مقدمة
في السياسة
الدولية نادراً ما تنتظر القوى الكبرى سقوط اللاعبين الرئيسيين حتى تبدأ التفكير في
البدائل. فحين تتراجع قدرة شخصية سياسية على إنتاج الاستقرار أو الحفاظ على التوازنات
التي قامت عليها مرحلة كاملة، يبدأ الاهتمام تدريجيّاً بالبيئة التي ستخلفها أكثر من
الاهتمام بالشخص نفسه.
من هذا المنظور
لا تبدو التحركات الأمريكية الأخيرة داخل
إسرائيل مجرد اتصالات معتادة مع قوى المعارضة
أو الأحزاب الحريدية أو بعض المكونات السياسية الأخرى داخل الكنيست، بل يمكن قراءتها
بوصفها جزءاً من عملية استشراف مبكر لمرحلة سياسية قد تكون مختلفة عن تلك التي ارتبطت
باسم بنيامين
نتنياهو طوال العقدين الماضيين.
فالسؤال الذي
يتردد اليوم داخل دوائر القرار الغربية لا يتعلق فقط بقدرة نتنياهو على البقاء، بل
بمدى قدرة النموذج السياسي الذي مثّله على الاستمرار في ظل التحولات العميقة التي أصابت
البيئة الإسرائيلية والإقليمية على حد سواء.
أولاً: تراجع
الرجل أم اهتزاز النموذج؟
السؤال الذي يتردد اليوم داخل دوائر القرار الغربية لا يتعلق فقط بقدرة نتنياهو على البقاء، بل بمدى قدرة النموذج السياسي الذي مثّله على الاستمرار في ظل التحولات العميقة التي أصابت البيئة الإسرائيلية والإقليمية على حد سواء
كثير من التحليلات
تركز على تراجع شعبية نتنياهو باعتباره أزمة شخصية أو انتخابية، غير أن القراءة الأعمق
تشير إلى أن ما يتعرض للاختبار اليوم ليس مستقبل الرجل وحده، بل مستقبل المنظومة السياسية
التي تشكلت حوله.
لقد بنى نتنياهو
نفوذه على معادلة جمعت بين الخطاب الأمني، والتحالفات اليمينية والدينية، وإدارة الانقسامات
الداخلية بما يضمن بقاء مركز القرار تحت سيطرته، إلا أن الحرب الأخيرة وما تبعها من
إخفاقات أمنية واستقطابات داخلية حادة أضعفت الركائز التي استندت إليها هذه المعادلة.
وبذلك فإن تراجع التأييد الشعبي لا يمكن فهمه باعتباره مجرد تذبذب في المزاج الانتخابي،
بل بوصفه مؤشراً على تآكل الثقة في نموذج حكم هيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية
سنوات طويلة.
ثانياً: لماذا
تتحرك واشنطن الآن؟
التجارب التاريخية
تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تراهن على الأشخاص بقدر ما تراهن على استمرارية النفوذ
وضمان المصالح، ولذلك فإن توسيع قنوات التواصل مع أطراف متعددة داخل المشهد الإسرائيلي
لا يعني بالضرورة وجود قرار أمريكي بإزاحة نتنياهو، بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً
لاحتمال حدوث انتقال سياسي خلال المرحلة المقبلة.
فالإدارة الأمريكية
تدرك أن أي تغير في هرم السلطة داخل إسرائيل ستكون له انعكاسات مباشرة على ملفات عديدة،
من بينها:
• مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
• إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
• العلاقات مع الدول العربية.
• التوازنات الإقليمية المرتبطة بإيران.
• موقع إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية الأوسع.
ومن ثم فإن
بناء قنوات اتصال مع القوى المرشحة للعب أدوار أكبر مستقبلاً يمثل سلوكاً استباقيّاً؛
أكثر من كونه تدخلاً مباشراً في الشأن الداخلي الإسرائيلي.
ثالثاً: إعادة
تموضع القوى الداخلية:
اللافت في
المشهد الحالي أن معظم الفاعلين السياسيين داخل إسرائيل بدأوا يتصرفون وكأن مرحلة ما
بعد نتنياهو لم تعد فرضية بعيدة.
الأحزاب الحريدية
التي لطالما ارتبطت بالحسابات البراغماتية أكثر من الارتباطات الأيديولوجية الصلبة،
تراقب اتجاهات القوة الجديدة وتسعى إلى الحفاظ على موقعها أيّاً كان شكل الحكومة المقبلة.
