لماذا يحاربوننا؟!

هشام الحمامي
"حروب هنا وهناك"- CC0
"حروب هنا وهناك"- CC0
شارك الخبر
من وقت الحروب الصليبية (1095م) وحتى يوم الناس هذا، اختار الغرب أن يحاربنا بكل الطرق، وحتى بعد طرده وإخلاء المنطقة العربية من قواته تماما (1291م)، لم نسلم من عدائه وكيده، وعاود حربه علينا ثانية في المراحل الاستعمارية المعروفة، وهو يعلم ويشهد بنفسه أنه إنما يواصل الحروب الصليبية.. قالها الجنرال الإنجليزي إدموند اللنبي حين دخل القدس سنة 1917 م، وقالها الجنرال الفرنسي غورو حين دخل دمشق سنة 1920م، وخاض الغرب حربيه العالميتين وأنهاهما وعينه على ديارنا، وحين قرر أن يغادر بجيوشه عمل ألف حساب وحساب لما بعد خروجه..

* * *

فكانت إسرائيل.. وكانت حقبة "الانقلابات العسكرية".. وكان الهدم التدريجي لمصادر القوة والمنعة والصلابة في عالم الإسلام، بدءا من الثروات الطبيعية، وانتهاء بتيارات الفكر والإصلاح، مرورا بحروب هنا وهناك.. وكانت أشد حروبه وقعا حرب 1967م والتي تجاوزت في آثارها خسائر الحروب التقليدية.. وكانت إيذانا بعملقة "إسرائيل" وتعاونها التام مع دولة الاستعمار الجديد الخارج منتصرا بقنبلة نووية (أمريكا).. والاثنتان تحارباننا الآن في ديارنا وديننا وأصولنا الحضارية والتاريخية..

* * *
كانت إسرائيل.. وكانت حقبة "الانقلابات العسكرية".. وكان الهدم التدريجي لمصادر القوة والمنعة والصلابة في عالم الإسلام، بدءا من الثروات الطبيعية، وانتهاء بتيارات الفكر والإصلاح، مرورا بحروب هنا وهناك

بعد أحداث أيلول/ سبتمبر 2001م وتفجير برجي التجارة في نيويورك، امتلأ الإعلام الغربي، والأمريكي خاصة، بطرح تساؤل بريء حول ما يحدث، وقالوا جميعا: "لماذا يكرهوننا؟"..

والضمير هنا عائد على عالم الإسلام، الذي يفترض أن يكون الفاعلون للتفجير خرجوا من بيئته وثقافته.. وأنتجوا هذه المشاعر بالغة العدائية لمجتمع طيب، ودولة بريئة اسمها أمريكا.. جاءت بحجمها القاري الضخم وثرواتها المهولة في لحظة تاريخية نادرة لتكون القوة الأولى والمهيمنة في البر والبحر والجو..

ورغم أن العمل لا قيمة له على الإطلاق في سياق المواجهة الحضارية والتاريخية بين الشرق والغرب، وأنه ضار للغاية بسمعة الإسلام والمسلمين، إلا أن الإعلام الذي يسيطر على أغلبه التيارات الصهيونية صوّر الموضوع على أنه من ثمار فكرة "الجهاد الإسلامي" وحب الشهادة والموت في سبيل الله.. وتولى المستشرق الخبيث برنارد لويس وتلاميذه الترويج لهذه الفكرة بهذا الشكل..

* * *

الموضوع انتهى، ومر عليه ربع قرن، تخلله غزو أمريكا لبلدين إسلاميين بحجة القضاء على "القاعدة" في أفغانستان، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل في العراق.. انسحبت أمريكا من أفغانستان بعد عشرين سنة، لكنها لا زالت في العراق، وعملت على إذكاء الخصومات الطائفية بداخله، وانتهى العراق تقريبا كدولة لكل شعبها.. ووطن لكل أهله، إلى أن يحين الحين.

إيران في هذا الوقت تعاملت مع دخول الجندي الأمريكي لأول مرة إلى مناطق لم يدخلها من قبل (أفغانستان والعراق) بكثير من الحذر.. لكنها لم تتخذ منه موقفا عدائيا.. ودارت الأيام بما تدور به..

