قضايا وآراء

من غزة إلى لاهاي: حين يصبح الصمت خيانة مكتملة الأركان

لؤي صوالحة
"هل سيبقى المجتمع الدولي شاهدا صامتا، أم سيقف لإنصاف الفلسطينيين وتحميل المسؤولين عن الجرائم العسكرية المسؤولية؟"- جيتي
"هل سيبقى المجتمع الدولي شاهدا صامتا، أم سيقف لإنصاف الفلسطينيين وتحميل المسؤولين عن الجرائم العسكرية المسؤولية؟"- جيتي
شارك الخبر
في قلب الشرق الأوسط، تقع غزة، مدينة صغيرة الحجم، كبيرة المعاناة، لكنها اليوم أكبر اختبار للضمير العالمي. غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مختبر حي للانتهاكات الإنسانية المنظمة، وساحة فاضحة لانهيار القانون الدولي الإنساني. هنا، يتحول الزمن إلى عدّاد للشهداء، وتُقاس كل لحظة بصرخة طفل تحت الأنقاض، أو بصرخة أم فقدت عائلتها بالكامل في لحظة واحدة.

في غزة، لا يُسأل الناس عن مستقبلهم، بل عن احتمال بقائهم على قيد الحياة، وعن كيفية النجاة من آلة القتل اليومية. كل شارع، كل منزل، كل زاوية، أصبحت أهدافا محتملة. المستشفيات والمدارس والملاجئ لا توفر حماية، بينما تتحول المدينة بأكملها إلى ميدان اختبار للأخلاق والقانون الدولي، الذي غالبا ما يتحدث عن الحقوق لكنه يطبّق معايير مزدوجة لإبادة شعب كامل.

"كل دقيقة صمت تمنح الاحتلال فسحة إضافية لإطالة مأساة الفلسطينيين، وكل تصريح دبلوماسي متردد يصبح جزءا من آلة القتل" (مسؤول حقوقي فلسطيني).

غزة: المدينة التي تختبر ضمير العالم
في السياسة الدولية، الصمت ليس فراغا، بل سلاح فعال، الدول الكبرى تستخدمه لحماية مصالحها، أو لتجنب إحراج حلفائها. لكن في غزة، الصمت يتحول إلى رصاصة قاتلة لكل طفل ونساء تحت القصف

غزة اليوم ليست مجرد ساحة قتال، بل مرآة للإنسانية العالمية. الغالبية العظمى من الضحايا المدنيين هم من النساء والأطفال، وفق بيانات الأمم المتحدة، ما يعكس حجم الانتهاكات المتعمدة ضد الإنسانية. كل يوم يمر يثبت أن الصمت الدولي ليس حيادا، بل مشاركة فعلية في استمرار الجريمة.

كل بيان "قلق عميق" أو موقف متردد يضيف غطاء زائفا لآلة القتل، ويحوّل معاناة البشر اليومية إلى مجرد رقم في تقارير رسمية لا تفعل شيئا على الأرض. غزة تختبر ضمير العالم بشكل مباشر: هل سيتخذ المجتمع الدولي موقفا حقيقيا، أم سيظل صامتا بينما تستمر آلة الإبادة؟

معاناة يومية: كل زاوية في غزة ميدان قتال

غزة اليوم هي مدينة بلا ملاذ آمن؛ لا توجد أماكن محمية من القصف، ولا مأوى يضمن حياة المدنيين. الشوارع المكتظة بالمواطنين أصبحت أهدافا، والمستشفيات والمدارس والملاجئ تحوّلت إلى رماد وحطام.

"كل لحظة هنا أقيم فيها على صفيحة ساخنة بين الحياة والموت" (شهيد حي، شاهد على قصف أحد الأحياء).

المدنيون الفلسطينيون يعيشون حالة من الرعب المستمر، حيث يُصبح كل خروج من المنزل مغامرة خطيرة، وكل لحظة صمت دولي تمنح الاحتلال شعورا بالإفلات من العقاب.

الصمت الدولي: جريمة مكتملة الأركان

في السياسة الدولية، الصمت ليس فراغا، بل سلاح فعال، الدول الكبرى تستخدمه لحماية مصالحها، أو لتجنب إحراج حلفائها. لكن في غزة، الصمت يتحول إلى رصاصة قاتلة لكل طفل ونساء تحت القصف.

