لعقود طويلة تغذى الرأي العام الغربي على سردية بسيطة
سهلة الفهم، بحيث قُسم العالم إلى نوعين من الدول: ديمقراطية محبة للحرية والسلام،
وأخرى شريرة استبدادية، تكمم أفواه المعارضين وتسحقهم وتقمع الصحفيين، وتعتدي على
المتظاهرين بالضرب والاعتقال وتوجيه الأحكام لهم، وتفرض رقابة على ما لا يروق لها.
تصدرت وجبة التغذية هذه في الغرب على دول مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا
الشمالية، وبعض الأنظمة العربية، ثم أُدرجت حركات سياسية وأحزاب وشخصيات ومنظمات
وجمعيات على لائحة العقوبات وتصنيف "الإرهاب" وفق المخيلة السياسية
الغربية لحرية التعبير عن الرأي، وهو جزء من سلسلة تاريخية معاصرة ارتبطت أحداثها
ومواقفها بما يجري في شطر من عالمٍ يقبع تحت أنظمة شمولية.
على النقيض منها، رُفعت منارة ساطعة لكل ما هو
"خير"، وتربع عليها المكان الذي تصان فيه حقوق الإنسان، حيث يسود حكم
القانون، وحيث يمكن للصحفي أن يقول ما يشاء دون خوف، ويستطيع الشارع التعبير عن
رأيه في قضايا كونية ومحلية. ولطالما كانت هذه السردية ملائمة لدغدغة مشاعر غربية
وعربية، لكن في السنوات القليلة الماضية انكشفت الحقيقة وتصدعت هذه السردية، عندما
وصل الأمر بموجة غضب عارم في شوارع القارات الخمس من إرهاب
إسرائيل وجرائمها ضد الإنسانية.
وما شهدناه ليس استثناءً، بل هو القاعدة، فالغرب ليس نقيض الأنظمة الاستبدادية
التي يدينها ويعاقبها ويحاصرها، بل يحمل كل ما وصفه عنها من بشاعة في القمع، أو تواطؤ
لحماية إسرائيل.
لأن الصورة لا تكذب، ووسائل الإعلام الغربية تفضل أن لا تراها، فكانت الصورة من برلين وباريس ولندن وأمستردام وعدة مدن أمريكية وغربية، أكثر من فاضحة لعنف الشرطة غير المبرر خلال الاحتجاج والغضب من عدوان إسرائيل على غزة، وضد جرائم الإبادة التي ارتكبتها وما زالت مستمرة، ليظهر قمع المحتجين اتساقاً قاتماً لإثارة رعب جماعي على من يقترب من فضح جرائم إسرائيل
ولأن الصورة لا تكذب، ووسائل الإعلام الغربية تفضل أن لا
تراها، فكانت الصورة من برلين وباريس ولندن وأمستردام وعدة مدن أمريكية وغربية،
أكثر من فاضحة لعنف الشرطة غير المبرر خلال الاحتجاج والغضب من عدوان إسرائيل على
غزة، وضد جرائم الإبادة التي ارتكبتها وما زالت مستمرة، ليظهر قمع المحتجين
اتساقاً قاتماً لإثارة رعب جماعي على من يقترب من فضح جرائم إسرائيل، وينتقد
الانحياز الأعمى لسياساتها وتبريرها.
وثقت مقاطع فيديو كثيرة تعرض المتظاهرين في شوارع غربية
للضرب واللكم على الوجه والرش برذاذ الفلفل، والركل على الأجساد وسحلها في
الشوارع، أو داخل مراكز الاعتقال، فكانت الصورة من برلين في أيار/مايو الماضي تظهر
عدداً من الضباط، وهم يثبتون أبا فلسطينيا مفجوع كان يتظاهر في ذكرى النكبة
الثامنة والسبعين، على الأرض، بينما يصرخ قائلاً: "إسرائيل قتلت ابني، وأنتم
تحاولون قتلي".
وفي 30 أيار/مايو 2026، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر
شرطياً هولندياً يمسك بذراع امرأة حامل في شهورها الأخيرة ويطرحها أرضاً. المرأة هي
زوجة
الفلسطيني وسام مقداد، لاجئ فلسطيني هرب من غزة منذ عشرة أعوام، وقد تلقى
خبراً عن استشهاد بعض أصدقائه هناك فعبر عن غضبه بتحطيم بعض محتويات منزله وقد
اعتقلته الشرطة، بينما اقتربت زوجته من الضباط لتسألهم ببساطة عما إذا كان
بإمكانها البقاء مع زوجها أثناء احتجاز، فكان ردهم هو طرحها أرضاً
بقوة وضربها، صرخ زوجها وهو يحاول الوصول إليها: "زوجتي حامل، زوجتي حامل"،
مما استدعى تدخل الشرطة ووحدة الكلاب البوليسية.
