التضليل الإسرائيلي في حلف نتنياهو المضاد للمحورين "السني والشيعي"

نزار السهلي
"واحدة من سياسات التضليل الإسرائيلي"- جيتي
"واحدة من سياسات التضليل الإسرائيلي"- جيتي
شارك الخبر
لا أحد يدرك مآل صورة إسرائيل وموقعها، أكثر من قادتها وحلفائها، وبالنظر لحجم جرائمها في غزة، واتساع نطاق تطبيق نظام الفصل العنصري (الابارتايد) على بقية أرض فلسطين المحتلة، هناك وعي بالأسس المشتركة بين المشروع الصهيوني والسياسة الأمريكية الغربية، التي تحاول تكريس القوة الغامرة لإسرائيل كأداة تثبيت مهيمنة تمارس ما يبشر به عتاة الصهيونية من بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وغيرهم، وكما أفصح عنه سفير ترامب في تل أبيب، مايك هاكابي، مرارا وفي كل مناسبة، من تفسيرات عن الصهيونية وفق إيمانه بها مع زعيم البيت الأبيض، والتي تتعارض بالمطلق مع كل أكاذيب الإدارة الأمريكية ورؤيتها للسلام، وكذلك يفعل ليندسي غراهام في تبرير جرائم الإبادة وضرورتها.

فحديث سفير ترامب في تل أبيب مؤخرا عن حق إسرائيل بالأرض الموعودة من الفرات إلى النيل كحق إلهي توراتي تلمودي، يجسد حقيقة سياسة إدارة ترامب الحالية ويشرح رؤيتها للسلام من وجهة النظر الأمريكية، بعيدا عن الاحتفالات بالتطبيع والمؤتمرات والخطب المتصلة بها، فكل الجهد الأمريكي منصب الآن ومشترك مع الجهد الإسرائيلي في استعادة سردية وصورة متصدعة ومقلقة لقادتها. وحديث بنيامين نتنياهو عن مسعى حكومته للعثور على حلف بمواجهة المحورين "السني" و"الشيعي"؛
محور نتنياهو المزعوم، والذي ينتظر تشكيله، يحمل إشارة قوية عن قرب توجيه ضربة أمريكية لإيران تُحدث تغييرا في النظام القائم، وبانتظار قيادة إيرانية حليفة لإسرائيل
يضمن متانة إسرائيل ومستقبلها، وإقامة منظومة كاملة تشترك معها في الرؤية لحصد نتائج مشتركة مع دول عربية وأفريقية وآسيوية، هو تعبير عن المأزق الإسرائيلي من تركة جرائم الحرب والإبادة في غزة، ومحاولة إيجاد تغطية آمنة لبقية مشروع السيطرة على الأرض والقضاء على الحقوق الفلسطينية كلها.

محور نتنياهو المزعوم، والذي ينتظر تشكيله، يحمل إشارة قوية عن قرب توجيه ضربة أمريكية لإيران تُحدث تغييرا في النظام القائم، وبانتظار قيادة إيرانية حليفة لإسرائيل، وقد يكون الإصرار الأمريكي الضاغط على إيران بقوة البوارج الحربية وحاملات الطائرات، وتحديد مهلة زمنية للتوقيع على اتفاق مع واشنطن؛ الورقة الأولى لهذا التحالف "الوليد" في عقل نتنياهو، فكل المحاور في المنطقة العربية تصب في النهر الإسرائيلي الأمريكي، منكفئة على ذاتها بدلا من قضاياها الأمنية والوطنية والقومية. حتى في حالة الغضب العربي من تفسيرات سفير البيت الأبيض في تل أبيب، لم يرتق مستوى الاحتجاج على منح سفير ترامب إسرائيل الحق في الاستيلاء على دول عربية، ما يعني اختفاءها من الخارطة السياسية. وفي نفس الوقت يقوم نتنياهو بتسريب معلومة عن قرب تشكيل محوره الخاص الذي يضم بعض الدول العربية، من دون ردة فعل عربية.

