لم يعد
التحذير كافيا، ولم يعد الاستنكار وحده يفي بالغرض. نحن أمام لحظة فاصلة في تاريخ معركة
الكرامة
الفلسطينية، لحظة لا تحتمل المواربة ولا تسمح بتأجيل الفعل. في
سجون الاحتلال
اليوم، لا يُحتجز الفلسطينيون فقط، وإنّما يُساقون تدريجيا نحو تشريع الموت، عبر منظومة
قانونية يجري تشكيلها بعناية لتحويل الإعدام من جريمة إلى "إجراء"، ومن استثناء إلى قاعدة، ومن فعل إجرامي إلى
سياسة دولة معلنة.
لم تعد
القضية مسألة أوضاع إنسانية سيئة في المعتقلات، ولا مجرد انتهاكات جسيمة لحقوق الأسرى،
بل بات الخطر أكبر من ذلك بكثير: نحن أمام مشروع كامل لإعادة تعريف العدالة على مقاس
الاحتلال، بحيث تصبح المحاكمة محطة إجرائية تسبق القتل، ويغدو القانون أداة انتقام
لا ميزان عدل. تشريعات جديدة، ومسارات استثنائية، وخطاب سياسي علني لا يخجل من التلويح
بالإعدام كخيار مشروع، بل كوسيلة ردع وتصفية سياسية، في سياق يُنزَع عنه أي قناع قانوني
أو أخلاقي.
لم تعد القضية مسألة أوضاع إنسانية سيئة في المعتقلات، ولا مجرد انتهاكات جسيمة لحقوق الأسرى، بل بات الخطر أكبر من ذلك بكثير: نحن أمام مشروع كامل لإعادة تعريف العدالة على مقاس الاحتلال
شبكات
حقوقية دولية حذّرت بوضوح من خطورة هذا المسار، خاصة مع الدفع نحو إنشاء محاكم "خاصة" لفئة بعينها، أي للفلسطينيين دون غيرهم. هذه
المحاكم الاستثنائية لا تنتهك فقط مبدأ المساواة أمام القانون، ولكن تنسف جوهر العدالة
من أساسه، إذ تُقام خارج المعايير المعترف بها دوليا، وتُدار في بيئة تهيمن عليها المؤسسة
الأمنية، لا السلطة القضائية المستقلة. حين يُحاكم الإنسان أمام جهة أُنشئت خصيصا له،
لا ليُنصف بل ليُدان، فنحن لسنا أمام قضاء، بل أمام مسرحية قانونية تُكتب نهايتها قبل
أن يبدأ العرض.
وما يزيد
المشهد قتامة أن هذا المسار لا يتوقف عند حدود المحاكمة، بل يمتد إلى سياسة ممنهجة
لمنع الإفراج عن أسرى بعينهم بصورة مسبقة وجماعية، وحرمانهم من أي أفق قانوني حقيقي،
سواء عبر التبادل أو الإفراج المشروط أو حتى المراجعة القضائية الفعلية. نحن أمام انتقال
خطير من مفهوم العقوبة المحددة بزمن، إلى الاحتجاز المفتوح بلا نهاية، ومن السجن كإجراء
قانوني إلى السجن كعقوبة سياسية دائمة. هذا النمط لا يكرّس فقط الاحتجاز التعسفي، بل
يعزز بيئة الإخفاء القسري والعزل المطلق وحرمان الأسرى من أبسط حقوقهم الإنسانية، ويحوّل
السجن إلى مساحة سوداء خارج كل رقابة ومساءلة.
الأخطر
من ذلك كله هو التمهيد العلني لفرض عقوبة الإعدام، خاصة إذا كانت إلزامية أو تمييزية
وتستهدف الفلسطينيين تحديدا. إن الدفع بهذا الاتجاه يمثل انتهاكا جسيما للحق في الحياة،
ويقوّض ما تبقى من معايير العدالة، ويرفع خطر إعدام أبرياء في سياق محاكمات يطغى عليها
التسييس وانعدام تكافؤ الفرص. أي تطبيق رجعي للعقوبة، أو تشديد انتقائي للمعايير، ينسف
مبدأ الشرعية من جذوره، ويحوّل القانون إلى أداة تصفية، لا أداة حماية. هنا لا نتحدث
عن احتمال نظري، بل عن مسار واقعي يتشكل أمام أعيننا، خطوة بعد خطوة، في ظل صمت دولي
يكاد يكون تواطؤا.
