قضايا وآراء

محور الشر الجديد

حمزة زوبع
"لا يكتفي ترامب بإشعال النار في الداخل، بل يريد إشعال الحروب حول العالم"- جيتي
"لا يكتفي ترامب بإشعال النار في الداخل، بل يريد إشعال الحروب حول العالم"- جيتي
شارك الخبر
"القوة لا تكمن في الدفاع ولكن في الهجوم والمنتصر لن يسئل عما إذا كان يقول الحقيقة"- أدولف هتلر

"اجعل الكذبة كبيرة، أو اجعلها بسيطة، واستمر بقولها وفي نهاية المطاف يصدقونها"- أدولف هتلر

إذا ما تأملت هذه المقولات المنقولة عن أدولف هتلر، الزعيم النازي الذي اعتلى السلطة في ألمانيا وقام بدمج المستشارية مع الرئاسة بعد اقتراح من قادة الجيش الأوفياء، وراجعتَ بدقة تصريحات وتصرفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم، ستجد أننا اليوم أما حالة هتلرية جديدة بمواصفات أمريكية شديدة البياض وشديدة الانحياز للعرق الأبيض، كما كان هتلر منحازا للعرق الآري ويراه فوق البشر.

فمعظم إن لم يكن كل تصريحات وتعليقات ترامب عنصرية منحازة للبيض (الذين يشكلون 61 في المئة من تعداد السكان، فيما يمثل السود الأفارقة حوالي 13 في المئة، والملونون الإسبان حوالي 19 في المئة، بينما يمثل الآسيويون 6 في المئة من السكان)، مثل حديثة عن الناخبين القادمين من دول "حثالة" مثل هاييتي، أو حديثه عن الصوماليين في أمريكا بأنهم دمروا البلاد وقوله "إن الصومال تعدها دول كثيرة أسوأ دولة على وجه الأرض".

لا يرى ترامب غضاضة في التصريح علانية بأنه ضد المهاجرين وأنه سيطاردهم ما دام في كرسي الحكم، وقد قامت وزارة الخارجية بقيادة أحد أضلاع ثالوث الشر وهو وزير الخارجية؛ بإبطال وسحب 100 ألف تأشيرة دخول لأمريكا مرة واحدة، وهو ما اعتبره بمثابة "مجزرة التأشيرات"، من بينها 8000 تأشيرة طلابية من المفترض أنها تمثل فرصة ذهبية للمخزون البشري لأمريكا؛ لأن معظم هؤلاء الطلاب يدفعون الملايين من أجل التعليم في أمريكا، وبعضهم يحصل على الجنسية وخصوصا المتفوقين منهم في مجالات العلم المختلفة. كما أوكل ترامب مهمة ملاحقة المهاجرين من الدول الفقيرة ومن العرق الأسود أو الملونين إلى كريستي ناوم، وزيرة الأمن الداخلي ذات الأصول النرويجية، وهي امرأة تكره نفسها وتتحدى القانون الأمريكي وترفض الاعتراف بخطأ قتل قوات الهجرة والجمارك المعروفة اختصارا بـ" آيس" لمواطنة أمريكية. وقد وصل عدد المهاجرين المعتقلين في السجون ما يزيد عن 60 ألف مهاجر غير شرعي، ويسعى ترامب لزيادة عدد السجون استعدادا لتكثيف حملاته ضد المهاجرين رغم وفاة ما يزيد عن عشرة مهاجرين داخل تلك السجون.

ترامب ليس زعيما سياسيا يخطئ ويصيب، بل هو مصيبة سياسية وقعت على رأس أمريكا والعالم، فهو يرى أن القوة هي السبيل الوحيد للبقاء في السلطة ولو اضطر لاستخدامها ضد شعبه وضد خصومه السياسيين، كما فعل ويفعل برئيس مجلس الاحتياطي النقدي جيروم باول، فحرّض ضده وهدده ونال منه وأمر وزير العدل بفتح تحقيق معه بتهمة إهدار المال العام، لدرجة جعلت الرجل يخرج في فيديو مصور ليحدّث العالم عن إهانة وتضييق ومحاولة إذلال الرئيس الأمريكي له، ببساطة لأنه عارضه في السياسة النقدية، وقال إن التحقيق معه "نتيجة تحديد الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بناء على أفضل تقييم لدينا لما يخدم الجمهور، بدلا من اتباع تفضيلات الرئيس" يعني أن ترامب يريد إدارة السياسة النقدية وفق مصالحه ومصالح المجموعة التابعة له.

