قضايا وآراء

العالم تحت وحشية مزدوجة

نزار السهلي
"تشكل هذه السابقة تذكيرا صارخا بعواقب العدوان والتدخل المباشر في شؤون البلدان الأخرى، والتي تفتقر إلى الشرعية الدولية"- AI by Sora
"تشكل هذه السابقة تذكيرا صارخا بعواقب العدوان والتدخل المباشر في شؤون البلدان الأخرى، والتي تفتقر إلى الشرعية الدولية"- AI by Sora
شارك الخبر
أخطأ كثيرون في تقدير تصريحات دونالد ترامب غداة انتخابه للمرة الثانية، بإعلانه إعادة تسمية خليج المكسيك باسم أمريكا، وشهية بلاده بالسيطرة على قناة "بنما"، وحديثه المتكرر عن شراء جزيرة غرينلاند الدانماركية أو السيطرة عليها بالقوة، فقد أظهر الهجوم العسكري الأمريكي على العاصمة الفنزويلية كراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، أن الولايات المتحدة تعود للخلف قرنا من الزمان وتذكّر العالم بحديقتها الخلفية، وبأنها القوة العظمى التي لا يمكنها التخلي عن الإمبريالية الجديدة التي لا تقل شراسة عن سابقتها، ولا يمكنها المضي بحمل شعارات السلام والتعاون بين الشعوب، ولا باحترام القانون الدولي ورغبة الشعوب بتقرير مصيرها.

الديكتاتوريات ووحشية السلطة لا تبرر كل شيء؛ إزاحة السلطة بالغزو الخارجي، وممارسة العدوان على سيادة الدول، وحياكة المؤامرات لتغيير أنظمة الحكم، مثل العدوان على كراكاس واختطاف رئيسها، وإعلان ترامب السيطرة على نفط البلاد ورغبته في إدارتها، يُسقط كل الرغبات الفارغة عن "الديمقراطية" والاعتبارات الجوهرية لبقايا القانون الدولي التي من المفترض أن تحمي العالم من قانون الغاب الذي تفرضه القوة الغاشمة، هذه القوة التي تسحق الدستور الأمريكي أولا الذي ينص على أن الكونغرس وحده مخول بإعلان الحرب، لكن تصوير خطة تغيير النظام في فنزويلا على أنها عملية "شُرطية" تهدف الى تقديم مشتبه به إلى المحاكم الأمريكية؛ لا يرضي إلا من لا يكترث بالقانون الأمريكي.

إزاحة السلطة بالغزو الخارجي، وممارسة العدوان على سيادة الدول، وحياكة المؤامرات لتغيير أنظمة الحكم، مثل العدوان على كراكاس واختطاف رئيسها، وإعلان ترامب السيطرة على نفط البلاد ورغبته في إدارتها، يُسقط كل الرغبات الفارغة عن "الديمقراطية" والاعتبارات الجوهرية لبقايا القانون الدولي

تشكل هذه السابقة تذكيرا صارخا بعواقب العدوان والتدخل المباشر في شؤون البلدان الأخرى، والتي تفتقر إلى الشرعية الدولية. ربما لا تحتاج شعوب المنطقة العربية بما يذكرها بحقيقة وجوهر السلوك الإمبريالي لأمريكا في قضاياها وشؤون بلادها، ولا تتطلب قدرا كبيرا من التبصر لتلمس العمى الذي يصيب الأيديولوجية الإمبريالية والجشع المفترس لكل الشعارات التي تسوقها أمريكا للمنطقة وللعالم. فغزو العراق عام 2003 شكّل أول ضربة قوية للنظام الدولي الذي أرسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ومواقفها من الاحتلال الإسرائيلي تاريخيا حتى حرب الإبادة على غزة خلخلت الأسس العامة للشرعية الدولية وقوانينها. فسابقة كراكاس ليست النموذج الوحيد في عقلية دونالد ترامب التي أسقطت عنه كل الزيف الذي حاول بناءه عن نفسه، كـ"مخلّص" لكل مشاكل وحروب العالم.