آمال نتنياهو الكبيرة في محوره الجديد، مستمدة من غطرسة القوة والعدوان، ومن تشتيت المواقف العربية المتباينة في تقدير حجم المخاطر التي تحيط بالدول العربية، ومن سوء تقدير أوهام مخاطر داخلية ثبت بكثير من البراهين والأدلة الاتجاه الحقيقي لمعاداتها وتضخيمها لصالح مشاريع لا علاقة لها لا بالأمن الوطني ولا بالحفاظ على سيادة واستقلال؛ بقدر توظيفها لبقاء نظام حكم، أو الانقلاب عليه، أو لحصار وإضعاف القضية المركزية العربية ومساعي كنس الاحتلال الصهيوني من الأرض العربية المحتلة، لكن من قال إن محاولة إسرائيل لبناء محور يحميها ستكون بديلا عن محور "المقاومة" الذي تصدى لها، والذي تتفاخر إسرائيل بأنها استطاعت القضاء عليه وحان الوقت لتأديب الإرادة الفلسطينية والعربية بنفس المحور الذي علقت عليه آمالها عقودا طويلة؟

سيبقى المنخرطون بهذا الوعي في حالة تكاثر؛ على عكس أوهام وأمنيات صهيونية بقدرتها على تحقيق سحق نهائي وأبدي لأصحاب الأرض والتاريخ، وتزييف إرادة شعوب، وإلا لماذا كل هذا القلق الصهيوني على الوجود والمستقبل وإكثار الحديث عن محاور تأمين الوجود؟

هذه واحدة من سياسات التضليل الإسرائيلي، فالمحاولات التي بُذلت في الأوساط العربية، من تطبيع وتحالف بحجة المنفعة المتبادلة وتقارب الشعوب من بعضها وإحياء الشرق الأوسط بتعاون تجاري واقتصادي وأمني ومائي وغيره، وما يمكن أن تقدمه الصهيونية من منافع مادية للمجتمعات العربية، كل ذلك دُفن منذ "أوسلو" وإعادة احتلال كل الضفة، وأهيل عليه التراب مجددا بحطام غزة وعشرات آلاف جثث الضحايا، ويُستكمل اليوم بمشاريع الاستيطان الضخمة التي تحول دون قيام دولة فلسطينية وسلام مزعوم ومحور متخيل يحمي الجرائم إلى ما لا نهاية.

قبل السابع من أكتوبر 2023، كانت إسرائيل تمتلك أقوى محور غربي أمريكي، ولوبيات ضاغطة تصول وتجول في سردية التزييف والسطو، وأصاب هذه السردية ما أصابها أثناء ارتكاب جرائم الحرب والإبادة، وطغت صورة الوحشية الصهيونية على أطفال ونساء فلسطين في كل شوارع المعمورة، وباعتراف ترامب نفسه. فعلى الرغم من السياسة المدروسة للوبيات إسرائيل لمواجهة الفلسطينيين وتقديمهم كوحوش بشرية يجب القضاء عليهم والدعوة لإبادتهم بقنابل نووية، حوصرت هذه الرواية والسردية بمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وأصبح الباحث عن طوق نجاة في محاور متخيلة متهم كمجرم أمام العدالة الدولية.

وإذا كان هناك من امتياز تحقق رغم ضعف كل المواقف المساندة للفلسطينيين وقضيتهم، فهو الأسبقية الفلسطينية في فضح كل المخططات المزعومة عن السلام وإقامة الدولة، والانصياع لشروط وضغوط المجتمع الدولي المنافق لسياسة العدوان والغطرسة الصهيونية. وهذا يظهر الباعث الذي يدفع نتنياهو للبحث عن محور رديف لمجلس ترامب للسلام المزعوم، والذي يسهل تكريس نظام الفصل العنصري وإقفال دائرة جريمة النكبة الجديدة. التضليل الإسرائيلي الأمريكي المكشوف لشوارع عربية سيعيد بناء العداء المرير لإسرائيل بكل قوة وعناد، عند كل من أدرك جسامة الخطر الصهيوني وأطماعه في إسرائيل الكبرى وكل فلسطين. وسيبقى المنخرطون بهذا الوعي في حالة تكاثر؛ على عكس أوهام وأمنيات صهيونية بقدرتها على تحقيق سحق نهائي وأبدي لأصحاب الأرض والتاريخ، وتزييف إرادة شعوب، وإلا لماذا كل هذا القلق الصهيوني على الوجود والمستقبل وإكثار الحديث عن محاور تأمين الوجود؟

x.com/nizar_sahli
التعليقات (0)