من هنا
جاءت
حملة الشرائط الحمراء، لا كشعار عاطفي عابر، ولا كزينة بصرية في فضاء التضامن،
بل كنداء طوارئ إنساني وأخلاقي، قبل أن تتحول الزنازين إلى غرف إعدام، وقبل أن يصبح
الصمت الدولي شريكا مباشرا في الجريمة. اللون الأحمر في هذه الحملة ليس اختيارا جماليا،
بل رسالة واضحة: هذا لون الخطر، لون الدم، لون الإنذار الأخير. هو لون الحرية حين تُنتزع
بالقوة، ولون الدم حين يُسفك ظلما، ولون الغضب حين يتحول إلى فعل.
الحملة
تدعو إلى تفاعل رقمي موحّد ابتداء من مساء الخميس، 15 كانون الثاني/ يناير، عبر وسمين
واضحين لا يقبلان الالتباس: "#الحرية_للأسرى" و"#FreePalHostages"، لإعادة
الاعتبار لرواية المختطفين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، أولئك الذين لا يُقدَّمون
للعالم كمقاتلين أو سياسيين، بل كأطباء ونساء وأطفال ومدنيين، كضحايا مباشرين لمنظومة
قمعية تسعى اليوم إلى شرعنة قتلهم. الهدف ليس مجرد لفت الانتباه، بل كسر الصمت، وتفكيك
الرواية السائدة التي تحاول حصر مفهوم "الرهائن" في طرف واحد من المعادلة، بينما آلاف الفلسطينيين
يُحتجزون في ظروف ترقى إلى مستوى الاختطاف الممنهج.
أمام سؤال أخلاقي مباشر لا يقبل التأجيل: هل نتحرك قبل الإعدام، أم نكتفي بالبكاء بعده؟ هل نرفع الصوت الآن، أم نكتبه لاحقا في بيانات رثاء باردة؟
ولا تقف
الحملة عند حدود الفضاء الرقمي، بل تتوّج بحراك ميداني يوم السبت، 31 كانون الثاني/
يناير 2026، عبر توزيع ملصقات تحمل صور المختطفين الفلسطينيين
في المدن والميادين العامة، في خطوة رمزية تهدف إلى نقل القضية من الشاشات إلى الشوارع،
ومن التعاطف الافتراضي إلى الفعل الواقعي. لكن القيمة الحقيقية لهذا الحراك لا تكمن
في التنظيم بحد ذاته، بل في تحوّله إلى فعل شعبي فردي، لا ينتظر قرار مؤسسة ولا بيان
منظمة.
هذا الحراك
لن ينجح إذا بقي نخبويا، ولن ينقذ الأسرى إذا ظل محصورا في دوائر الناشطين والمنصات
الحقوقية. ما نحتاجه اليوم هو أن يشعر كل إنسان حر أن هذه القضية تخصه شخصيا، وأن له
دورا مباشرا فيها، مهما بدا بسيطا. لا تحتاج إلى إذن كي تعلّق صورة أسير في مدينتك،
ولا إلى تصريح كي تضع حولها شرائط حمراء، ولا إلى جهة راعية كي تلتقط صورة وتنشرها.
هذه ليست حملة مركزية تحتاج إلى غرفة عمليات، بل فعل مقاومة مدني يستطيع كل فرد أن
يقوم به حيثما كان، في أي شارع، في أي حي، في أي بلد.
لسنا أمام
نقاش سياسي تقليدي، ولا أمام خلاف في وجهات النظر، بل أمام سؤال أخلاقي مباشر لا يقبل
التأجيل: هل نتحرك قبل الإعدام، أم نكتفي بالبكاء بعده؟ هل نرفع الصوت الآن، أم نكتبه
لاحقا في بيانات رثاء باردة؟ حملة الشرائط الحمراء ليست نهاية الطريق، لكنها قد تكون
آخر فرصة حقيقية قبل أن يتحول السجن إلى مقصلة، والصمت إلى شراكة، والتأجيل إلى جريمة
مكتملة الأركان.
نريد أن
نتحرك الآن، لا لأننا نبحث عن الضجيج، بل لأننا نرفض أن نكون شهود زور على إعدام المختطفين
الفلسطينيين في أسوأ سجون على وجه الأرض. نريد أن نتحرك الآن، لأن التاريخ لا يرحم
المتفرجين، ولأن الدم حين يُسفك لا يعود، ولأن العدالة إن لم تُدافَع عنها في لحظة
الخطر، تتحول إلى ذكرى في كتب القانون لا أكثر.