رأس الأفعى.. دراما شيطنة الخصم وتبرئة السلطة

محمد حمدي
"السردية تتجاهل معطيات الواقع القريب الذي عايشه المصريون بأنفسهم، في عصر لا تُمحى فيه الوقائع بسهولة"
"السردية تتجاهل معطيات الواقع القريب الذي عايشه المصريون بأنفسهم، في عصر لا تُمحى فيه الوقائع بسهولة"
شارك الخبر
منذ عام 2013، أصبح موسم دراما رمضان مساحة شبه ثابتة لإعادة إنتاج رواية سياسية واحدة: شيطنة جماعة الإخوان المسلمين، وتقديمها باعتبارها المصدر الحصري لكل اضطراب أو أزمة شهدتها البلاد، في مقابل إبراز الأجهزة الأمنية باعتبارها السدّ الأخير الذي يحمي الدولة من الانهيار.

في هذا السياق يأتي مسلسل "رأس الأفعى"، الذي يتبنى سردية تعتبر أن نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، د. محمود عزت، كان العقل المدبر لكل أعمال العنف والاضطراب الاقتصادي والسياسي التي شهدتها مصر. بل يذهب العمل إلى الحديث عن "لجنة افتعال الأزمات" مهمتها إغراق الدولة في الفوضى، من إخفاء الدولار وتعطيل الطرق، إلى تخريب المرافق العامة. غير أن المشكلة في هذه السردية أنها تتجاهل معطيات الواقع القريب الذي عايشه المصريون بأنفسهم، في عصر لا تُمحى فيه الوقائع بسهولة، حيث تحتفظ الذاكرة الرقمية بكل التفاصيل.

فالأزمات الاقتصادية الكبرى التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية ارتبطت بسياسات مالية واقتصادية معلنة، مثل الاقتراض الواسع من الخارج، والتوسع في مشروعات كبرى أثارت جدل حول أولوياتها وعوائدها، وتضخم غير مسبوق، وانخفاض قيمة العملة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. وهي قرارات اتخذتها السلطة التنفيذية بشكل مباشر، وأُعلن عنها رسميا، ولم تكن نتاج تحركات سرية لجماعة تم تفكيك بنيتها التنظيمية واعتقال قياداتها منذ سنوات.

إن تحميل فصيل سياسي واحد مسؤولية كل إخفاق اقتصادي أو إداري يُعد تبسيطا مخلّا لمشهد معقد، ويحول الدراما إلى أداة دعاية بدلا من كونها مساحة للفن والنقاش الحر

إذا كان د. محمود عزت المعتقل منذ عام 2020 هو المحرك الخفي للأزمات، فلماذا لم يتغير المشهد الاقتصادي بعد غياب قيادات الجماعة عن المجال العام؟ ولماذا استمرت التحديات بل تفاقمت؟

ثم إن الرواية التي تصوّر الجماعة باعتبارها تنظيما مسلحا واسع النفوذ تصطدم بسؤال منطقي: إذا كانت تمتلك هذا الحجم من القوة والتنظيم، فلماذا لم نشهد مواجهات واسعة عند اعتقال قياداتها؟ ولماذا لم تظهر أنماط مقاومة مسلحة ممتدة كما تفترضه الأعمال الدرامية؟

إن تحميل فصيل سياسي واحد مسؤولية كل إخفاق اقتصادي أو إداري يُعد تبسيطا مخلّا لمشهد معقد، ويحول الدراما إلى أداة دعاية بدلا من كونها مساحة للفن والنقاش الحر.

المواطن في النهاية لا يحكم عبر الشاشات، بل عبر واقعه اليومي: أسعار ترتفع، خدمات تتراجع، أعباء معيشية تتضاعف، ومساحة عامة تضيق.

هذه حقائق ملموسة لا يمكن معالجتها عبر إعادة إنتاج خطاب التخويف أو صناعة "عدو دائم". إن أي دولة لا تُدار عبر شيطنة الخصوم، بل عبر سياسات رشيدة ومساءلة حقيقية وإدارة كفؤة للموارد.

والنقاش الجاد حول مستقبل مصر ينبغي أن ينصرف إلى كيفية إصلاح الخلل البنيوي في الاقتصاد والإدارة، لا إلى إعادة تدوير سرديات استهلكها الواقع.

المعادلة اليوم ليست بين فصيل وآخر، بل بين إدارة ناجحة تفتح أفقا للمواطن، وإدارة تستمر في إنتاج الأزمات ثم البحث عن شماعة تعلق عليها المسؤولية.

الحل ليس صعبا، الحل أن يرحل رأس الأفعى الذي بث سمّه في كل بيت مصري، والجميع يعلم من الافعى ومن رأسها.
التعليقات (0)