الاحتلال لا يخشى الإدانات الرمادية، بل يخشى المواقف الواضحة، والضغط الدولي الفعلي، والمساءلة القانونية. من يختار الصمت بعد رؤية ما يحدث في غزة، يختار فعليا الاصطفاف مع آلة القتل، ويصبح شريكا غير مباشر في المجازر اليومية.

التاريخ والقانون الدولي

القوانين الدولية، من اتفاقيات جنيف إلى قرارات الأمم المتحدة، وضعت لحماية المدنيين في الحروب والنزاعات. لكن في غزة، كل هذه القوانين انهارت أمام آلة القتل الحديثة والممارسات المنهجية للاحتلال.

منذ عقود، تُستخدم الأعذار السياسية والتصريحات الدبلوماسية المترددة لتغطية الانتهاكات: "حق الدفاع عن النفس"، "تصعيد عسكري"، "أضرار جانبية"، كلها مصطلحات تبرر القتل العمدي للمدنيين، وتخفي الحقيقة المروعة التي تعيشها المدينة.

غزة: اختبار أخلاقي عالمي

القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع محلي أو إقليمي، بل اختبار عالمي للقيم الإنسانية والأخلاقية. من يقف مع غزة اليوم، لا يدافع عن شعب فقط، بل عن العدالة نفسها، وعن فكرة أن القانون الدولي ليس مجرد كلمات على ورق.

"من يصمت أمام ما يحدث في غزة، يختار عالما تُدار فيه العدالة بالقوة والمصلحة فوق الحق" (خبير حقوقي دولي).

غزة تكشف كل زيف، وتفضح كل من يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، وتضع العالم أمام السؤال الأساسي: أين كنت حين قُتل الأطفال؟ ماذا فعلت حين تحولت المدينة إلى ركام؟ هل صمتّ، أم وقفت مع الحق؟

غزة تكشف كل زيف، وتفضح كل من يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، وتضع العالم أمام السؤال الأساسي: أين كنت حين قُتل الأطفال؟ ماذا فعلت حين تحولت المدينة إلى ركام؟ هل صمتّ، أم وقفت مع الحق؟

الإعلام: بين الشهادة والتضليل

الإعلام الحقيقي نقل الحقائق، كسر الرواية الرسمية، وسمّى الأشياء بأسمائها؛ الإعلام الآخر اختار التضليل، أو الصمت الانتقائي، أو إعادة إنتاج خطاب الاحتلال بلغة "مهنية".

لكن الحقيقة أقوى من كل الروايات المزيفة؛ كل صورة طفل تحت الأنقاض، وكل صرخة أم فقدت أولادها، تهزم كل التبريرات الرسمية، وتفضح كل من اختار الصمت بدل الموقف.

من غزة إلى لاهاي: العدالة العالمية

القضية الفلسطينية لم تعد مأساة محلية فقط، بل اختبار عالمي لمصداقية القانون الدولي. من غزة إلى لاهاي، الطريق واضح: من يصمت اليوم يشارك في الجريمة، ومن يقف مع الحق يسعى لتطبيق القانون ومحاسبة المجرمين.

محكمة الجنايات الدولية في لاهاي تمثل ضمير العالم الآن؛ هل سيبقى المجتمع الدولي شاهدا صامتا، أم سيقف لإنصاف الفلسطينيين وتحميل المسؤولين عن الجرائم العسكرية المسؤولية؟

وفي الختام: الموقف واجب

من كل بيت مدمر، ومن كل طفل ونساء مستهدفين في غزة، الرسالة واحدة: الحياد مات، والصمت أصبح جريمة؛ إما أن تكون مع الحياة، أو تبرر الموت، وإما أن تنحاز للإنسان، أو تصطف مع آلة القتل.

في غزة، لا نطلب الشفقة، ولا دموعا، ولا خطابات موسمية، نطلب موقفا حقيقيا، فعلا ملموسا، وكسر جدار الصمت؛ لأن الصمت في زمن الإبادة ليس مجرد خيانة، بل جريمة مكتملة الأركان يجب أن تُحاسَب عليها كل العدالة الدولية وكل ضمير حي من غزة إلى لاهاي.
التعليقات (0)