ما يجري
في
الضفة الغربية اليوم، ولا سيما في محافظاتها الشمالية، ليس حدثا عابرا في سجل
الصراع، ولا تفصيلا هامشيا في يوميات
الاحتلال، بل هو تجلٍّ مكثف لمشروع إحلالي
متكامل، يجري تنفيذه بعقيدة صلبة، وبغطاء ديني مُسيَّس، يهدف إلى إعادة صياغة
الجغرافيا، وإعادة تعريف الإنسان، وإعادة كتابة التاريخ بالقوة والتأويل معا.
فمشهد الجدران الاستيطانية التي تلتهم الأرض، والكتل الاستيطانية التي تتمدّد بلا
حدود، وشبكات الطرق التي تُحكم الطوق حول المدن والبلدات
الفلسطينية، ليس إلا
ترجمة ميدانية لرؤية ترى في الضفة الغربية مجالا للتفكيك والعزل، لا وطنا لشعب حيّ
ومتجذر في أرضه.
ومن هنا،
لا يمكن فهم سياسات الاحتلال بوصفها إجراءات أمنية، لأن الأمن ليس سوى الذريعة،
بينما العقيدة هي المحرّك الحقيقي. فالاحتلال الإسرائيلي يوظّف الرواية التوراتية
والتلمودية بوصفها إطارا تأسيسيا للفعل الاستيطاني، وأداة لإعادة تعريف الأرض خارج
سياقها التاريخي والإنساني والقانوني. فالأرض، وفق هذا الخطاب، لا تُعرَّف بمن
سكنها وزرعها ودافع عنها، بل بمن ادّعى امتلاكها عبر تأويل ديني انتقائي حُوِّل من
نص إلى سلاح. ويستند هذا التأويل إلى نصوص توراتية صريحة، من بينها ما يرد في سفر
التكوين: "لنسلك أُعطي هذه الأرض" (التكوين 12:7)، وهو نص جرى تقديمه في
الفكر الصهيوني بوصفه وعدا مطلقا يتجاوز الزمن والتاريخ والسكان.
يصبح تفكيك الجغرافيا الفلسطينية المدخل الأكثر فاعلية لتفكيك الوجود الفلسطيني ذاته. فعزل المدن والبلدات عبر الأحزمة الاستيطانية، وربط المستوطنات ببعضها البعض، لا يعني فقط السيطرة على المكان، بل تمزيق الامتداد الجغرافي وتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة
وعليه،
يصبح تفكيك الجغرافيا الفلسطينية المدخل الأكثر فاعلية لتفكيك الوجود الفلسطيني
ذاته. فعزل المدن والبلدات عبر الأحزمة الاستيطانية، وربط المستوطنات ببعضها
البعض، لا يعني فقط السيطرة على المكان، بل تمزيق الامتداد الجغرافي وتحويل الضفة
الغربية إلى كانتونات معزولة، بلا تواصل، وبلا سيادة، وبلا أفق. وفي هذا السياق،
يلتقي التخطيط الاستعماري مع النص الديني المُسيَّس، حيث تقوم الرؤية التوراتية
كما تعتمدها التيارات الصهيونية الدينية على فكرة "التمكين في الأرض"
بوصفه واجبا مقدسا، وهو ما ينعكس بوضوح في سفر العدد: "فتملكون الأرض
وتسكنونها، لأني لكم أعطيت الأرض لتملكوها" (العدد 33:53).
كما تستند
هذه الرؤية إلى منطق إقصاء الآخر، كما يرد في سفر التثنية: "لا تُبقِ منهم
نسمة" (التثنية 20:16)، وهو نص شكّل في القراءة الصهيونية الدينية غطاء فكريا
لتبرير الطرد، والهدم، ومنع الوجود الفلسطيني باعتباره نقيضا للعهد الإلهي. وحين
تُفصل هذه النصوص عن سياقها التاريخي والأخلاقي، وتُعاد قراءتها كبرنامج سياسي،
تتحول إلى أساس أيديولوجي للاستيطان والإحلال.
