يمر الجسد
اللبناني، المثقل بإرث تاريخي من الأزمات المركبة، بمنعطف استراتيجي هو الأكثر
خطورة وتعقيداً في تاريخه الحديث. هذا المنعطف لا يهدد فقط الاستقرار الهش، بل يضع
كيان الدولة برمتها أمام تساؤلات وجودية صعبة، ويجبرها على الاختيار بين مسارين
متوازيين يتنازعان على صياغة المشهد الراهن ومستقبله:
أولاً:
"
شرعية السياسة": وتتمثل في محاولات الدولة اللبنانية الرسمية، عبر
مؤسساتها الدبلوماسية الدستورية، الرامية إلى إيجاد مخارج سياسية وفرض وقف لإطلاق
النار، حمايةً لما تبقى من السلم الأهلي وبنية البلاد التحتية.
ثانياً:
"شرعية
الحرب": وتفرضها الوقائع الميدانية والعمليات العسكرية المستمرة
في الجنوب؛ وهي الشرعية الموازية التي يستمدها
حزب الله من ترسانته وفلسفة
المقاومة كأداة ردع بديلة في مواجهة الاختلال الهيكلي لموازين القوى، ومواجهة طموح
دولة الكيان في احتلال الأراضي اللبنانية، فهو يفرض فلسفة المقاومة والردع ضد هذا
التوغل
الإسرائيلي على مناطقه، أي شرعية الحرب من خلال مواجهة دولة الكيان لحماية
أراضي الدولة اللبنانية من هذا الاحتلال الغاشم.
لم تكن الجغرافيا اللبنانية يوماً ساحة حرب معزولة، بل "مختبر جيوسياسي" تُختبر فيه مشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط. وفي اللحظة الراهنة، يتجلى هذا الصراع عبر اصطدام عنيف حول نظرية "فصل الجبهات"
1. نظرية "فصل الجبهات" والأبعاد
الجيوسياسية للاستراتيجية الإسرائيلية:
من منظور
التاريخ السياسي، لم تكن الجغرافيا اللبنانية يوماً ساحة حرب معزولة، بل
"مختبر جيوسياسي" تُختبر فيه مشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط. وفي
اللحظة الراهنة، يتجلى هذا الصراع عبر اصطدام عنيف حول نظرية "فصل الجبهات":
- التفكيك
العسكري: ترتكز الاستراتيجية الإسرائيلية بشكل أساسي على تدمير مفهوم "وحدة
الساحات" عبر سياسة "الفصل العسكري" والاستفراد بكل جبهة على حدة
لتجريد قوى المقاومة من أوراق قوتها التكتيكية.
- إعادة
صياغة المنطقة: لا تقف الطموحات الإسرائيلية عند حدود تأمين الحدود الشمالية، بل
تتعدى ذلك إلى رغبة استراتيجية أوسع مستندة إلى تفوقها الجوي والتكنولوجي لإعادة
هندسة البيئة الأمنية الإقليمية برمتها وفرض شروط إذعان جديدة.
2. الموقف الإيراني: معركة الحفاظ على خطوط
النفوذ والردع:
في
المقابل، تمثل الجبهة اللبنانية بالنسبة لطهران حجر الزاوية في العقيدة الأمنية
الإقليمية:
- تلازم
المسارات: تندفع إيران بكل ثقلها الدبلوماسي والعسكري لإعادة تنشيط جبهات المقاومة
وتأكيد ترابطها العضوي، رافضةً أي صيغة تسوية تعزل جبهة عن أخرى.
- صيانة
معادلة الردع: تسعى طهران من خلال هذا التلازم إلى صياغة معادلة ردع جديدة تحمي
عمقها الاستراتيجي وتضمن الحفاظ على مكتسباتها الجيوسياسية الممتدة من بغداد إلى
بيروت، في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة.
3. المقاربة الدولية: ازدواجية المعايير
وشروط الإذعان:
على الصعيد
الدولي، تبدو المقاربة الغربية -ولا سيما الأمريكية- محكومة ببراغماتية حادة
وازدواجية واضحة في إدارة الأزمة:
- الدبلوماسية
المشروطة: في الوقت الذي تقود فيه واشنطن وعواصم أوروبية وساطات مكوكية ظاهرها
السعي للتهدئة، فإنها ترهن الاستقرار المستدام بشروط بنيوية قاسية تتلخص في
التطبيق الحرفي للقرارات الدولية (مثل القرار 1701)، وبسط سلطة الجيش اللبناني
كقوة مسلحة وحيدة.
- الغطاء
السياسي: ينظر المحور المناهض للسياسات الغربية إلى هذه التحركات الدبلوماسية على
أنها محاولة لتحقيق بالسياسة ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالكامل في الميدان، مما
يعمق حالة الشلل الدولي في فرض وقف حقيقي وغير مشروط لإطلاق النار.
4. الموقف العربي والإقليمي: بين الانكفاء
الحذر ومخاوف التمدد:
خط تشابك متقدم في صراع دولي وإقليمي طاحن يعاد فيه رسم ممرات التجارة، ومشاريع الطاقة، ومناطق النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في الشرق الأوسط بالحديد والنار
أما المشهد
العربي والإقليمي المحيط بلبنان، فيتسم بحالة من الترقب والحذر الشديدين التي تعكس
انقسام الرؤى حول صراع النفوذ في المنطقة:
- الدعم
الإنساني والانكفاء السياسي: تراوح العواصم العربية المركزية بين تقديم الدعم
الإنساني السخي للشعب اللبناني وملف النازحين، وبين الامتناع عن تقديم أي غطاء
سياسي أو مالي قد يصب في مصلحة تعزيز النفوذ الإيراني أو يشرعن بقاء السلاح خارج
إطار الدولة.
- غياب
الفعل الاستراتيجي: حوّل هذا التوجس الموقف العربي من "فعل قيادي مؤثر"
قادر على فرض توازنات تضمن سلامة لبنان، إلى "رد فعل دبلوماسي محايد"
يترقب نتائج الميدان، مما ترك بيروت مكشوفة الظهر في واحدة من أدق لحظاتها
التاريخية.
خلاصة
واستشراف: صراع المشاريع الكبرى ومستقبل الكيان
إن القراءة
العميقة لمجريات الأحداث تؤكد أن المشهد اللبناني الحالي ليس سوى خط تشابك متقدم
في صراع دولي وإقليمي طاحن يعاد فيه رسم ممرات التجارة، ومشاريع الطاقة، ومناطق
النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في الشرق الأوسط بالحديد والنار.
وفي هذا
المخاض المعقد، يتضح يوماً بعد آخر أن استقرار لبنان وحمايته من التلاشي لن يتحققا
عبر المسكنات الدبلوماسية المؤقتة أو الرهانات الميدانية المغامرة؛ بل يتطلبان
وعياً استراتيجياً داخلياً دقيقاً بطبيعة هذه التوازنات الكبرى، صياغته حتمية
للوصول إلى مظلة وطنية حقيقية تستوعب "شرعية السياسة" وتضبط وتوجه
"شرعية الحرب" تحت سقف الدولة، قبل أن تلتهم النيران ما تبقى من الكيان
اللبناني.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.