مؤتمر "فتح": الذراع المكسورة لأوسلو

نزار السهلي
"ما الذي سيطرأ على حركة تحرر وطني بعد انعقاد مؤتمر تعتلي قيادته ولجنته المركزية؛ عقلية لن تغير من فاعلية الإرادة الفلسطينية المقهورة من سلوكها ونهجها؟"- الأناضول
"ما الذي سيطرأ على حركة تحرر وطني بعد انعقاد مؤتمر تعتلي قيادته ولجنته المركزية؛ عقلية لن تغير من فاعلية الإرادة الفلسطينية المقهورة من سلوكها ونهجها؟"- الأناضول
شارك الخبر
المؤتمرات والانتخابات والتعددية السياسية، كأحد المظاهر الصحيحة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، هي في المحصلة من مقومات قوة الموقف الفلسطيني وحيويته، فضلا عن كونها شرطا طبيعيا لوجود مناخ ديمقراطي يحقق تمثيل صادق لحقوق شعب وقضية؛ غير أن ما يجري في تلك المؤتمرات ومنذ عقود خلت، يقود لإخفاقات متتالية، مردها الأساسي ليس نضوب الإمكانيات الإبداعية عند الشعب الفلسطيني، وليس بالضرورة انعدام خياراته الكلية في ابتكار وسائل المواجهة لمشروع استعماري يسعى لاقتلاعه من الوجود، ففي الأدبيات الفلسطينية المتعددة شرحٌ وفهم  فائض لتلمس طرق الإمساك الصحيح بنهج وثوابت الصراع، وإدارة الظهر للخيارات والوسائل، وإقصاء المعرفة والقدرات، وإسقاط الأدبيات والبديهيات، وخلق شللية وترهل وفساد، وتعطيل لمجمل العمل المؤسساتي في منظمة التحرير الفلسطينية وحركتها الوطنية؛ بالتأكيد ستكون النتائج مأساوية على مشهد تتقزم فيه القضية الفلسطينية ويتغول عليها العدوان والاستيطان والإبادة الجماعية.

انتهى مؤتمر حركة "فتح" الثامن إلى انتخاب لجنته المركزية ومجلس الشورى، على قاعدة شعار سعيه لترتيب الوضع الداخلي، وتعزيز الشرعية السياسية للحركة. ولا شك أن النتائج النهائية للمؤتمر كانت مرهونة إلى حد بعيد بالمفاعيل الذاتية والموضوعية التي تعصف بالواقع الفلسطيني، وبالقضية وبحركة تحرر وطني فلسطيني ظل الأمل معقودا عليها بأن تُدرك يوما ما نهجها المتكيف مع سياسة العدوان الإسرائيلي عليها وعلى شعبها وقضيتها. ومع تراجع خيارات حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية النقيضة،
يؤكد أن سمات المرحلة الجديدة لحركة تحرر وطني لم تتبدل في التمسك بتلابيب اتفاق أوسلو الذي تطرق إليه أبو مازن بالتهكم "نريده" حتى لو كان خيانيا
جاءت نتائج المؤتمر الثامن مع البيان السياسي الذي تلاه الرئيس أبو مازن (90 عاما) والمنتخب بالإجماع، وبعد نجاحه في توريث بعض كراسي اللجنة المركزية، وهو ما يؤكد أن سمات المرحلة الجديدة لحركة تحرر وطني لم تتبدل في التمسك بتلابيب اتفاق أوسلو الذي تطرق إليه أبو مازن بالتهكم "نريده" حتى لو كان خيانيا.

ثمة حقيقة لا تحتاج إلى برهان، وهي أن مشكلة مؤتمر حركة "فتح" ليست في تحليله عبر الكلمات للواقع الفلسطيني والعدوان عليه وإحصاء مشاريع الاستيطان والضم، وصولا إلى التحلل الإسرائيلي من الاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية (أوسلو)، وإفراغ مضمون وجود السلطة وتعطيل دورها، وتعطيل فاعليتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بل في النظر لنفسها وتحولها التاريخي من حركة تحرر إلى حزب سلطة شرطي وخدمي فاشل. فما طرأ من تغييرات على حركة تحرر وطني ومنها "فتح" التي تشكل العمود الأساسي للسلطة، هو في حدود أسلوب الشكوى من ممارسات الاحتلال، والحفاظ على ترهل حركة تحرر وطني والحرص على فسيفساء أعضائها في حالة تبعية مباشرة وغير مباشرة من الولاء المطلق للرئيس والسلطة ولبرنامجه السياسي المرتبط بفشل أوسلو الكلي، والتجاهل المطلق أيضا للأسس التي تقوم عليها حركة تحرر وطني تواجه ما تواجهه من عدوان على أرضها وشعبها وقضيتها، والتي تشكل خطرا جديا ووجوديا عليهما.