ومن النص
إلى الواقع، تتجسد هذه العقيدة بوضوح فاضح في الأغوار الوسطى والشمالية، حيث يُعاد
تعريف المنطقة باعتبارها "الحدود الشرقية الطبيعية" والمجال الحيوي
للدولة العبرية المستقبلية. وهناك، تُنفَّذ سياسات تفريغ سكاني ممنهجة تنسجم مع ما
يرد في سفر التثنية: "تطردهم قليلا قليلا من أمامك" (التثنية 7:22)، وهو
نص يُستدعى في أدبيات الاستيطان لتبرير التهجير التدريجي لا الطرد الفوري. ويتكرر
المشهد ذاته في مسافر يطا ومسافر بني نعيم، حيث يُعاد إنتاج خطاب يرى في الأرض "فراغا"،
وفي الفلسطيني "وجودا زائدا عن الحاجة".
ويتقاطع
هذا الخطاب الديني مع الفكر الصهيوني الحديث، كما عبّر عنه تيودور هرتسل بقوله: "إذا
شئتم فليست أسطورة"، في تحويل مباشر للحلم التوراتي إلى مشروع سياسي، ثم جاء
فلاديمير جابوتنسكي ليصوغ هذه العقيدة بوضوح أشد حين قال: "لا يمكن لأي شعب
أصلي أن يقبل الاستيطان طوعا، ولذلك لا بد من جدار من القوة"، وهي الفكرة
التي تحولت لاحقا إلى عقيدة أمنية-استيطانية مطبّقة على الأرض.
ما يجري في الضفة الغربية لم يعد احتلالا عسكريا بالمعنى التقليدي، بل مشروع إحلال ديني-استيطاني شامل، يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة في آن واحد، ويجمع بين النص التوراتي والتخطيط الصهيوني لإنتاج واقع استعماري مغلق
وفي
موازاة ذلك، يؤدي المستوطنون المتدينون دور الذراع العقائدي الميداني لهذا
المشروع. فهم لا يتحركون خارج منظومة الاحتلال، بل في قلبها، مدفوعين بخطاب يرى في
العنف تنفيذا لوصية، ويتبادلون الأدوار مع جيش الاحتلال الذي يوفّر الغطاء
والحماية. وبهذا التداخل، يتحول الاعتداء الاستيطاني إلى فعل "مقدّس" في
وعي منفذيه، وتُمنح الجرائم حصانة سياسية وقضائية لأنها تُرتكب باسم نص مؤوَّل
وفكر مؤسِّس.
وبذلك،
فإن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد احتلالا عسكريا بالمعنى التقليدي، بل مشروع
إحلال ديني-استيطاني شامل، يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة في آن واحد، ويجمع بين
النص التوراتي والتخطيط الصهيوني لإنتاج واقع استعماري مغلق.
وفي
الخلاصة الأعمق، لا تدور المعركة حول جدار أو مستوطنة أو طريق التفافي فحسب، بل
حول الرواية ذاتها: رواية دينية جرى توظيفها سياسيا، وفكر صهيوني صاغ هذا التوظيف
في مشروع عملي، في مواجهة شعب يمتلك حق الأرض والتاريخ والوجود. إن تفكيك هذا
الاستخدام الاستعماري للنص الديني، وكشف تداخله مع الأدبيات الصهيونية المؤسسة، لم
يعد ترفا فكريا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وإعلامية، لأن الاحتلال حين يقدّم مشروعه
بوصفه تنفيذا لإرادة إلهية مدعومة بفكر مؤسس، فإنه يسعى إلى تحصين جرائمه من
المساءلة وتحويلها إلى قدر مفروض.
ومن هنا،
فإن معركة الفلسطيني في الضفة الغربية ليست مع الجرافة والبندقية وحدهما، بل مع
النص المختطَف، والرواية المُزوَّرة، والمعنى المُصادَر. إنها معركة على الوجود
ذاته، في وجه مشروع يسعى إلى محو شعب كامل باسم الدين، وإعادة كتابة التاريخ حين
تعجز القوة وحدها عن فرضه.