أما المعارضة، فتنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الخريطة
السياسية واستثمار حالة التململ الشعبي المتزايدة.
وفي المقابل،
تواجه النخب اليمينية تحدياً متصاعداً يتمثل في كيفية الحفاظ على نفوذها إذا ما فقدت
الشخصية التي نجحت لعقود في توحيد مكوناتها المتباينة تحت مظلة سياسية واحدة.
رابعاً: ما
الذي يقلق واشنطن؟
لا يكمن القلق
الأمريكي في احتمال رحيل نتنياهو نفسه، بل في الفراغ السياسي الذي قد ينتج عن ذلك.
فالرجل لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل تحول مع مرور الوقت إلى مركز ثقل داخل شبكة معقدة
من التوازنات الحزبية والأمنية والمؤسساتية. ولذلك فإن أي انتقال غير منظم قد يفتح
الباب أمام مرحلة من عدم اليقين السياسي يصعب توقُّع مآلاتها.
ومن هنا يمكن
فهم الاهتمام الأمريكي المتزايد بمراقبة التحولات الداخلية الإسرائيلية، ومحاولة بناء
صورة مبكرة عن الترتيبات المحتملة في مرحلة ما بعد نتنياهو.
خامساً: السيناريوهات
المحتملة
السيناريو
الأول: البقاء حتى نهاية الدورة السياسية: ينجح نتنياهو في الحفاظ على ائتلافه الحاكم
رغم الضغوط المتزايدة، مستفيداً من تشتت المعارضة وغياب بديل قادر على حسم المشهد.
النتيجة: استمرار
الاستقطاب وتآكل تدريجي في رأس المال السياسي للحكومة.
السيناريو
الثاني: انتقال سياسي من داخل المعسكر نفسه: يتراجع دور نتنياهو لصالح شخصية أخرى من
داخل اليمين الإسرائيلي، بما يسمح بالحفاظ على البنية السياسية القائمة مع
تغيير القيادة.
النتيجة: تغيير
في الوجوه مع استمرار الاتجاهات الاستراتيجية الأساسية.
السيناريو
الثالث: إعادة تشكيل المشهد السياسي: تنجح المعارضة في بناء ائتلاف واسع يقود إلى مرحلة
سياسية جديدة تعيد توزيع النفوذ بين القوى المختلفة.
النتيجة: تحولات
أعمق في أولويات الحكم وأساليب إدارة الملفات الداخلية والخارجية.
المؤشرات المتراكمة توحي بأن القضية تتجاوز مصير رجل إلى مراجعة أوسع لأنموذج سياسي كامل وصل إلى حدود قدرته على الاستمرار بالشكل ذاته
السيناريو
الرابع: أزمة حكم ممتدة: تفشل جميع الأطراف في إنتاج أغلبية مستقرة، وهذا يؤدي إلى
حالة من الشلل السياسي وتكرار الانتخابات أو هشاشة الحكومات المتعاقبة.
النتيجة: تراجع
القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى وزيادة الضغوط الخارجية.
الخلاصة الاستراتيجية
ربما يكون
الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الإسرائيلي الحالي هو اختزاله في مستقبل بنيامين نتنياهو
وحده. فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن القضية تتجاوز مصير رجل إلى مراجعة أوسع لأنموذج
سياسي كامل وصل إلى حدود قدرته على الاستمرار بالشكل ذاته.
التحركات الأمريكية
-سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة- تبدو أقرب إلى استعداد مبكر للتعامل مع مرحلة انتقالية
محتملة، لا إلى محاولة صناعة تلك المرحلة. فالقوى الكبرى لا تنتظر سقوط البنى السياسية
حتى تبدأ التواصل مع البدائل، بل تتحرك عندما تلاحظ أن موازين القوة بدأت بالتغير تحت
السطح.
وعليه، فإن
السؤال الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة ليس هل اقتربت نهاية نتنياهو السياسية؟ بل
هل بدأت إسرائيل الدخول في مرحلة إعادة إنتاج نخبها الحاكمة وصياغة توازناتها الداخلية
على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت العقود الماضية؟
فإذا كان نتنياهو
قد شكّل عنوان مرحلة، فإن النقاش الدائر اليوم يتعلق بطبيعة المرحلة التي ستأتي بعد
انقضاء ذلك العنوان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.