في الحروب
لا تُستهدف الجغرافيا وحدها، بل تُستهدف الرواية أيضاً، ويُعاد تشكيل الوعي تحت
وقع النار والصورة معاً، حيث يصبح الخبر جزءاً من المعركة، وتصبح الكاميرا
امتداداً للصراع لا مجرد شاهد عليه. وبينما تتساقط الصواريخ على
غزة ولبنان، يسقط
معها شهود الحقيقة الذين يقفون في الخط الأمامي لنقل ما يجري إلى العالم: الصحفيون.
لم يعد المشهد مجرد تغطية ميدانية محفوفة بالخطر، بل تحوّل إلى واقع يومي تتكرر
فيه خسارة الإعلاميين بشكل متسارع ومفتوح، حتى بات السؤال يتجاوز حدود الأرقام إلى
جوهر المعنى: لماذا أصبح الصحفي في دائرة الاستهداف داخل قلب المعركة؟ وكيف تحوّل
حمل الكاميرا والميكروفون إلى مهمة قد تكلّف الحياة في أي لحظة، دون إنذار أو مهلة
أو حتى فرصة للنجاة؟
منذ
السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دخلت البيئة الإعلامية في غزة ولبنان مرحلة
شديدة الخطورة لم يشهدها العمل الصحفي في المنطقة منذ عقود طويلة، حيث تحولت أماكن
التغطية إلى ساحات مفتوحة للموت، تختلط فيها مهمة نقل الخبر مع خطر فقدان الحياة
في كل تحرك ميداني، وتصبح فيها المسافة بين الشاهد والضحية قصيرة إلى حدّ الاختفاء.
ومع استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعتها الجغرافية وشدتها، ارتفعت حصيلة
الضحايا من الصحفيين بشكل غير مسبوق، ليصبح الإعلام جزءاً من الخسائر المباشرة
للحرب، لا مجرد ناقل لها أو مراقب من الخارج، بل طرفاً يتعرض لنفس مستوى الخطر
الذي يواجهه المدنيون في الميدان.
هذه الأرقام، التي تتصاعد مع استمرار الحرب، لا تُقرأ فقط كبيانات إحصائية جامدة، بل كدلالة حية على حجم التحول الخطير في طبيعة العلاقة بين الميدان والصحافة، وعلى واقع بات فيه الصحفي هدفاً محتملاً أو ضحية محتملة في كل لحظة يتحرك فيها نحو الخبر
وتشير
الإحصائيات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ونقابة محرري
الصحافة
اللبنانية إلى استشهاد 262 صحفياً وإعلامياً في فلسطين، إضافة إلى 27 صحفياً
وإعلامياً في لبنان، إلى جانب عشرات الإصابات التي طالت الطواقم الإعلامية أثناء
تغطيتها الميدانية للأحداث. هذه الأرقام، التي تتصاعد مع استمرار الحرب، لا تُقرأ
فقط كبيانات إحصائية جامدة، بل كدلالة حية على حجم التحول الخطير في طبيعة العلاقة
بين الميدان والصحافة، وعلى واقع بات فيه الصحفي هدفاً محتملاً أو ضحية محتملة في
كل لحظة يتحرك فيها نحو الخبر.
وفي قلب
هذا المشهد الثقيل، برزت قصة المصور الصحفي أحمد سمير وشاح، الذي استشهد في قصف
استهدف مخيم البريج وسط قطاع غزة، وهو شقيق الصحفي الشهيد محمد وشاح. هذه الحادثة
لا تقف عند حدود الخبر العابر، بل تعكس مشهداً أوسع من الألم المتكرر الذي يطال
عائلات كاملة تعمل في المجال الإعلامي، حيث لا تكون الخسارة فردية أو عابرة، بل
تتحول إلى سلسلة من الفقد المتكرر داخل البيت الواحد، وفي المسار المهني ذاته،
وكأن الكاميرا باتت تحمل معها ثمنها البشري في كل مرة تُرفع فيها لتوثيق الحدث.
