من
"تريليونات موسكو" إلى "سبات الوعي": لماذا نتقن دور المتفرّج؟
بينما
كان العالم يضج بالخبر الذي أعلنه زيلنسكي عن "الصفقة الروسية" الكبرى بقيمة
12 تريليون دولار لكسر الجليد مع واشنطن والعودة للنظام العالمي، وفك الترابط
الاقتصادي مع الصين.. كنا نحن
العرب كالعادة ننقسم بين مبهورٍ ومشكك، وكأننا نشاهد
عرضا سينمائيا لا نملك من أمره إلا التصفيق أو البكاء.
الحقيقة
الصادمة أن الخبر، دقيقا كان أم مناورة، لم يكشف عن صفقة سياسية، بل كشف عن "عاهة"
في وعينا الجمعي. انشغلنا بالسؤال العاطفي السهل: "من معنا ومن ضدنا؟"،
وهربنا من السؤال العقلاني الصعب: "لماذا تُدار الأمور فوق رؤوسنا؟".
لماذا نصمت؟ ليس لأننا جبناء، بل لأننا: مُنهكون في رغيف الخبز، مُرعَبون من قبضة الأمن، ومُفكَّكون بصراعات وهمية. نقاتل بعضنا، ونترك من ينهبنا
لسنا متأخرين
لأن العالم يتآمر علينا، بل لأننا لم نتعلم بعد لغة المصالح. القضية ليست في رقم أو
خبر.. القضية فينا.
أهلا بكم
في الحقيقة المُرّة
يحلو لنا
دائما أن نعيش دور الضحية؛ فالمجرم "أمريكا"، والمتآمر "الغرب"،
والانتهازي "الصين"، والمخادع "روسيا". وكل هذا صحيح، لكنه نصف
الحقيقة فقط، أما النصف الآخر الأكثر قسوة: أننا شركاء في هذه
الهزيمة.
النظام
العالمي لا يعترف بالخير والشر، بل بالوزن والقوة.. واشنطن لا تدعم المستبد حبا فيه،
بل لأنه "مفيد".. بكين لا تستثمر فينا كرما، بل لأنها
"تربح".. موسكو لا تتدخل لنصرتنا، بل لأنها "تتوسع". هذا
ليس شرا؛ هذا هو تعريف السياسة. العيب فينا.. حين نرضى بأن نكون
"الفريسة" التي تبرر للذئب شهيته.
دائرة
الخضوع: هندسة الصمت
نحن عالقون
في دائرة مغلقة تأكل مستقبلنا: شعب خائف ← حاكم
مستبد ←
قوة عالمية
تحميه ← شعب أكثر
خوفا.
الحاكم
لا يحكم لأنه بطل، بل لأن الشعب صامت، والقوة الكبرى لا تدعمه لعبقريته، بل لأنه
مطيع. كل طرف في هذه اللعبة يتقن دوره، إلا نحن.. نسينا أننا أصحاب الأرض.
وهم الضعف:
العملاق المشلول
العرب
ليسوا ضعفاء؛ نملك النفط، والجغرافيا، والكتلة البشرية، والمال.. لكننا بلا إرادة.
نحن كعملاق قوي الجسد، لكنه مكسور الروح.
لماذا
نصمت؟ ليس لأننا جبناء، بل لأننا: مُنهكون في رغيف الخبز، مُرعَبون من قبضة الأمن،
ومُفكَّكون بصراعات وهمية. نقاتل بعضنا، ونترك من ينهبنا.
ساحة..
لا لاعبين
روسيا
والصين وأمريكا يروننا كما نحن: مجرد ساحة. بالنسبة لهم، نحن "قواعد
عسكرية"، "محطات وقود"، و"أسواق استهلاكية". ولا أحد في
هذا العالم يحترم "الساحة"؛ الاحترام لا يُمنح إلا للاعب.
يجب ان نختار إما أن نصبح شعوبا ناضجة تُجبر العالم على احترامها، أو نظل قبائل متناحرة خائفة تُدار حياتها بـ"الريموت كنترول"
فشل غضبنا
السابق لأننا صرخنا بلا وعي، أسقطنا "الوجوه" وأبقينا على "المنظومة".
الثورة الحقيقية لا تبدأ في الميادين، بل تبدأ هنا: في العقل. تبدأ حين ترفض
الكذب، وتتحرر من الخوف، وتدرك أن السياسة ليست "نشرة أخبار" تنتظر فيها
معجزة، بل هي انتزاع مصالح.
متى يخاف
العالم منا؟
حين
نصبح: واعين، منظمين، موحدين، وصابرين. التاريخ لا يكذب: القوى الكبرى تخاف من
الشعوب الواعية أكثر من الجيوش.
في النهاية،
يجب أن نواجه أنفسنا بحقيقة أننا لسنا مستعمرين، ولسنا أحرارا، نحن في "المنطقة
الرمادية" الباردة، حيث نملك الفرصة.. ولكننا نهدرها كل يوم ونحن في كامل وعينا. لذا،
يجب ان نختار إما أن نصبح شعوبا ناضجة تُجبر العالم على احترامها، أو نظل قبائل
متناحرة خائفة تُدار حياتها بـ"الريموت كنترول".
المشكلة
ليست في واشنطن ولا موسكو، المشكلة في مواطن يعرف الحقيقة.. ويصمت. حين يتكلم هذا
المواطن بوعي، ستتوقف "صفقات التريليونات" عن تهميشنا، وسيتغير كل شيء. فأول
خطوة في طريق الحرية.. أن نتوقف عن انتظار المنقذ، ونبدأ في إنقاذ أنفسنا لأننا
نحن المنقذ الوحيد لأنفسنا".