لا يكتفي ترامب بإشعال النار في الداخل، بل يريد إشعال الحروب حول العالم، فقد هدد بالحرب على المكسيك وكولومبيا وكوبا وإيران، وطالب بضم كندا، كما قام بخطف رئيس دولة مستقلة من قصره على إثر عملية "مخابراتية" ساهم في نجاحها وجود بعض الخونة من المحيطين بالرئيس الفنزويلي المخطوف مادورو، ولولا تلك الخيانة ما استطاع ترامب ولا جيشه فعل ذلك، ولكنه أراد أن يسجل الواقعة على أنها انتصار عسكري ضخم لا يقوم به أحد إلا ترامب وجيشه العظيم. هذه الجريمة في حد ذاتها تشكل خرقا للقانون الدولي، ولكن ترامب أو هتلر الجديد لا يعبأ بالقانون الدولي كما صرح بالقول بأن مرجعيته في تقدير الأمور هي أخلاقه الشخصية، تماما كما قال جنرال مصر يوما ما إنه لا أحد يقدر على محاسبته إلا الله.

ترامب رئيس أمريكا قام بنشر صورة على وسائل التواصل الاجتماعي وضع فيها صورته وكتب تحتها "القائم بأعمال رئيس فنزويلا"، دونما أي اعتبار لدولة مستقلة؛ لم يقم حتى ترامب بغزوها بل قام بخطف رئيسها وتهديد نائبة الرئيس دلسي رودريجيز؛ التي أبدت نوايا حسنة تجاه ترامب حتى قيل إنها هي من أبلغت عن مكان الرئيس الفنزويلي المخطوف.

لا يكتفي ترامب بحكم أمريكا، بل يرى نفسه حاكما للعالم بأسره فقد أعلن نفسه رئيسا لمجلس السلام في غزة بعد أن أعلن عن رغبته في الاستيلاء على غزة دون أي مرجعية قانونية أو حق مشروع، فقط قال أريدها، وهو نفسه الذي أعلن أن يرغب في الاستيلاء على نفط فنزويلا وبيعه في الأسواق، دون أن يوضح ما هي المبررات والمسوغات التي تدفع رئيس دولة أجنبية للاستيلاء على نفط دولة أخرى وبيعه بوجه مكشوف ودون أي مواربة، مدعيا أنه يسترد حقوق شركات أمريكا النفطية التي تم تأميمها في زمن الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز. هو نفسه ترامب الذي أعلن أنه يرغب في ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك والتي تبلغ مساحتها أكثر من مليوني كيلومتر مربع، لأمريكا، وحين سئل كيف يكون ذلك وهي ملك لدولة أخرى مستقلة هي الدنمارك؟ قال إنها مهمة للأمن القومي الأمريكي ونحن نريدها. وكما علق المقربون من ترامب، فإنه يطالب بالاستحواذ على الأشياء كما يفعل الأطفال وأنهم لا يستطيعون معارضته بل مسايرته في كافة الأمور كما يفعلون مع الأطفال حتى لا يغضب.

سئل ترامب عن إمكانية تعيين وزير حارجيته ماركو روبيو رئيسا لجمهورية كوبا فأومأ قائلا: "ولِمَ لا، إنها فكرة جيدة"، أي أن ترامب يوزع المناصب في خارج أمريكا كما يوزعها في دخل البيت الأبيض. وللعلم فإن ماركو روبيو ينحدر من أصول كوبية، وكتب في مذكراته أنه يحلم بعودة المنفيين إلى كوبا ليحكموها، ويبدو أن ترامب يسعى لتحقيق أحلام روبيو دون حتى سؤال الشعب الكوبي وأخذ رأيه في المسألة.