إن
استمرار سقوط الصحفيين بهذا الشكل يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً حول طبيعة ما
يجري على الأرض، وحول حدود الالتزام بالقواعد التي يفترض أن تحكم الحروب. فالقانون
الدولي الإنساني واضح في نصوصه، إذ يعتبر الصحفيين مدنيين يتمتعون بالحماية
الكاملة أثناء النزاعات المسلحة، ويمنع استهدافهم أو المساس بهم أثناء أداء عملهم.
لكن الوقائع الميدانية، كما تظهر من غزة ولبنان، تشير إلى أن هذه القواعد تتعرض
لاختبار قاسٍ ومتكرر، وأن الحماية القانونية تصطدم أحياناً بواقع عسكري شديد
التعقيد، تتداخل فيه الجبهات مع المناطق المدنية بشكل يصعب معه الفصل الواضح بين
الخطر والأمان، وبين التغطية والوجود في قلب الاستهداف.
ويرى
مراقبون أن استهداف الصحفيين، سواء بشكل مباشر أو عبر تعرضهم للأذى في مناطق
العمليات، لا يمكن فصله عن طبيعة الدور الذي يقومون به. فهؤلاء لا يكتفون بنقل
الخبر، بل يشكلون عيناً مفتوحة على الميدان، تنقل ما يحدث لحظة بلحظة، وتوثق
تفاصيل قد لا تصل عبر أي وسيلة أخرى. الكاميرا هنا ليست أداة تقنية فقط، بل هي
وسيلة توثيق تكشف حجم الدمار الإنساني والمادي، وتعيد تشكيل الصورة الكاملة لما
يجري، وهو ما يجعل الصحفي جزءاً حساساً في معركة الرواية والتأثير، لا مجرد ناقل
محايد يمكن تجاهله أو عزله عن سياق الحدث.
وفي قطاع
غزة على وجه الخصوص، تتداخل المناطق السكنية بشكل كثيف مع مسار العمليات العسكرية،
ما يجعل أي تحرك ميداني محفوفاً بالمخاطر، ويضع الصحفيين في قلب الحدث دون أي
مساحة فاصلة تحميهم من القصف أو الاستهداف المباشر أو غير المباشر. فالأحياء
السكنية والمخيمات تتحول في لحظات إلى ساحات مواجهة مفتوحة، حيث لا يوجد خط واضح
يفصل بين المدني والعسكري، ولا بين مكان آمن ومكان خطر، وهو ما يجعل التغطية
الإعلامية عملاً بالغ التعقيد، يتطلب وجوداً دائماً في أماكن الخطر، بحثاً عن
الصورة والخبر رغم احتمالات الخطر المستمرة والمتصاعدة.
أما في
لبنان، فتتركز المخاطر في الجنوب حيث الغارات الجوية والقصف المتكرر، في بيئة
ميدانية سريعة التغير وصعبة التنبؤ، حيث يمكن أن يتبدل المشهد الأمني خلال دقائق
معدودة، وتنتقل نقاط الاشتباك من مكان إلى آخر دون إنذار مسبق. هذا الواقع يفرض
على الصحفيين حركة دائمة بين مناطق مختلفة، بحثاً عن مصادر الخبر أو نقاط التغطية،
في ظل غياب استقرار ميداني حقيقي يمنحهم الحد الأدنى من الأمان أو القدرة على
التقدير الآمن للمخاطر.
ومع غياب
الاستقرار الميداني وسرعة تغير خطوط الاشتباك، يجد الصحفيون أنفسهم أمام معادلة
قاسية: ضرورة التواجد في قلب الحدث من جهة، مقابل انعدام الضمانات الأمنية من جهة
أخرى. وغالباً ما يدفعهم واجبهم المهني إلى الاقتراب من مناطق الخطر المباشر، من
أجل توثيق ما يحدث بالصوت والصورة، وهو ما يزيد من احتمالات تعرضهم للإصابة أو
القتل، حتى دون أن يكونوا طرفاً في الصراع، أو جزءاً من معادلاته العسكرية
المباشرة.