من وجد فضائل بزعامة دونالد ترامب، وبمطرقة القوة التي يرفعها بوجه العالم، سيندم كثيرا على سياسة التراخي التي أظهرها أمام غطرسة القوة الأمريكية وأمام سياسة النفاق والتبجح عن "السلام"، والتعاون مع إدارته، عندما تتحول مصالحه بشكل تعسفي إلى التهديد والتدخل بشكل مماثل، والعبث بكل شيء، فيصبح كل شيء رمادا. فاستعراض القوة الذي يظهر في خطاب وسلوك إدارة ترامب رسالة موجه للعالم كله، من كندا إلى غرينلاند، مرورا بـ"ريفيرا غزة"، وهنا يقفز السؤال المنطقي عن القراءة العربية الرسمية التي كانت تتغزل دوما بفضائل زعامة دونالد ترامب؛ كيف تقرأ وتحلل وتستنتج رسائل الغزو الأمريكي لفنزويلا واعتقال رئيسها؟ وهل إيمانها ثابت بقدرة الإدارة الأمريكية على الضغط على إسرائيل لتنفيذ مبادرة ترامب لـ"السلام"؟

لا موقف، ولا رسالة عربية، نددت بالغطرسة الأمريكية في فنزويلا، لظن بعض الأطراف أنها غير معنية بما يجري بعيد عن أوطانها، ولظن البعض أنه معني بالبقاء داخل العباءة الأمريكية الإسرائيلية التي تضمن له التحرر من أي موقف، فالمصالح مؤمنة كما ينبغي لها أن تكون في الجعبة الأمريكية، فلا خطوط حمراء على شروط وإملاءات الإدارة الأمريكية في فنائها العربي مقلقة لها، والمال والنفط والأمن مستتب،
عقلية الإدارة الأمريكية الحالية، بكل ما تحمله من إشارات سلبية في السياسة والاقتصاد والأمن نحو العالم، لن تكون إيجابية الحضور في قضايا المنطقة العربية، وخصوصا القضية الفلسطينية
غير أن واقع السلوك الإمبريالي يدحض هذا الأمان، إذا تمت قراءته من زاوية أخرى، فالجزيرة القطبية غرينلاند تتبع لحليف الولايات المتحدة (الدنمارك)، التي يصر ترامب على الاستحواذ عليها بالقوة أو الترهيب للتخلي عنها.

عودة الوحشية المفترسة للإمبريالية الأمريكية، من البوابة الفنزويلية، تضع العالم على المحك في الاستمرار بالزيف الطويل لفكرة التعايش السلمي وتطبيق القانون الدولي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، واحترام شرعة حقوق الإنسان وتقرير المصير للشعوب في أوكرانيا وتايوان وفلسطين وأمريكا اللاتينية وحتى أوروبا الواقعة تحت التهديد الروسي والأمريكي على حد سواء. فإرهاب الدولة بات يشكل أهمية بالغة في عودته لقبضة الإدارة الأمريكية، لإدارة مصالح الإمبريالية الأمنية والاقتصادية في العالم، وللحفاظ على هذه الاستراتيجية تعود سياسة تشويه قضية تقرير المصير للشعوب بقوة، وتفعيل سياسة "تأديب" الخصوم والحلفاء ونعتهم بالإرهاب ومعاداة "السلام"، بعد فشلها بالإيفاء بوعد خفض التصعيد في العالم وإنهاء النزاعات الدولية بالطرق السلمية، وهذا بحد ذاته يفقد الإمبريالية الأمريكية القدرة على الاستمرار في ارتداء قناع "الحضارة" وادعاء احترام الشعوب ورغباتها.

أخيرا، عقلية الإدارة الأمريكية الحالية، بكل ما تحمله من إشارات سلبية في السياسة والاقتصاد والأمن نحو العالم، لن تكون إيجابية الحضور في قضايا المنطقة العربية، وخصوصا القضية الفلسطينية، والمتوقع من الإدارة الأمريكية مستقبلا أن تقدم للعالم العربي صدمة أكبر مما تعرض لها العالم في غزة بعد فنزويلا، بتكثيف الضغط أكثر على النظام الرسمي العربي على اعتبار أن الغزو الأمريكي لكراكاس بداية حقيقية لانهيار النفاق الإمبريالي عن القانون الدولي، وإنكار لكل الشرائع ومقدمة لتركيع من لم يركع للإمبريالية ولإسرائيل في المنطقة العربية، وما لم تُقرأ رسالة الغزو عربيا بهذا الشكل الجميع تحت تهديد الوحشية المزدوجة لأمريكا وإسرائيل.

x.com/nizar_sahli
التعليقات (0)