حجب
استفتاء "
جيل زد".. اعتراف رسمي بسقوط الشرعية. لم يكن حجب موقع استفتاء
"جيل زد" على عزل عبد الفتاح
السيسي مجرد إجراء تقني عابر، بل كان تصويتا
صريحا من النظام
المصري لصالح الاستفتاء نفسه، وإقرارا غير مباشر بأن أي فرصة
حقيقية للتصويت الحر ستنتهي حتما بإدانته وعزله شعبيا.
في مساء
العاشر من كانون الثاني/ يناير، وتحديدا عند الساعة الثامنة، أطلق شباب "جيل
زد" استفتاء شعبيا إلكترونيا غير مسبوق، خطوة ثورية سلمية تحمل المعنى الحرفي
للعصيان المدني الرقمي، وتستند إلى إبداع شبابي واعٍ أدرك أن أدوات المواجهة
تغيّرت، وأن الميادين لم تعد وحدها ساحة الفعل السياسي.
لم تمر
سوى ساعة واحدة فقط، حتى سارع النظام المصري، في تمام التاسعة مساء، إلى حجب موقع
التصويت. ساعة واحدة كانت كافية ليكشف النظام عن فزعه، وعن هشاشته، وعن خوفه
المزمن من أي فعل شعبي حر، مهما بدا بسيطا أو رمزيا.
"استمارة
6".. حقوق لا مطالب
ما طرحه
شباب "جيل زد" لم يكن "مطالب" بالمعنى التقليدي، بل كان حقوقا
أساسية مغتصبة، ستة حقوق لا يجوز أصلا التفاوض عليها، لأنها تمثل الحد الأدنى لأي
دولة تحترم مواطنيها. ولأن هذه الحقوق لم يوفرها نظام السيسي طوال سنوات حكمه، قرر
الشباب تحويلها إلى استفتاء شعبي على بقائه نفسه.
وهنا تكمن
خطورة الفكرة وعبقريتها في آنٍ واحد: لم يخرج الشباب في مظاهرة، ولم يكسروا حجرا،
ولم يرفعوا شعارا في شارع، بل استخدموا أبسط أدوات الديمقراطية: التصويت. وكان رد
النظام.. الحجب.
الأمن
الوطني يحكم.. والعقل غائب
لا يحتاج
الأمر إلى كثير تحليل لمعرفة من اتخذ قرار الحجب، إنها ذات العقلية الأمنية
العتيقة، عقلية جهاز الأمن الوطني، الذي لا يفهم من السياسة إلا القمع، ولا يرى في
الشعب إلا تهديدا، ولا يملك من الأدوات سوى المنع والحظر والبطش.
ولو كان
في هذا النظام ذرة عقل أو رشادة، لتمت محاسبة من اتخذ هذا القرار، لأنه ورّط رأس
السلطة علنا، وحوّل استفتاء شبابيا رمزيا إلى شهادة إدانة سياسية مدوية. فالنظام
الذي يحجب تصويتا إلكترونيا، إنما يعلن أمام الجميع: نحن نعلم أن النتيجة ستكون ضدنا.
النتيجة
لم تعد مهمة.. لأنها أُعلنت
رغم
استمرار التصويت، وتزايد أعداد المشاركين بشكل لافت، فإن أحدا لم يعد في انتظار
النتيجة، النتيجة أعلنها النظام بنفسه لحظة حجب الموقع.
أعلن أن
الشعب، إذا أُتيحت له فرصة حقيقية للاختيار، لن يسمح باستمرار هذا النظام. أعلن أن
شرعيته قائمة فقط على المنع، لا على الرضا، أعلن أن صندوق الاقتراع هو عدوه الأول.
عقلية
الخمسينيات في زمن مفتوح
ما لم
يدركه النظام بعد، أن عقلية الخمسينيات الأمنية انتهت. الحجب لم يعد عائقا، برامج
تجاوز الحظر باتت في متناول الجميع، والأهم: الأفكار لا تُحجب.
حتى لو
حورب هذا الاستفتاء، ستخرج عشرات الأفكار غيره، أكثر ذكاء، أكثر انتشارا، وأكثر
تأثيرا. جيل قرر ألا يرث الخوف، ولا يقبل الوصاية، ولا ينتظر الإذن.
رسالة
أخيرة للنظام
هذه ليست
مرحلة تفكير.. هذه مرحلة قرار، والشباب في مصر اتخذوا قرارهم بالفعل: صناعة
مستقبلهم بأيديهم، وانتزاع حقهم في الاختيار، مهما طال الزمن.
إن كان في
هذا النظام عقلاء، فعليهم البدء فورا في مناقشة طريق الرحيل بأقل الخسائر الممكنة،
لأن البدائل الأخرى أكثر كلفة، وأقسى، وأشد وجعا للجميع.
في
النهاية، لا توجد معجزة قادمة، ولا صفقة منقذة، ولا قمع دائم. هناك فقط وقت.. والوقت
هذه المرة ليس في صالح النظام.