وفي ظل
هذا الواقع المعقد والمتشابك، تتصاعد الدعوات الحقوقية والإعلامية الدولية إلى
ضرورة الانتقال من مجرد الإدانة إلى إجراءات حماية فعلية وميدانية للصحفيين أثناء
النزاعات المسلحة، وليس فقط الاكتفاء بالنصوص القانونية أو البيانات الرسمية. كما
تطالب هذه المؤسسات بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في كل حادثة استهداف تطال
الصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عنها عند ثبوت أي انتهاك، باعتبار أن استمرار هذه
الحوادث دون محاسبة يكرس حالة من الإفلات من العقاب، ويزيد من خطورة العمل الصحفي
في مناطق النزاع، ويجعل المهنة نفسها أكثر عرضة للاستنزاف البشري.
ومن زاوية
أوسع، فإن خسارة الصحفيين لا تعني فقط غياب أسماء من المشهد الإعلامي، بل تعني
أيضاً خسارة جزء من الذاكرة الجماعية التي توثق التاريخ لحظة بلحظة. فغياب الشهود
الميدانيين يخلق فجوة كبيرة في السردية الإعلامية، ويجعل من الصعب لاحقاً إعادة
بناء صورة دقيقة وشاملة عما جرى، خصوصاً في الحروب الطويلة والمعقدة التي تمتد
آثارها لسنوات طويلة، وتترك خلفها روايات متعددة ومتضاربة.
رغم الألم الممتد والخسائر المتراكمة، يبقى الصوت الصحفي شاهداً لا يمكن إسقاطه بالكامل، لأن الحقيقة قد تُستهدف مراراً وتكراراً.. لكنها في النهاية لا تُهزم، ولا تُمحى من الذاكرة
كما أن
استمرار استهداف الإعلاميين يؤدي إلى خلق حالة من الترهيب غير المباشر داخل الوسط
الصحفي، حيث يصبح العمل الميداني أكثر تعقيداً، ويزداد اعتماد التغطية على مصادر
بعيدة عن الأرض، ما يضعف القدرة على نقل الصورة الحقيقية كما هي، ويؤثر على جودة
التوثيق الإعلامي وعمقه. ومع مرور الوقت، لا يصبح الخطر فقط في فقدان الصحفيين، بل
أيضاً في فقدان الحقيقة نفسها أو تشويهها نتيجة غياب من يوثقها من قلب الحدث.
ومع
استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة القتال في غزة ولبنان، يبقى الصحفيون في
الخطوط الأولى، يحملون الكاميرا والكلمة في مواجهة الخطر اليومي، في مهمة تتجاوز
حدود التغطية الإخبارية إلى الشهادة على الواقع بكل تفاصيله القاسية والمعقدة.
وبينما تتواصل الخسائر في صفوف الإعلاميين، يبقى السؤال مفتوحاً على مصراعيه بلا
إجابة حاسمة: من يحمي من ينقل الحقيقة من قلب النار، ومن يضمن ألا تتحول الكاميرا
إلى آخر ما يراه الصحفي قبل أن يسقط؟
في نهاية
المشهد، لا يبقى سوى الصورة التي يلتقطها الصحفيون من داخل الركام قبل أن يغادروا
الحياة أو يغادرهم الميدان، في لحظة تختصر كل شيء وتترك خلفها صمتاً ثقيلاً. ومع
استمرار سقوطهم في غزة ولبنان، تتأكد حقيقة واحدة لا تتغير رغم كل التحولات: أن
المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية نفسها، وعلى من يملك حق توثيقها
وكتابتها ونقلها إلى العالم. ورغم الألم الممتد والخسائر المتراكمة، يبقى الصوت
الصحفي شاهداً لا يمكن إسقاطه بالكامل، لأن الحقيقة قد تُستهدف مراراً وتكراراً..
لكنها في النهاية لا تُهزم، ولا تُمحى من الذاكرة مهما طال الزمن أو اشتد الظلام.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.