ترتيب البيت الفتحاوي، في انتخابات المؤتمر الثامن للحركة، تصويب وتأكيد على نهج فشل منيت به حركة تحرر وطني نتيجة التمسك بخيارات تفشل وتتلاشى، ونداء المطالب الطويلة في الخطاب الفتحاوي يستند على طلب العون من المجتمع الدولي والتمسك بما مزقته إسرائيل ودفنته، أي لم يحمل جديدا يؤسس عليه إجماع فلسطيني ووحدة وبرنامج يلتف حوله الشارع الفلسطيني وكل الفتحاويين، لأن بقية أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية مطلوب منها الانصياع والالتزام بنهج والتزامات السلطة التي تتطابق مع رؤية "فتح".
طبيعة المرحلة وتلمس معالمها، كانت تقتضي العمل السريع والمباشر لوضع أسس جدية تسمح بحشد طاقات الشارع الفلسطيني وقوى الفصائل الوطنية، لإقامة توازن حقيقي أمام منهج وسلوك وخطاب بن غفير وسموتريتش ونتنياهو وغيرهم
ومهما كانت الاختلافات في تقييم مسيرة الحركة منذ انطلاقتها قبل ستة عقود حتى انعقاد المؤتمر الثامن، فإن أبرز المظاهر السلبية وأكثرها خطورة تتمثل في إخفاق حركة تحرر وطني في تفعيل مؤسساتها الوطنية وأطرها المشتركة، والاكتفاء بتسجيل المواقف ونعت "المقاومة" وتبادل الاتهامات معها.

على الرغم من امتلاك حركة "فتح" ما تقدمه من مبررات مبدئية أو إجرائية، لتجاوز خلل ترهلها وإضعاف فاعليتها، فإن طبيعة المرحلة وتلمس معالمها، كانت تقتضي العمل السريع والمباشر لوضع أسس جدية تسمح بحشد طاقات الشارع الفلسطيني وقوى الفصائل الوطنية، لإقامة توازن حقيقي أمام منهج وسلوك وخطاب بن غفير وسموتريتش ونتنياهو وغيرهم من الذين يذكّرون الشعب الفلسطيني بالأسس والثوابت التي ينطلقون منها للممارسة الفاشية عليهم، وينبهونه إلى أن ما يتطلع إليه من سلام وتعايش غير موجود في حركات وأحزاب صهيونية تلمودية توراتية توسع من حقل خياراتها، مقابل حركة تحرر اختلت خياراتها وتراجعت أمامها.

أخيرا، يبقى السؤال المطروح: ما الذي سيطرأ على حركة تحرر وطني بعد انعقاد مؤتمر تعتلي قيادته ولجنته المركزية؛ عقلية لن تغير من فاعلية الإرادة الفلسطينية المقهورة من سلوكها ونهجها؟ إعادة إنتاج مؤتمر "فتح" الثامن لذات الشخصيات المترهلة والتمسك بالفشل كخيار أبدي وبوصفه حلا تتمسك به السلطة أمام عدو الشعب الفلسطيني، يُفقد الشعب الفلسطيني فرصة أخرى تسد الفراغ الناجم عن تمزق البيت الفلسطيني وحالة التدهور التي يشهدها، وسيزيد من تنشيط السلوك العدواني الإسرائيلي. فالمؤتمرات لحركات التحرر الوطني الفلسطيني وأحزابها، يفترض بها أيضا تقديم البرهان لشعبها أن حالة التنافر معه والانشطار فيه وضعف موقف حركة تحرر وطني؛ هو نتيجة عدم مراجعة فعلية للرهانات والسياسات الفاشلة؛ بوصفها خللا لا حلا ويمكن البدء منها لتحقيق أدنى مستلزمات تجديد الاتصال بقضيتها وشعبها على نحو صحيح، إذا نظرت الحركة لنفسها على أنها الوتد القوي للبيت الفلسطيني وليس الذراع المكسورة لأوسلو فوق رأس شعبها، والمشلولة أمام عدوها.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)