كيف بدأ الساموراي بسحب الأكسجين من اقتصاد العالم؟

سيلين ساري
"اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي"- الأناضول
"اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي"- الأناضول
شارك الخبر
العالم لا ينهار بالانفجارات فقط.. أحيانا يختنق بهدوء. وهذا ما يحدث اليوم في الاقتصاد العالمي، حيث بدأت الأزمات من مكان غير متوقع، وكانت طوكيو مركز الزلزال المالي.. وليس واشنطن.

ولكي نفهم الأمر بشكل أوضح، لا بد أن نعرف قليلا عن اليابانيين، وما أفضل من قصص التراث لتعرفنا على طبيعة الشعوب

في التراث الياباني قصة شهيرة تُعرف بـ "الـ47 رونين". سبعة وأربعون ساموراي فقدوا سيدهم بعد أن أُهين وقُتل ظلما، فمُنعوا بالقانون من الانتقام، وراقبتهم الدولة، وظنّ الناس أنهم استسلموا.  لكنهم لم يفعلوا؛ صمتوا، وتظاهروا  بالضعف، وانشغلوا بالحياة البسيطة لمدة أربعين عاما تقريبا وهم ينتظرون اللحظة المناسبة، حتى جاءت ليلة هادئة، بلا ضجيج، نفّذوا فيها انتقامهم بدقة ثم سلّموا أنفسهم. كان انتقاما بلا فوضى، وقوة بلا استعراض. هكذا يفكّر اليابانيون، وهكذا ربما يتحرك الاقتصاد الياباني اليوم.

اليابان بعد الهزيمة.. دولة تحت الوصاية
تحولت اليابان إلى ماكينة تمويل ضخمة تمد العالم بالمال الرخيص بلا ضجيج، ولا شروط. حتى أنه وبحسب تقديرات المؤسسات المالية العالمية، وصل حجم عمليات "الكاري تريد" المعتمدة على الين الياباني في بعض السنوات إلى ما يزيد على تريليوني دولار

عام 1945 لم تكن اليابان دولة بالمعنى الحقيقي، بل كانت بلدا محترقا بعد قنبلتين نوويتين سقطتا، وشعبا مكسورا، وإمبراطورية مذلولة تحت احتلال أمريكي مباشر.

منذ تلك اللحظة أصبحت اليابان مرغمة "حليفا" لأمريكا، لكنها في الحقيقة كانت تابعا.  قالت لها واشنطن: "ازدهري لكن لا تستقلي، اغتني لكن لا تتمردي، أنتِ مصنعنا وبنكنا في آسيا". وافقت اليابان، وسكتت.. لكن الساموراي بطبيعته لا ينسى.

كيف أصبحت اليابان "بنك العالم"؟

منذ التسعينيات دخلت اليابان في ركود طويل، فخفضت الفائدة إلى الصفر تقريبا، حتى أصبح الاقتراض منها شبه مجاني. عندها بدأ المستثمر الأمريكي يقترض من طوكيو ليستثمر في نيويورك، والمضارب يقترض من طوكيو ليلعب في البورصات العالمية.

تحولت اليابان إلى ماكينة تمويل ضخمة تمد العالم بالمال الرخيص بلا ضجيج، ولا شروط. حتى أنه وبحسب تقديرات المؤسسات المالية العالمية، وصل حجم عمليات "الكاري تريد" المعتمدة على الين الياباني في بعض السنوات إلى ما يزيد على تريليوني دولار، حيث كانت أموال تُقترض بفائدة شبه صفرية من اليابان، ثم تُضخ في أسواق الأسهم والعقارات والعملات حول العالم، ما جعل استقرار كثير من الأسواق مرتبطا مباشرة باستمرار تدفق هذا المال الرخيص.

حين صار المال أكسجين واليابان هي الرئة..

مع الوقت، وبالتدريج ودون أن يشعر أحد، لم يعد هذا المال مجرد أداة، بل صار "أكسجين" ماليا أدمنت عليه الأسواق العالمية، وبُنيت عليه البورصات، واستند إليه الدولار نفسه.  وهنا تظهر الحقيقة الكبرى: اليابان كانت تمد العالم بالأكسجين المالي لثلاثة عقود، ولكن الآن قررت أن الوقت قد حان للفطام من هذا الأكسجين.

الفطام الإجباري.. هل هو صفعة أم محاولة نجاة؟

في الظاهر، قد تبدو قرارات طوكيو الأخيرة برفع الفائدة كأنها صفعة يابانية مؤدبة على وجه النظام المالي العالمي، لكن في العمق، كانت اليابان تمارس حقها في البقاء. فبعد عقود من الركود، طرق التضخم أبواب اليابانيين بشراسة، وأصبح الين الضعيف يحرق جيوب المواطنين.

لم يكن أمام اليابان خيار؛ لقد قررت ممارسة "فطام إجباري" للعالم عن أموالها الرخيصة. لم يكن قرارا عدائيا بقدر ما كان اعترافا بأن أجهزة التنفس الاصطناعي التي قدمتها اليابان للعالم لم تعد مستدامة.

عندما يختنق النظام المالي يتألم الكبار، لكن الصغار ينهارون. الدول النامية التي تعيش على الديون بالدولار والمال الساخن، وعملات ضعيفة، تكون أول من يسقط

اليابان لا تسحب الأكسجين لتخنق الآخرين، بل لتعيد ملء رئتيها هي، حتى لو كان ذلك يعني أن يواجه "المدمنون" على قروضها لحظات من الاختناق المالي الحاد.

هل هذا انتقام مؤجل؟! هل تنتقم اليابان بعد عقود لهيروشيما ولهزيمتها؟ الإجابة الصادقة: لا، فالأمر لا يتعلق بالعاطفة، بل بالوعي.

لقد فهمت اليابان أن العالم يتحول من نظام أمريكي أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب، ظهرت به الصين وروسيا والهند، وكل طرف يحصن نفسه، وعلمت أن الاستمرار في الخطة الاقتصادية القديمة صار خطرا على وجودها، فقالت اليابان بهدوء: "فلنحمِ أنفسنا"، حتى لو اهتزّ العالم.. فليكن.

لكن لماذا سيدفع الضعفاء الثمن؟ عندما يختنق النظام المالي يتألم الكبار، لكن الصغار ينهارون. الدول النامية التي تعيش على الديون بالدولار والمال الساخن، وعملات ضعيفة، تكون أول من يسقط.

مصر، تركيا، ودول أفريقيا، كلها تجد نفسها اليوم تدفع ثمن لعبة لم تكن طرفا في صنعها، لكنها طرف أصيل في تحمل نتائجها.

في النهاية، اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي دون أن تطلق رصاصة، أو تُسقط قنبلة. كل ما فعلته أنها غيّرت اتجاه الريح، وسحبت الأكسجين من رئة العالم، وتركته يتعلم التنفس وحده. هكذا فعل الساموراي دون أي استعراض أو صخب.

لا يمكن أن يقول أحد إن اليابان تنتقم، بل هي ببساطة تنسحب في اللحظة التي ينهار فيها "النظام القديم" من الداخل، وتترك التاريخ يشرح الباقي.
التعليقات (0)