هل تقصف مصر معسكرات الدعم السريع في إثيوبيا؟

حمزة زوبع
"العجز المصري ليس عجزا عسكريا لأن النظام وإعلامه يتفاخرون بقوة الجيش المصري وترتيبه المتقدم عالميا"- سلا الجو المصري
"العجز المصري ليس عجزا عسكريا لأن النظام وإعلامه يتفاخرون بقوة الجيش المصري وترتيبه المتقدم عالميا"- سلا الجو المصري
شارك الخبر
"توصلت رويترز إلى أن إثيوبيا تستضيف معسكرا سريا لتدريب آلاف المقاتلين من أجل قوات الدعم السريع شبه العسكرية التي تقاتل الجيش في السودان المجاور، في أحدث مؤشر على اجتذاب أحد أكثر الصراعات دموية في العالم لقوى إقليمية من أفريقيا والشرق الأوسط"- جزء من النقرير الذي نشرته وكالة رويترز الإخبارية يوم الثلاثاء (10 شباط/ فبراير 2026) عن وجود معسكرات للدعم السريع السودانية المتمردة داخل الأراضي الإثيوبية.

وجاء في جزء آخر من التقرير: "وقالت ثمانية مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعما لوجستيا للموقع، وهو ما ورد أيضا في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما رويترز".

وفي أخطر فقرة في التقرير جاء: "وورد في مذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية التي اطلعت عليها رويترز أنه في أوائل كانون الثاني/ يناير، كان 4300 مقاتل من قوات الدعم السريع يتلقون تدريبات عسكرية في الموقع، وأن الإمارات توفر الإمدادات اللوجستية والعسكرية لهم".

تثار أسئلة كثيرة؛ ليس حول دور الإمارات التخريبي في السودان فهذا أمر متفق عليه وتم إثباته غير مرة وبأكثر من طريقة، ولكن أين دور مصر من هذا التخريب العلني والممتد من ليبيا ومالي وتشاد إلى إثيوبيا والصومال واليمن؟

هنا تثار أسئلة كثيرة؛ ليس حول دور الإمارات التخريبي في السودان فهذا أمر متفق عليه وتم إثباته غير مرة وبأكثر من طريقة، ولكن أين دور مصر من هذا التخريب العلني والممتد من ليبيا ومالي وتشاد إلى إثيوبيا والصومال واليمن؟

لماذا تقف مصر عاجزة عن مواجهة التخريب الإماراتي المتعمد والمتكرر في دول الجوار؟ هل أصبح القرار المصري مختطف والإرادة السياسية مرتهنة بما تراه حكومة عيال زايد في أبو ظبي؟

نعود بالذاكرة لما جرى في أعقاب توقيع الجنرال السيسي لاتفاقية توزيع مياه نهر النيل والمعروفة باتفاقية سد النهضة قبل أحد عشر عاما، وهي الاتفاقية التي ضمنت لإثيوبيا حق بناء سد -بل سدود- على مياه النيل بعدما خلت الاتفاقية من أي بنود تحفظ لمصر حقوقها التاريخية في مياه النيل، وطوال السنوات الإحدى عشرة الماضية والنظام العسكري في مصر يناور بالكلمات ويهدد بالعبارات ولا يفعل شيئا، بينما تواصل إثيوبيا بناء السد وانتهت منه وقامت بعمل حفل افتتاح عظيم، وأعلنت عن تحديها للنظام المصري وأظهرت قلة حيلته وعجزه عن تغيير الموقف الإثيوبي حتى بعد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتين؛ حين قال إن من حق مصر قصف السد الإثيوبي والثانية حين زعم أنه في طريقه للوصول إلى وضع حد للخلافات بين مصر وإثيوبيا، ولم يستطع تحريك لبنة واحدة لا في السد ولا في الموقف الإثيوبي الصلب والمتماسك بفضل علاقات إثيوبيا القوية في القارة الأفريقية ومع بعض الدول العربية وعلى رأسها الإمارات ودولة الكيان الصهيوني.

ولعلنا نتذكر تصريحات السيسي الأخيرة في العام الماضي والتي قال فيها في خطاب موجه للعالم إن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام النهج غير المسؤول الذي تتبعه إثيوبيا في موضوع مياه نهر النيل، ومر الخطاب أو التهديد وتبين أن مصر مكتوفة اليدين ومقيدة الرجلين وأن الحديث عن وجود طيف واسع من الخيارات بما فيها التدخل العسكري ليس سوى تصريحات عنترية لا ترقى لأن تؤخذ على محمل الجد.

