الأوهام.. الحاجبة للعقول

هشام الحمامي
"لبنان يذهب إلى هذا الطريق وهو يعلم ذلك.. ولن ينال شيئا.. وتملأ رؤيته "أوهام" معاهدة سلام دائمة مثل مصر والأردن"- جيتي
"لبنان يذهب إلى هذا الطريق وهو يعلم ذلك.. ولن ينال شيئا.. وتملأ رؤيته "أوهام" معاهدة سلام دائمة مثل مصر والأردن"- جيتي
شارك الخبر
كان الصالحون من أهل الطريق يستعيذون بالله من "الأوهام" التي تحجب رؤية الحقائق عن العقل والقلب.. والوهم هو تصور خاطئ، بعيد عن حقائق الواقع، وقد يصاحب بعض الحالات المرضية، وينتشر أيضا بكثرة بين الأصحاء.. لكن ما يلفت النظر فعلا، هو أن يكون حالة انحراف عن الوعى الصحيح، ويدركها الصالحون ويستعيذون بالله منها.. وكانوا أيضا يكثرون في دعائهم أن ييسر الله لهم معرفة الحقائق.. وأتصور أنهم في ذلك يقتربون من الفهم الصحيح للآية الكريمة في سورة فاطر "أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنا"..

وقد يكون بعيدا عنا جميعا في سعينا للآخرة الانتباه لحالة "الأوهام" هذه.. وهي حالة لو تأملناها لرأيناها حالة خطرة، سواء في الحياة الفردية والشخصية للإنسان، وأيضا في حالته الجماعية، كشعب وأمة.. وقد رأينا كيف عاشت الأمة العربية "أوهاما" كثيفة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.. وما أن انكشفت حتى رأينا خرابا عميما..

* * *

وأوضح لنا النص القرآني العزيز أيضا أن الصالحين يجعل الله لهم نورا يمشون به، فيحسنون التمييز بين ما هو صواب وبين ما هو خطأ، فلا تختلط عليهم رؤية الأشياء.. كما يزِنون الأمور وزنها الصحيح، بلا مبالغة ولا تهوين، فلا يصغّرون ما هو كبير، ولا يكبّرون ما هو صغير..

فالفوز في مباراة، لا يعدو كونه فوزا في مباراة، ولا ينبغي أبدا أن نكبّره عن حقيقته، وننظر إليه على أنه "تقدم" عظيم في المجالات الحقيقية الأبقى لمعنى الفوز والنصر.. كالتعليم والصحة والمرافق والتنمية الشاملة، ونهضة الإنسان وقيامه في عموم حضوره في وطنه..

وقد نبهنا الكاتب إدواردو جاليانو (من بارغواي) إلى أن التعصب الكروي في زماننا احتل الموقع الذي كان يقتصر في السابق على العاطفة الدينية، والحماسة الوطنية، والحشد السياسي. ويضيف: وقد اكتشفت "الرأسمالية الصناعية" أن كرة القدم، هوى الجماهير، توفر تسلية وعزاء للفقراء، وتبعدهم عن الإضرابات، وعن الأفكار وعالم الأفكار..

* * *

وننتقل إلى "وهْم" آخر وإن كان أخطر، فقد سارع لبنان الرسمي خلال الأيام القليلة الماضية، إلى توقيع اتفاق مع إسرائيل ليسترد أراضيه التي تحتلها إسرائيل، بالاتفاق مع أمريكا والغرب..

وبالقرب منها، آخِر اتفاق وقعته إسرائيل مع السلطة الوطنية الفلسطينية في أيام الراحل ياسر عرفات (أوسلو)، وكان رحمه الله يقول عن الذين يرفضون ما فعله "أولئك الذين يريدون قتل حلمنا".. وشيء جميل أن يكون هناك "حلم" يسعى الفرد أو المجموع لتحقيقه.. لكن هناك فارق بين "الحلم" و"الوهم".

* * *

كان الرجل يتقدم في السن وقد خالطته "الأوهام" في رؤيته لنفسه، فتصور أن فلسطين ونضال الفلسطينيين يتجسد في شخصه الذي لا يصدر عنه إلا الصواب.. ليس هذا فقط، بل وأحاطت به مجموعات الفساد التي اخترقتها أجهزة مخابرات الدنيا كلها، وظل يروح ويجي، سنوات وراء سنوات، حتى كانت نهايته غير السارة "تشرين الثاني/ نوفمبر 2004م) التي طالعها العالم كله وهو يخرج شبه ميت (مسموما) من الضفة الغربية في طائرة هليكوبتر إلى مستشفي عسكري في فرنسا ليموت هناك..

