يُحكى
أنه في أحد الأيام، وفي مكانٍ غير المكان، اجتمع في ساحةٍ واسعةٍ عددٌ من العميان.
وفي منتصف الساحة وقف فيلٌ ضخم ساكنا كأنه جبلٌ يتنفس. لم يكن شرسا، ولا هائجا، كان
فقط.. موجودا. اقترب منه العميان، لا يعرف أحدهم شكل الفيل، ولا حجمه، ولا حقيقته.
مدّ الأول يده، فأمسك الخرطوم، جسما طويلا لينا يتحرك بين أصابعه، فقال بثقة لا
تعرف الشك: "هذه حيّة، لا شك عندي". اقترب الثاني ولمس أذنا عريضة تتحرك
مع الهواء، فقال بازدراء: "بل هي مروحة كبيرة، وكيف لحيّة أن تكون هكذا؟".
أما الثالث، فاحتضن ساقا غليظة، ثابتة كالصخر، فضرب الأرض بعصاه وقال: "كفاكما
وهْما، إنه عمودٌ لا يتحرك". وجاء الرابع، وأمسك بالذيل، فشعر به حبلا خشنا
يتدلّى، فقال: "كلكم مخطئون، إنه حبل، والحق أوضح من أن يُجادَل".
واختلفوا، وارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي، وكلٌّ أقسم أن ما لمسه هو الحقيقة الكاملة. لم
يكن أحدهم كاذبا.. لكن جميعهم تجاهلوا أنهم عميان. أما الفيل، فبقي واقفا، صامتا، أمام
جهلهم وتعنت آرائهم، مندهشا من خصامهم. ولو أن أحدهم سأل بدل أن يُقسم، ولو أن
أحدهم تراجع خطوة إلى الخلف معترفا بحقيقة أنهم لا يبصرون، لعلموا أن ما بين
أيديهم ليس أشياء متفرقة، بل جسدا واحدا.
لكنهم
ظلّوا عميانا، يقتتلون حول الأجزاء، بينما الحقيقة الكاملة تقف أمامهم.. ولا
يلمسها أحد. تلك لم تكن حكاية عن فيل. كانت نبوءة عن أمة لا ترى نفسها كاملة.
الخوف الحقيقي ليس من عربٍ غاضبين، فالغضب يُدار ويُحتوى، الخوف من عربٍ واعين؛ لأن الأمة التي ترى نفسها كاملة لا تحتاج أن تصرخ، ولا أن تبرر وجودها، ولا أن تستجدي اعترافا. هي فقط.. تنهض، وعندها لن يعود السؤال: لماذا يخاف الغرب؟ بل: كيف أقنعنا أنفسنا طويلا أننا لم نكن هذا المارد أصلا؟
إنه الوطن
العربي؛ ذاك الفيل.. أو بالأحرى "المارد"، وما نحن اليوم إلا عميان
التاريخ، نتحسس أجزاء من جسد قوتنا، ونتقاتل حول تعريفها، بينما المارد الذي نمثله
واقفٌ أمامنا.. كاملا، ضخما، مخيفا لمن يراه، وغائبا عمّن ينتمي إليه.
الغرب
لم يكن أذكى منا، كان فقط أكثر وعيا بنا؛ حين نظر إلى هذه الجغرافيا لم يرَ صحارى
متفرقة، ولا دولا ناشئة، ولا نزاعات حدود، رأى كتلة بشرية تتجاوز نصف مليار إنسان،
ورأى أرضا تشكل قارة مصغَّرة بذاتها، تمتد على ما يقارب من عُشر يابسة العالم، أو
تتجاوز مساحتها مساحةَ أوروبا بأكملها. ورأى ثروات لو اجتمعت لغيّرت موازين
القوة
والاقتصاد العالمي، ورأى موقعا يتوسط العالم، يتحكم في ممراته وبحاره وطاقته. ورأى
تاريخا متصلا، وعِرقا متقاربا، وأكثر من نصف مليار يتحدثون لغة واحدة، ويدين
أغلبهم بدين واحد. رأى.. فارتعب.
لذلك
لم يحارب الوطن العربي ككل، بل قسّمه ذهنيا قبل أن يقسّمه سياسيا. زرعُ إسرائيل في
منتصف الجسد العربي لم يكن فعل عداء فقط، بل عملية تشويش تاريخية: فصل المشرق عن
المغرب، قطع التواصل الجغرافي، خلق جرحا دائم النزف، وأجبر المارد أن ينشغل بالألم..
لا بإدراك ذاته. ثم بدأ المشروع الأخطر: تحويل الأمة إلى عميانٍ متخاصمين؛ عربي
يرى القوة في النفط فقط، وآخر يحصرها في الدين دون وعي سياسي، وثالث يتغنى
بالتاريخ وكأنه تعويذة لا مشروع، ورابع يؤمن بالعدد لكنه يخشاه، وخامس يتوهم أن
الجغرافيا لعنة لا نعمة.
وكلهم،
دون أن يدروا، يلمسون الفيل.. ويخطئون تعريفه. الحقيقة التي يخشاها الغرب، ويعمل
ليل نهار لمنع تحققها، ليست وحدة سياسية رومانسية، ولا شعاراتٍ قومية قديمة، بل
لحظة وعي واحدة.. لحظة أن يدرك العميان أنهم لا يلمسون أجزاء متنافرة، بل جسدا
واحدا، حينها فقط سيتحوّل العدد إلى قوة، واللغة إلى أداة توحيد، والدين إلى بوصلة
أخلاقية لا وقود
صراع، والثروة إلى مشروع، والجغرافيا إلى سلاح استراتيجي.
الخوف
الحقيقي ليس من عربٍ غاضبين، فالغضب يُدار ويُحتوى، الخوف من عربٍ واعين؛ لأن
الأمة التي ترى نفسها كاملة لا تحتاج أن تصرخ، ولا أن تبرر وجودها، ولا أن تستجدي
اعترافا. هي فقط.. تنهض، وعندها لن يعود السؤال: لماذا يخاف الغرب؟ بل: كيف أقنعنا
أنفسنا طويلا أننا لم نكن هذا المارد أصلا؟