أما ثالث الأشقياء في محور الشر فهو وزير الحرب (الدفاع سابقا) فهو بيت هيجسيث، الرجل السكّير، وهو متطرف مسيحي مؤمن بالحروب الصليبية وكتب كتابا بعنوان "الحملة الصليبة الأمريكية" ويعتبر نفسه المحارب الصليبي الأخير، وقد رسم كلمة "كافر" باللغة العربية بالوشم على ذراعه الأيمن ورسم الصليب على صدره، ورغم علاقات ترامب بالعرب والمسلمين خصوصا عرب الخليج إلا أنه لم يراع في اختياره هذا الأمر، ولو كان الوشم عن اليهود لطرده أو لم يعينه في الأساس.

جاء في كتاب هيجسيث عن الإسلام: "بالنسبة لأولئك الذين يتبعون الدين الإسلامي بدقة، فإن نص القرآن وتعاليم النبي محمد معصومة من الخطأ، ولا تقبل الشك، مما يجعل نص الإسلام يمثل التحدي الحقيقي. ومما يزيد الأمور تعقيدا، أن الإسلام ليس مجرد دين، بل هو أيضا نظام حكم قائم على الشريعة الإسلامية بأشكالها المختلفة، ونظام قضائي وجنائي، وأسلوب حياة ثقافي للمسلمين المتدينين؛ مما يعني أن الإسلاموية، وكذلك الإسلام السياسي السائد، لا يمكن أن تتعايش سلميا مع أي نظام حكم آخر".

هيجسيث وكما كتب في كتابه، يرى أهمية استعادة المجد الصليبي المسيحي بشن الحروب على المسلمين مرة أخرى، ولكن هذه المرة بالتعاون مع أصدقائهم في دولة الكيان الصهيوني، "مثل إخوتنا المسيحيين قبل ألف عام، يتعيّن علينا أن نقاتل، نحن في احتياج إلى حملة صليبية أمريكية، ونحن المسيحيين، إلى جانب أصدقائنا اليهود وجيشهم الرائع في إسرائيل، في احتياج إلى حمل سيف أمريكا بلا اعتذار، والدفاع عن أنفسنا".

السياسة الأمريكية بقيادة محور الشر الجديدة هي سياسة الإفناء والتدمير وليست البناء والتعمير، وهي سياسة القوة وليست قوة السياسة،

هكذا يرى وزير الحرب الأمريكي الإسلام والمسلمين، وبالتالي فهو أحد أضلاع الثالوث الشرير المعادي للإسلام والمسلمين وللبشرية حين تختلف معه، لا بل إنه لا يرى الأمريكان الديمقراطيين كساسة منافسين للجمهوريين، بل يراهم مجموعة من الشيوعيين واليساريين وأنصار العولمة واتفاقية التجارة (الجات).

ترامب ومساعدوه في الحكم في وزارتي الخارجية والحرب (الدفاع سابقا) يشكلون أخطر تنظيم عصابي في العالم، فقد شرعن وزير الخارجية الكوبي الأصل له الهجوم على كل مؤسسات العالم وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظماتها، ويكاد يقنع ترامب بالخروج من الناتو وبالاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وهو صاحب فكرة الصدام العنيف مع الاتحاد الأوروبي وتعرية الأوروبيين وكشف ضعفهم أمام شعوبهم والعالم، وهو يقف خلف تردد أمريكا في حسم الدعم الكامل لأوكرانيا لأنه كمستشار للأمن القومي أيضا يرى أن استنزاف أوروبا وروسيا في صالح النفوذ والقوة الأمريكية، وهو أكبر مؤيد لضرب إيران باعتبار أن ضرب إيران يضمن حدوث فوضى في العالم العربي والشرق الأوسط سوف تستفيد منها أمريكا ودولة الكيان الصهيوني والحزب الجمهوري الحاكم؛ الذي يواجه استحقاقا انتخابيا مؤثرا هذا العام قد يؤدي إلى البدء في إجراءات خلع الرئيس ترامب إذا ما حصل الديمقراطيون على الأغلبية التي تمكنهم من فعل ذلك، وهو أمر يبدو في المتناول بعد أن عبر ترامب عن هذه المخاوف صراحة في حديثه للمراسلين المصاحبين له على متن طائرته الرئاسية مؤخرا.

السياسة الأمريكية بقيادة محور الشر الجديدة هي سياسة الإفناء والتدمير وليست البناء والتعمير، وهي سياسة القوة وليست قوة السياسة، وفي اعتقادي أن هذه السياسة التدميرية سوف تقضي على أمريكا قبل أي شيء آخر.
التعليقات (0)