بيد أن مستجدا جديدا ظهر على السطح، وهو أن إثيوبيا تقوم بفتح معسكرات لتدريب المتمردين السودانيين على أراضيهم فيما يبدو بعد أن أغلقت معسكرات أخرى في ليبيا بعد أن تحركت مصر مؤخرا بالضغط على خليفة الجنرال حفتر وأولاده، ولكن هذه المرة ووفقا لوكالة الأنباء رويترز فدولة الإمارات هي الراعي الرسمي لهذه المعسكرات رغم النفي الرسمي لها على ما جاء في تقرير رويترز في نفس توقيت ظهور التقرير. الآن نحن أمام جريمة مكتملة الأركان، فإثيوبيا تتغول على حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل وترفض التوصل إلى حلول وسط بزعم أن الرئيس المصري وقع على الاتفاقية ولم يعترض عليها، وإثيوبيا تفتح أراضيها لعناصر المتمردين في السودان وربما لغيرهم في القرن الأفريقي بما يهدد حرية الملاحة في مضيق باب المندب، ما يعني ضربة اقتصادية للمرور عبر قناة السويس؛ أحد أهم مصادر الدخل المصري وأهم روافد الاقتصاد والسمعة المصرية حول العالم، إذن هناك أكثر من حجة يمكن للنظام المصري أن يستخدمها للتدخل ولو بقصف هذه المعسكرات المعادية على غرار ما فعل في ليبيا حين ضرب ما عرف بمعسكرات الإرهابيين في بنغازي عام 2014.

سؤال الضربة المحتملة أو المطلوبة مرتبط بعناصر عدة؛ أهمها على الإطلاق ليس الجاهزية العسكرية بل استقلالية القرار السياسي، فهل تجرؤ القاهرة على فعل ذلك رغم تلويح النظام بذلك أكثر من مرة؟

وسؤال الضربة المحتملة أو المطلوبة مرتبط بعناصر عدة؛ أهمها على الإطلاق ليس الجاهزية العسكرية بل استقلالية القرار السياسي، فهل تجرؤ القاهرة على فعل ذلك رغم تلويح النظام بذلك أكثر من مرة؟ ولو ثبت كما هو واضح من تقرير رويترز أن الإمارات العربية المتحدة تقدم الدعم اللوجستي لهذه المعسكرات، أي أنها متورطة في الأمر، فهل تجرؤ مصر على ضرب هذه المعسكرات وإغضاب دولة الإمارات الداعم الرئيس للنظام في الملف الأمني وفي ملف الحرب على الإخوان المسلمين؟

في ظل الأوضاع السياسية والإقتصادية المتردية في مصر فإن قصف إثيوبيا أو ضرب المعسكرات تبدو قصة بعيدة عن مستوى النظر لا اليوم ولا غدا، فالنظام يواجه العديد من الأزمات، وتضييق الخناق عليه يتم من أقرب المقربين، وإثيوبيا تتمدد في أفريقيا وتتحسن علاقتها مع دول الخليج ومع دولة الكيان، وبالتالي لديها القدرة على ترويج سرديتها تجاه قضية نهر النيل والمعسكرات التي تعتبرها من أعمال السيادة، ومصر كما قلت قد غلت يديها بالقيد الإماراتي والإسرائيلي ولم يعد لها ذلك الدور في العمق الأفريقي، وبالتالي سوف يمر تقرير رويترز مرور الكرام كما مر غيره؛ لأن القاهرة ليست بوارد الخروج عن الطاعة الإماراتية ولا على تحمل تبعات قرار توجيه ضربة لتلك المعسكرات وإن توفرت الحجج القانونية لذلك، ولو كانت مصر فاعلة لفعلتها من قبل، أي قبل اكتمال بناء السد وقد كانت الأجواء وقتها في صالحها.

العجز المصري ليس عجزا عسكريا لأن النظام وإعلامه يتفاخرون بقوة الجيش المصري وترتيبه المتقدم عالميا، والبعض يرى أن هذا الجيش لم يُختبر في معركة عسكرية حقيقية منذ حرب أكتوبر 1973، وبالتالي فليس من السهل إثبات القوة العسكرية إلا من خلال تأكيد ذلك عمليا لحماية المصالح المصرية الحيوية، وعلى رأسها مياه النيل وحماية حدودها من المتمردين.

لن تأخذني الدهشة إن صدر تصريح عن مسئول مصري ينكر علمه بوجود هذه المعسكرات، والقول بأن مصر لم تتحقق وأنها لن تنجر إلى تقارير مشبوهة لدخول الحرب ضد دولة صديقة هي إثيوبيا.
التعليقات (0)