خلف هذه المقاطع المصورة
وغيرها، تُسن قوانين قمع التضامن مع فلسطين، وتقمع
حرية التعبير، وتجرم المحاكم
جمعيات وشخصيات سياسية وأكاديمية ونشطاء وقضاة ومحامين، وتحذف من وسائل الإعلام
الكلمات والشعارات التي تقال في احتفالات ومناسبات مختلفة للتعبير عن رفض السياسة
الاستعمارية لإسرائيل على الشعب الفلسطيني، والتضامن معه بعبارة الحرية لفلسطين.
هيئة الإذاعة البريطانية
(بي بي سي)، مع قنوات فرنسية وألمانية، خير شاهد سيئ على قمع التضامن مع فلسطين
وتبني الرواية الإسرائيلية، فبعض قوانين تلك الدول اعتبرت رسومات مثل حنظلة لناجي
العلي، والبطيخ، والكوفية الفلسطينية رموزا معادية للسامية، وكذلك استخدام عبارات الإبادة
الجماعية والفصل العنصري.
خلف هذه المقاطع المصورة وغيرها، تُسن قوانين قمع التضامن مع فلسطين، وتقمع حرية التعبير، وتجرم المحاكم جمعيات وشخصيات سياسية وأكاديمية ونشطاء وقضاة ومحامين، وتحذف من وسائل الإعلام الكلمات والشعارات التي تقال في احتفالات ومناسبات مختلفة للتعبير عن رفض السياسة الاستعمارية لإسرائيل على الشعب الفلسطيني، والتضامن معه بعبارة الحرية لفلسطين
وجّه مسئولون في مجال حقوق الإنسان في كلٍّ من مجلس
أوروبا والأمم المتحدة، رسالةً إلى السلطات الألمانية لتذكيرها بالتزامها بحماية
حرية التعبير لا قمعها، وكان ردّ ألمانيا، الذي قدّمه مسؤول حكومي رفيع المستوى في
وزارة الداخلية، كالتالي: "لا أرى أي تفاصيل محددة في رسالتك تدعم تقييمك".
لقد أشار المركز العربي
لدراسات السياسة مؤخراً، إلى أن المجتمع المدني في الغرب يخضع لقيود متزايدة
الصرامة، حيث بات سنّ قوانين مناهضة للاحتجاجات، وقمع الصحافة الناقدة، وتزايد
الضغط على المؤسسات الأكاديمية، أكثر وضوحاً، لا سيما في أعقاب الحرب الإسرائيلية
على غزة، التي تُعدّ إبادة جماعية.
وفي ألمانيا، وُسّع
تعريف معاداة السامية ليشمل حركات حقوق الإنسان والأفراد المدافعين عن الحقوق
الفلسطينية، حيث أفادت التقارير بأن السلطات تستخدم ادعاءات مبهمة بمعاداة السامية
لتبرير ترحيل النشطاء المؤيدين للفلسطينيين دون إدانات جنائية.
وفي الولايات المتحدة،
يُهدد التشريع الذي يخلط بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية، بحسب
الباحثين، حرية التعبير والحرية الأكاديمية، وخلصوا إلى أن هذه التطورات تُشير إلى
إعادة تقييم للحكم الديمقراطي، وتجريد الشرعية الانتخابية من الضمانات الليبرالية
التقليدية. بعبارة أخرى، يتحول الغرب إلى نظام استبدادي، ويستخدم الأدوات نفسها
التي كان يدّعي سابقاً أنها حكرٌ على أعدائه.
والسؤال المطروح لمن
يتلقى سردية غربية: متى كانت آخر مرة شاهد فيها مقطع فيديو لشرطية صينية تكسر أنف
امرأة؟ الجواب أبداً، لأن هذه الفيديوهات ستُستخدم كسلاح من قِبل وسائل الإعلام
الغربية كدليل على همجية النظام الصيني على سبيل المثال، لكن، عندما يقع العنف في
برلين وأمستردام وباريس ولندن وواشنطن، تخفت حدة الغضب، وفي اليوم التالي، تعود
العناوين الرئيسية لإدانة بكين أو طهران أو موسكو، ويعلو نقاش حرب السابع من
أكتوبر 2023، وتذكير المشاهدين بإرهاب "حماس" ومسؤولية الجماعات
المتطرفة في المنطقة التي تعمل على تخريب "السلام"، وتختفي مسؤولية
الاحتلال والاستيطان وجرائم المستعمرين.
لا تكتمل أي مناقشة حول
النفاق الغربي دون ذكر الولايات المتحدة، التي تتزعم التستر على جرائم دولة الإبادة
الجماعية ودعمها. وفي آخر الصور الواردة من الولايات المتحدة في ذكرى استقلال أمريكا، أقدم
أمريكيون على حرق علم إسرائيل للاحتجاج على كذبة استقلال بلادهم والخاضع للوبي صهيوني،
وتذكير مجتمعهم بأنه يخضع لهيمنة دولة مفتعلة، تستنزف مقدراتهم وضرائبهم التي تمول
حروبها في المنطقة، لكن الصور غابت عن كبرى وسائل الإعلام الرسمية في الغرب، لكنها
تؤكد إخفاق الغرب في الحفاظ على صورة تتكسر يوماً بعد آخر.
x.com/nizar_sahli
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.