حين يتحوّل الفُجر إلى أداة حكم: الضفة الغربية تحت إدارة الاقتحام الدائم

لؤي صوالحة
"القضية لم تعد حدثا أمنيا يُدان في بيان، بل بنية سيطرة تُمارَس يوميا"- الأناضول
"القضية لم تعد حدثا أمنيا يُدان في بيان، بل بنية سيطرة تُمارَس يوميا"- الأناضول
شارك الخبر
في الضفة الغربية، لا يحمل الفجر وعدا ببداية جديدة، بل يعلن استمرار السيطرة. قبل أن تفتح المدن عيونها، تكون الآليات العسكرية قد سبقتها إلى الأزقة، ويكون الخوف قد دخل البيوت دون استئذان. هنا، لم يعد الاقتحام حدثا أمنيا استثنائيا، بل صار جزءا من النظام اليومي، تُدار عبره حياة الفلسطينيين، وتُقاس به حدود الممكن والممنوع.

ما يجري ليس سلسلة عمليات منفصلة، بل سياسة متكاملة، لا تُكتب في القوانين، لكنها تُطبَّق بدقة. اقتحام يتبعه انسحاب، ثم عودة في توقيت مختلف، في مكان آخر، بالأسلوب نفسه. هذا التكرار ليس ارتجالا، بل هندسة للسيطرة، تهدف إلى إبقاء المجتمع في حالة يقظة قسرية، حيث لا استقرار، ولا ذاكرة قصيرة للصدمة، ولا وقت للتعافي.

هندسة للسيطرة، تهدف إلى إبقاء المجتمع في حالة يقظة قسرية، حيث لا استقرار، ولا ذاكرة قصيرة للصدمة، ولا وقت للتعافي

إنسانيا، تُمسّ الحياة في أكثر تفاصيلها هشاشة. الأطفال الذين يشهدون الاقتحام لا يحتاجون إلى صور صادمة كي يُصابوا بالأذى؛ يكفي أن يروا الخوف في عيون ذويهم. النوم المتقطع، التعلّق المرضي بالأهل، التراجع الدراسي، كلها نتائج لا تُدرج في التقارير العسكرية، لكنها تتراكم لتصنع جيلا يعيش تحت ضغط دائم. المدرسة، التي يفترض أن تكون مساحة أمان، تصبح امتدادا لقلق البيت، والتعليم يتحول إلى محاولة نجاة ذهنية أكثر منه مسارا معرفيا.

ميدانيا، تتكرر المشاهد حتى تفقد قدرتها على الصدمة. جنود يفتشون المنازل، يحتجزون شبانا لساعات، يعبثون بالمحتويات، ثم ينسحبون. لكن هذا الاعتياد هو الخطر الأكبر؛ لأن تحويل القمع إلى روتين يعني تحويل اللامعقول إلى واقع طبيعي. الاقتحام هنا لا يستهدف فقط شخصا أو تنظيما، بل يستهدف فكرة الحياة المستقرة ذاتها.

اقتصاديا، يعمل الاقتحام كأداة تعطيل صامتة. لا حاجة لإغلاق شامل أو قرارات رسمية؛ يكفي أن تتكرر الاقتحامات ليصبح التخطيط اليومي مستحيلا. العامل لا يعرف إن كان سيصل إلى عمله، التاجر لا يضمن فتح متجره في موعده، والمزارع يتردد في الوصول إلى أرضه. هكذا، تتآكل القدرة على الإنتاج، ويتحول الاقتصاد إلى اقتصاد انتظار، قائم على الحد الأدنى من الاستمرار.

أما الصحة النفسية، فهي الضحية الأقل ظهورا والأكثر عمقا. القلق المزمن، الشعور الدائم بالتهديد، فقدان الإحساس بالسيطرة على الزمن الشخصي، كلها أعراض تتحول إلى حالة عامة. في هذا السياق، لا يعود الخوف رد فعل، بل بيئة، ولا يصبح الأمان غاية، بل ذكرى.

سياسيا، تكشف هذه السياسة غياب أي أفق حقيقي. الاقتحام الدائم يعكس إدارة للصراع لا حلا له، وسيطرة بلا مشروع سياسي، سوى إبقاء الواقع معلقا. إنها سلطة تعتمد على التفكيك بدل التنظيم، وعلى الاستنزاف بدل المواجهة الشاملة، وعلى خلق واقع لا ينهار، لكنه لا ينهض.

المعركة الحقيقية؛ ليس فقط في وقف الاقتحام، بل في كسر شرعيته الأخلاقية، قبل أن يُعاد تعريف الخوف بوصفه شكلا مقبولا من أشكال الحكم

هذا النمط من الحكم لا يحتاج إلى مؤسسات مدنية قوية، لأن الفوضى المضبوطة تقوم بالدور، لا يحتاج إلى إعلان طوارئ، لأن الطوارئ هي الحالة الدائمة، ولا يحتاج إلى إقناع، لأن الخوف يقوم بالمهمة.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الثقل، تستمر الحياة في الضفة الغربية. الناس ينهضون إلى أعمالهم، يرسلون أبناءهم إلى المدارس، يعيدون ترتيب بيوتهم بعد كل اقتحام، كأنهم يعلنون، بصمت، أن السيطرة لا تعني الاستسلام. هذا الاستمرار ليس إنكارا للواقع، بل مقاومة يومية له، لا تُرفع فيها الشعارات، لكنها تُمارَس بالفعل.

غير أن أخطر ما في الاقتحام اليومي ليس ما يفعله بالفلسطيني وحده، بل ما يفعله بمعايير العالم. حين تُدار حياة شعب كامل عبر الخوف المنتظم، دون مساءلة جدية، يتحول الصمت الدولي إلى شريك غير مباشر. هنا، لا يصبح السؤال فلسطينيا فقط، بل عالميا: ما الذي يعنيه أن يُقبل هذا النمط من الحكم بوصفه "وضعا قائما"؟

في الضفة الغربية، لا يُطلب من العالم التعاطف، بل الفهم، فالقضية لم تعد حدثا أمنيا يُدان في بيان، بل بنية سيطرة تُمارَس يوميا. وحين يتحول الفُجر إلى أداة حكم، وتصبح الحياة اختبارا يوميا للقدرة على الاحتمال، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس استمرار الاقتحام، بل اعتياد العالم عليه.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية؛ ليس فقط في وقف الاقتحام، بل في كسر شرعيته الأخلاقية، قبل أن يُعاد تعريف الخوف بوصفه شكلا مقبولا من أشكال الحكم.
التعليقات (0)