض الأيدي" الذي حذر منه ابن خلدون بدأ يتحول إلى "انقباض في
القلوب"، وحين تنقبض القلوب عن حب الأوطان، فلا حصانة لعرش ولا بقاء لكيان.
الروح التي تُحاصر بضريبة الحياة، وتُطالب بجمارك على تواصلها مع ذويها، ستصل في
النهاية إلى قناعة بأن الأرض التي تضيق بأهلها لم تعد وطنا، بل سلاحا يهدد بقطع
أعناقهم.
فهل
يدرك الجباة أنهم بجمعهم لهذه المكوس لا يملأون الخزائن، بل يجمعون حطبا لنارٍ لن
تفرق بين القصر والكوخ؟ لقد علمنا التاريخ أن الجباة يرحلون، والقصور تخوي على
عروشها، لكن الشعوب التي انقبضت أيديها يوما هي التي تعيد كتابة السطر الأخير.
إن
الروح التي تُفرض عليها ضريبة لكي تتنفس، ستحطم في النهاية القيد، لتسترد حقها في
الحياة دون مكوس الفناء، "لأنه حين تتحول الضريبة إلى شرط للحياة، تصبح
الثورة مسألة وقت لا رأي".