وفرنسا تعشق هذه الأدوار المسرحية في علاقاتها بعالم الإسلام، فعلى الرغم من أنها كانت المورّد العسكري الرئيسي لإسرائيل من سنة 1960م، بل وفي حرب 1967م اعتمد سلاح الجو الإسرائيلي بشكل كامل على الطائرات الفرنسية (الميراج) لتنفيذ ضرباته على المطارات المصرية والطائرات التي عليها، إلا أنها كانت تقوم بتلك الأدوار المسرحية في علاقتها بمصر والدول العربية.. وهي الآن تقدم نفسها للعالم بأنها "الأم الرؤوم" للبنان، وحزينة على ما يعانيه سكان الجنوب في لبنان..!!

* * *

ولكي لا نبعد عن الموضوع الأصلي.. سيتأكد لأي متابع أن إسرائيل ستقوم مع لبنان في هذه المفاوضات بنفس الدور الذي قامت به مع "السلطة الوطنية" من أيام ياسر عرفات وإلى يومنا هذا.. والجميع يعلم ذلك، ولبنان يذهب إلى هذا الطريق وهو يعلم ذلك.. ولن ينال شيئا.. وتملأ رؤيته "أوهام" معاهدة سلام دائمة مثل مصر والأردن.. مع الفارق الرهيب في القياس.. فعلاقة الأردن بإسرائيل من يوم تأسيسها مسألة معروفة..

ومصر قلب الأمة النابض.. انتصرت في حرب 1973م، وكان إخراجها من موضوع "الصراع العربي الإسرائيلي" هدف قديم جدا.. وهو هدف تاريخي على فكرة من وقت الحروب الصليبية.. أدركه الصليبيون وأدركه نور الدين زنكي وصلاح الدين، وكانت مصر محور المواجهة بينهم رغم أن مركز الصراع كان فلسطين والقدس..!

* * *

وإذا كان موقف السلطة اللبنانية من المسارعة إلى ذلك الاتفاق مقصودا رغم علمها بعدم جدواه.. وهي إنما تفعل ذلك بدافع الخلاص من "حزب الله"، فهذا سيكون خرابا كبير على بلد له كل هذه الخصوصية في تكوينه الوطني بين شيعة وسنة ومسيحيين ودروز..

وها هو قائد المنطقة المركزية الأمريكية ينسق مع الجيش الإسرائيلي في التواجد داخل الحزام الأمني الذي تدعيه إسرائيل في سوريا ولبنان وغزة..

مسارعة أمريكا ومعها حليفتها، إلى عقد جلسات تفاوض مع لبنان بعيدة عن إيران وباكستان.. هي مسارعة لجر المنطقة كلها "جرجرة" إلى أوهام "الاتفاقات الإبراهيمية" القديمة التي كان تحطيمها أحد أهم ثمار الحرب الأخيرة

موقف سوريا في هذا التوقيت مفهوم والمسألة مسألة وقت لا أكثر.. وموقف غزة لم ينته بعد "مجلس السلام"، وكذلك رفض حماس تسليم السلاح، والشرخ الكبير الذي أصاب الدولة الصهيونية أمام العالم كله من حملات الإبادة والتدمير؛ والمسألة أيضا مسألة وقت..

أما لبنان فموضوعه مختلف، خاصة بعد الحرب الأخيرة، وإصرار إيران على أن تتعامل مع هذا الصراع بمنطق الأمة الواحدة، أو وحدة الساحات كما يقولون خجلا.

* * *

ومسارعة أمريكا ومعها حليفتها، إلى عقد جلسات تفاوض مع لبنان بعيدة عن إيران وباكستان.. هي مسارعة لجر المنطقة كلها "جرجرة" إلى أوهام "الاتفاقات الإبراهيمية" القديمة التي كان تحطيمها أحد أهم ثمار الحرب الأخيرة.. هذه المسارعة كانت لإلغاء مفهومين بالغي الخطورة على الغرب وحليفته إسرائيل: المفهوم الأول هو مفهوم المقاومة واستمرار القوة الصامدة.. والمفهوم الثاني هو مفهوم الأمة الواحدة..

القوة الصامدة أظهرتها إيران، وأيضا أظهرتها المقاومة في لبنان، مستلهمتين صبر وصمود غزة.

والأمة الواحدة، حتى وإن بدا أن الأمر يحمل صورة "طائفية"، إلا أننا جميعا أمام عدو واحد، لا بقاء له بمنطق التاريخ ولا بمنطق الجغرافيا..

* * *

مضى زمن "الأوهام" وحل محله زمن "الحقيقة".. التي وإن طال غيابها، فيأبى انتماؤها إلى عالم "الحق" إلا أن تظهر وتعلن عن نفسها.. وما أسعد الإنسان الذي يطالعها ويعرفها فيسارع إلى الاستمساك بها.

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)