* * *

وحدث "طوفان الأقصى" ودلت كثير من الدلائل أن إيران كان لها دور كبير في تسليح المقاومة الإسلامية في غزة.. كما كان لها دور أكبر في تسليح المقاومة في لبنان.. وبمفهوم "الأمة الواحدة" تدخل حزب الله لدعم غزة وقتها بما سمحت به "السوامح"، بزخات صاروخية محسوبة..

* * *

استشهد تقريبا كل الصف القيادي الأول الذي شارك في "طوفان الأقصى" واستشهد معه عشرات الآلاف من سكان غزة ودخلت القوات الإسرائيلية بقوة الفعل الأمريكي إلى غزة.. لكن هذا لم يكن كل شيء.. ولا نهاية لكل شيء..

فلقد انتبه العالم كله إلى ما يحدث في المنطقة كلها من زمان الزمان.. وبدأت الأسئلة تروح وتجيء عما هذا الذي يجري وعن سبب كل ما جرى.. ولو أن السياسة في الغرب لا زالت على "مركزيتها" في الإحلال والتبديل، والتسليم والتسلم.. إلا أن قوة الحدث أوصلت الكثير من الرسائل إلى حيث يجب أن تصل..

* * *

هنا عندنا.. حيث يتحرك "الوعي البكر" عند الأجيال الصاعدة تجاه ما رأوه وسمعوه وعاينوه.. وهو الوعي الذي سيلحقه ما يساويه من "الفهم" و"الإعداد" للانتقال إلى المراحل التالية.. وهذه هي "فطرة الإحساس التاريخي" التي لا يتلقاها المتلقي في الكتب والمدارس.. لكنه يتلقاها في الحياة ذاتها التي عاشها وعايشها..

هذه المنطقة هي قلب العالم.. وتمتلك ذخيرة حضارية ودينية موثوقة ومقنعة.. تكفل لها تحقيق "السلام".. سلام الإنسان مع الوجود.. وسلامه مع نفسه.. وسلامه مع الآخرين.. أيا ما كان هؤلاء الآخرون.. من ملّته أم من ملة أخرى.. من عِرقه أم من أعراق أخرى

وهناك عندهم حيث تم التأكد من جريمة "الكذب الطويل" التي عاشها الغرب في المعرفة بهذا الذي يجرى في هذه البقعة من العالم..!! وكان لا بد من تلك الحرب الحالية.. لتتكشف سلاسل الإمداد بالكذب المستمر، وسنسمع صدى الوعي لدى الناس العاديين حين ينطق ساستهم بتعبيرات تعكس عمق ما يدور في وعي الناس، مثل "هذه الحرب ليست حربنا".. ليتفادوا ردود الفعل التي بدأت من وقت "طوفان الأقصى" في تساؤل مريع: لماذا تحاربون هؤلاء الناس في هذه البقعة من العالم؟

* * *

وسواء كان المعنى بالإجابة الخرساء.. أهو في أمريكا أم هو في إسرائيل؟.. فقد تكشفت كل الحقائق وأعلنت عن نفسها بكل الصراحة والوضوح..

هذه المنطقة هي قلب العالم.. وتمتلك ذخيرة حضارية ودينية موثوقة ومقنعة.. تكفل لها تحقيق "السلام".. سلام الإنسان مع الوجود.. وسلامه مع نفسه.. وسلامه مع الآخرين.. أيا ما كان هؤلاء الآخرون.. من ملّته أم من ملة أخرى.. من عِرقه أم من أعراق أخرى..

* * *

الغرب قديما لم يتعرف على نفسه إلا حين عرِفنا.. ولم يُعرِّف نفسه إلا بتعريفنا..

وقد كانت هذه دورة من دورات التاريخ.. اليوم نحن في دورة جديدة.. وما هذا الذي رأيناه من الصبر والجلد والتحمل والشجاعة والإبداع في غزة أولا ثم في إيران ولبنان حاليا.. إلا ليعرفنا الغرب بعيدا عن استشراقه القديم المليء بالأكاذيب.. وبعيدا عن السياسيين الذين يغنون المعزوفات القديمة.. وبعيدا عن إعلامه المزخرف بالأكاذيب..

انهم يحاربوننا.. ليقتلوننا ويقتلون أفكارنا.. لكنهم لا يعلمون أنهم بهذه الحروب.. يحيوننا ويحيون أفكارنا..

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)